أحترم رأي هؤلاء العلماء الأفاضل ولاسيما أنني تربطني بهم صلات قوية منذ أن كنت مشاركا في إصدار تقرير الحالة الدينية في مصر والذي كان يصدر عن مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية التابع لجريدة الاهرام كتبت في مقال سابق عن مقتل الشاب الصغير أحمد زكي - 19عاما - بأيدي 3 لصوص علي قارعة الطريق وفي عز الظهر، لأنه كان يستقل أتوبيس نقل عام، وشاهد اللصوص الثلاثة يتحرشون بسيدة مسنة ويحاولون سرقتها فقام بتنبيهها ونهر اللصوص، واشتبك معهم دفاعا عن هذه السيدة، فقام اللصوص أو البلطجية بإنزال الشاب عنوة من الأتوبيس في شارع أحمد سعيد بالعباسية، وضربوه ضربا مبرحا، ووقف المارة بل وركاب الأتوبيس يتفرجون عليه بسلبية منقطعة النظير، ولم يتحرك أحد للدفاع عنه حتي عندما قام أحد اللصوص بذبحه برقبة زجاجة، وتم نقل الشاب وهو ينزف إلي المستشفي الإيطالي بالعباسية ثم إلي اليوناني المجاور لها، ولكن لم يسأل فيه أحد ولم ينقل إليه دم، ومات نتيجة الإهمال الطبي . وقد سألت في نهاية مقالي :هل يستحق هذا الشاب لقب شهيد؟ . وبعد نشر المقال السبت الماضي في بعض الصحف المصرية، أكد لي بعض أساتذة الأزهر الكبار وأعضاء في مجمع البحوث الاسلامية والمجلس الأعلي للشئون الإسلامية إن هذا الشاب يستحق وينطبق عليه - بالقياس - وصف الشهيد، بل قال لي أحد العلماء الكبار الذي يشغل منصبا هاما في دار الإفتاء، إن قتلي الطريق الدائري الثلاثة عشر والذين صدمهم شاب مستهتر بسيارته خلال الشهر الجاري، هم شهداء أيضا، لان هؤلاء كان يسعي بعضهم إلي رزقه، والبعض الآخر إلي طلب العلم، وتعرضوا إلي حادثة أشبه بالكارثة الطبيعية، فماتوا وهم لا حول لهم ولاقوة . ولم يكن هناك إجماع علي تلك الفتوي - الودية - ورفض بعض شيوخ الأزهر منح لقب الشهيد لكل من لقي مصرعه إلا في الوقائع التي حددها القرآن وكشفتها السنة بحجة أنه لايصح الاجتهاد في ثوابت دينية . وأنا أحترم رأي هؤلاء العلماء الأفاضل ولاسيما أنني تربطني بهم صلات قوية منذ أن كنت مشاركا في إصدار تقرير الحالة الدينية في مصر والذي كان يصدر عن مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية التابع لجريدة الاهرام عامي 1996 و1997 ثم توقف، وكنت أقوم بتحرير الجزء الخاص في التقرير عن المؤسسات الدينية الرسمية والتي تشمل الازهر الشريف ومجمع البحوث الاسلامية ودار الإفتاء ووزارة الاوقاف، ولاأعرف لماذا توقف صدور هذا التقرير حتي الأن ؟، ولاسيما أنه كان يرصد الحالة الدينية في مصر بشقيها الاسلامي والمسيحي . ولكن من وجهة نظري - الصحفية وليست الدينية - المتواضعة إن شهداء الأسفلت والذين يموتون غدرا واستهتارا وإهمالا هم ايضا شهداء، كما إن استحقاق هؤلاء القتلي هذا اللقب هو أكبر تكريم لهم بعد موتهم أو استشهادهم، وأغلي تعويضا لأسرهم،والذي لا يقارن بملايين الجنيهات من تعويضات قد تصرف لهم . فعلي سبيل المثال، فقد قاد طالب في الجامعة الامريكية يدعي علي عبد الحميد سيارته بسرعة جنونية، وحاول تفادي سيارة نقل مقطورة، غير أن عجلة القيادة اختلت بين يديه وانحرفت السيارة منه لتصطدم بحشد من المواطنين أمامه في موقف لسيارات الأجرة والميكروباص علي الطريق الدائري بالوراق في إمبابة، فدهس عددا منهم وأصاب آخرين أثناء وقوفهم وهم لاحول لهم ولا قوة، الأمر الذي نتج عنه مصرع 13 بريئا وإصابة 7 آخرين، وكان بعضهم يسعي إلي رزقه، والبعض الاخر كان ذاهبا لطلب العلم، وقد اقر الطالب القاتل في التحقيقات بأنه كان يسير علي سرعة كبيرة للغاية وانه اصطدم عن طريق الخطأ بحشد من المواطنين الأمر الذي أسفر عن قتلي وجرحي في صفوفهم . وقد احال المستشار عبد المجيد محمود النائب العام المتهم إلي محكمة عاجلة،وبدأت محكمة شمال الجيزة يوم السبت الماضي23 اكتوبر محاكمته . حادثة موجعة أخري حدثت لأحد أقاربي في الأسكندرية يوم السبت الماضي، فقد قامت سيارة يقودها أيضا شاب صغير بسرعة جنونية، بدهس قريبي الطالب الجامعي، وهو المرحوم احمد علاء الدين فوزي فأردته قتيلا، ولكن لم يحل هذا القاتل الطائش إلي محكمة عاجلة، مثل مرتكب حادث الدائري، بل عاد إلي بيته بعد إرتكابه الحادث بساعتين في صحبة والدته، لأنه مسنود، وقبل أن تجف دماء القتيل أو حتي يدفن، بحجة أن الحادثة قتل خطأ، أو بالأحري إن القتيل هو المخطيء لإنه كان يقف بجوار الرصيف مباشرة، مما جعل والده يتقدم بتظلم إلي المحامي العام لنيابات شرق الإسكندرية، طالبا إعادة التحقيق في مصرع إبنه، ومتظلما فيه من قرار النيابة، لا من محضر الشرطة، ونادرا ما يقوم مظلوم برفع شكوي ضد وكيل نيابة إلا إذا كان هناك ظلم بين قد وقع عليه . يقول الأب المكلوم في تظلمه الذي يحمل رقم3840 والمقيد يوم 21 أكتوبر 2010مكتب المحامي العام لنيابات شرق الأسكندرية. أثناء وقوف نجلي ووحيدي المرحوم أحمد علاء الدين فوزي الطالب بكلية التجارة جامعة الاسكندرية -18عاما - في موقف الانتظار بشارع الكورنيش في منطقة إسبورتنج بالأسكندرية كي يركب وسيلة مواصلات تقله الي كليته، جاءت سيارة مسرعة بسرعة جنونية يقودها شاب صغير، وإنحرفت الي جوار الرصيف مباشرة حيث يقف نجلي ودهسته،وقد حاول الجاني الهرب ولكن إستوقفه سائق ميكروباص وسلمه إلي قسم شرطة باب شرق، وتم نقل نجلي إلي المستشفي ولكنه مات متأثرا بجراحه من قوة الصدمة . يضيف الاب في تظلمه،إنه تم الإفراج عن الجاني بعد ساعتين من وقوع الحادثة وبعد سؤاله سريعا من النيابة، رغم أن هذا الشاب المستهتر كان يقود سيارته بسرعة جنونية ولم يستعمل الفرامل لتفادي الحادثة أو تخفيف وطأتها، كما أنه هرب بعد الحادثة ولم يقف لإسعاف المصاب أونقله إلي المستشفي بل استوقفه عنوة سائق ميكروباص، فكيف بعد ذلك كله يطلق سراح هذا الشاب؟ وأكد الأب في تظلمه أنه لايريد تعويضا ماديا ثمنا لدم إبنه وإنه راض بقضاء الله وقدره،ولكن يريد العدالة والقصاص وأخذ حق إبنه لإنه يري تقصيرا من وكيل النيابة في حق إبنه الراحل خاصة في عمل الإجراءات القانونية الضرورية ضد الجاني لحفظ حق ابنه المجني عليه، وتحقيق العدالة، كما أن هناك شبهة استغلال نفوذ من أقارب الجاني لحفظ التحقيقات، ولاسيما أن مرتكب الحادثة شاب صغير يحمل رخصة قيادة صدرت في أول العام الجاري 2010،وكان يسير بسيارة شقيقته الجديدة رينو ميجان 2010 - بسرعة جنونية،ويعرض أرواح الأبرياء للخطر. ويسأل علاء الدين فوزي والد الضحية :إلي متي سيحمي القانون هؤلاء المستهترين؟ ويؤكد أنه لايريد أن يدين أحدا بعينه، ولكنه مواطن مصري يتظلم من النيابة وليس من الشرطة في قضية مصرع إبنه،بل قال في نهاية تظلمه: لقد رخصت الأرواح في مصر في الوقت التي ارتفعت فيه أسعار كل شيء . وبالطبع مادامت القضية في حوزة القضاء العادل فإني أثق تماما في نزاهة القضاء بصفة عامة وسيادة المحامي العام لنيابات شرق الأسكندرية بصفة خاصة، فأوراق القضية في مكتبه الآن وسوف يتحذ اللازم من أجل تحقيق العدالة، وحتي لاتضيع دماء أحمد هدرا، وكي يشفي والده غليله، وحتي يطمئن اصدقاؤه أن مصر دولة مؤسسات ولاأحد فوق القانون،وحتي لايفقد المواطن العادي ثقته في بلده ويتأصل الأنطباع الموجود لدي العامة إن أولاد الكبار دائما مسنودون أما الغلابة فإن أرواحهم رخيصة ولاتساوي شيئا . إن حادثة أحمد علاء الدين فوزي ومن قبلها حادثة الدائري، تكشف أبعادا أخري في كوارث وحوادث الطرق في مصر والتي زادت حدتها مؤخرا ونبه إلي خطورتها الرئيس مبارك أثناء افتتاحه بعض المشروعات في منطقة القناطر علي نهر النيل الأسبوع الماضي . وقدأرجع وزير النقل المهندس علاء فهمي السبب الأساسي لزيادة حوادث الطرق إلي العنصر البشري . نعم الأخطاء البشرية الفادحة هي السبب الأساسي لحوادث الطرق بالإضافة الي سوء حالة الطرق وقصور في قانون المرور. ولكن هناك أبعادا أخري في الأخطاء البشرية المسببة لحوادث الطرق، تضاف إلي تناول السائقين للمنشطات والمخدرات وعدم تدريبهم جيدا والسرعة الزائدة، ألا وهي منح الرخص بسهولة إلي أطفال أحيانا كمجاملة وبالواسطة إلي شباب مستهتر صغير السن ، والذين يقودون السيارت بتهور وسرعة شديدة من باب التفاخر،وعلي الطريقة الأمريكية، خاصة إن السيارات الجديدة بها إمكانيات كبيرة لزيادة السرعة بل وتساعد الشباب الصغار علي عمل المناورات، والسير بسرعة جنونية وحصد أرواح الشباب،ولكن تلك السيارات رغم تكنولوجياتها العالية تفتقد إلي عناصر الأمان . وقد قامت اجهزة الأمن بمنع المسابقات التي كانت تتم ليلا في طريق مطار القاهرة بين السيارات الفارهة التي يقودها شباب أرعن ومستهتر بعد حادثة بشعة وقعت منذ سنوات وراح ضحيتها العشرات، كما منعت العام الماضي سباقات لسيارات كانت تنطلق بسرعة جنونية في شارع جامعة الدول العريية، وكنت أشاهدها ليلا أثناء خروجي انا وأسرتي من نادي الزمالك المجاورلذلك الشارع وقد نجحت أنا وزملاء صحفيين من أعضاء النادي في منع تلك السباقات بعد تقدمنا بشكوي إلي وزير الداخلية، وقامت اجهزة الامن بمنع حتي السير بسرعة شديدة في هذا الشارع الذي يعج في الصيف بالسائحين العرب والاجانب. كلي ثقة أن مصر بلد قانون،ولن تضيع شكوي مواطن له حق لأننا بلد مؤسسات، وسوف يأخذ والد الشهيد أحمد علاء الدين فوزي حقه، لإننا جميعا صغارا وكبارا سواسية تحت مظلة القانون ,واتمني ألا يكون الواقع العملي غير ذلك حتي لا تتطاير شرارة الغضب الشعبي وتحرقنا جميعا صغارا وكبارا . [email protected]