لعله من مفارقات عملية العولمة الحديثة الجارية أنها بينما تحفز علي تأكيد الذاتيات المحلية والثقافات التاريخية، تربط في الوقت نفسه بين مصائر شعوب العالم معا علي نحو أوثق.... وليس ثمة خطر كبير في أن يختفي تمايز الثقافات والتقاليد الوطنية.... فالواقع يؤكد أن قدرا من الأمن للذاتية الوطنية يمكن أن يعتبر شرطا مسبقا لازما لتوجه دولي أكثر ثقة وأكثر سماحة، والأمر المرجح في المستقبل أن ترحب كل القوي الديمقراطية في العالم بمثل هذا التطور طالما أن الاتجاه إلي تحقيق عالمية الديمقراطية ومبادئها يقوي بالضرورة النزعات الإنسانية وتفعيل قيم التسامح والتصالح..... فعندما تم تأسيس منظمة الأممالمتحدة للتربية والثقافة والعلوم (UNESCO) كان الهدف منها بث روح التصالح والتسامح بين ثقافات العالم المختلفة، والحفاظ علي التراث العالمي، إضافة إلي النهوض بالثقافة والتعليم في كل الدول وإعلاء قيم احترام الآخر والحفاظ علي الهويات المختلفة وخصوصيتها مع تواصلها مع الحضارات العالمية..... ومع تطور المجتمعات وأنساق قيمها في ظل العالم المفتوح وتعدد الثقافات وتكاملها والاعتماد المتبادل، أي ترسيخ لقيم العولمة الإنسانية، صارت هذه المنظمة المظلة والآلية العالمية للحفاظ علي التراث الإنساني- المادي والروحي- وتنقيته من أي شوائب عنصرية أو استبعادية أو إقصائية. ولكن، لقد كانت انتخابات اليونسكو لخريف 2009م خريفا لقيم التسامح والتصالح... خريفا لثقافة الديمقراطية.... وصعودا لقيم التآمر العلني والمبتذل... صعودا للقيم الاستبعادية والعنصرية. تآمرت قوي عظمي بمؤسساتها وإمكاناتها المادية والمعنوية.... تآمرت بتهديداتها ومعوناتها.. تآمرت بأحلافها وسطوتها الاقتصادية من أجل إفشال نجاح مرشح مصر الليبرالي. تآمرت ليس من أجل مرشح بعينه اختارته عن قناعة وإيمان ببرنامجه للنهوض بهذه المؤسسة العريضة، ولكن تآمرت فقط من أجل إقصاء مرشح مصر.. إن الدرس الحقيقي لانتخابات يونسكو خريف 2009م أنها كشفت زيف المقولات الخادعة عن حوار الحضارات والتصالح والتسامح والتعددية رغم أننا آمنا بها فعلا وقولا ولكننا نسينا أننا في الخريف.... لقد خسرنا اليونسكو بأكثر مما خسرناه وفزنا بعودة وزير لكي يكمل مشروعاته التنويرية لمصر المدنية والحضارة. إن إنجازات حسني فيما يخص التنمية الثقافية كبيرة ومتعددة وتحتاج لمن يكملها فنحن شهدنا إرساء لبنية ثقافية متعددة مثلت البنية الأساسية لأي تطور سياسي كان أم اقتصادي أم اجتماعي، فقد أثبتت التجارب أن الثقافة تمثل البناء التحتي لكل أشكال الوعي الأخري، وأن مجتمعا بلا تنمية ثقافية يفقد هويته ولا يستطيع التفاعل مع العالم الذي يحيطه، ولذلك فقد كانت التنمية الثقافية المستدامة والتي تمثلت في إرساء ثقافة الانفتاح علي الآخر وثقافة التعدد والفن والإبداع، وثقافة الاختراق والابتكار، هي التي كانت محور هذه التنمية الثقافية، فوزارة الثقافة في العشرين سنة الأخيرة، لم تكن وزارة للثقافة بالمعني التقليدي والإرث التاريخي، ولكنها تفاعلت مع معطيات العولمة والانفتاح وصارت بإنجازاتها وزارة للتنمية الثقافية، شهدنا خلال هذه السنوات تأصيلا لأهمية الآثار المصرية والإسلامية والقبطية. كما شهدنا استيراد وتصدير إنتاج الفنون الرفيعة كالأوبرا والباليه والرقص الحديث، والمسرح التجريبي. إضافة إلي التوسعات في شبكات الثقافة الجماهيرية وقصور الثقافية علي كل محافظات مصر، وهذا يعني أن هناك استراتيجية للتنمية الثقافية المستدامة وليست إدارة لوزارة تعني بالثقافة بالمعني التقليدي والمباشر..... وأخيرا أكسبتنا انتخابات اليونسكو لخريف 2009م أننا نمتلك كفاءات ومهارات علي أعلي مستوي وتظهر قدراتها الفائقة وإبداعاتها في اللحظات الحرجة التي يعلو فيها اسم مصر أكسبتنا انتخابات خريف 2009م مجموعة من المفاوضين المهرة الذين قادوا هذه الحملة الانتخابية من مجموعة سخروا كل طاقاتهم وعلومهم وثقافتهم من أجل إدارة هذه الانتخابات بكل شفافية ونقاء ومهارة ولكنهم ووجهوا بالغدر والخيانة.. ولكننا كسبناهم أروقة جديدة من أروقة بناء مصر الحديثة. وكسبنا وزيرا مثقفا ليبراليا حقيقيا لإكمال مشروعاته التنموية الثقافية.. فقد صدق الرئيس مبارك حقا عندما قال لوزير ثقافته بعد انتخابات خريف 2009م "ارمي ورا ظهرك": حقا ارمي ورا ظهرك بجد.