هذه المرة في عام 2008 فإن تعبير "الحرب الباردة الجديدة" لا يعني أكثر من سلسلة من التصريحات والحوادث، أولها جاء مترددا علي لسان فلاديمير بوتين رئيس الجمهورية السوفيتي حينما بات يحذر من انفراد أمريكا بقيادة العالم التاريخ لا يعيد نفسه، وهناك دائما جديد تحت الشمس، وعندما استخدم تعبير "الحرب الباردة الجديدة" لم يكن ذلك خلال الأيام القليلة الماضية وبعد الغزو الروسي لجورجيا وإنما حدث في عام 1979 عندما قام الاتحاد السوفيتي بغزو أفغانستان حيث كان الحدث إيذانا بانتهاء فترة سابقة في العلاقات الدولية عرفت "بالوفاق" حيث توصل العملاقان السوفيتي والأمريكي إلي سلسلة من التفاهمات تمنع نشوب الحرب النووية بينهما وتنظم سباق التسلح في ذات الوقت وتفتح أبوابا للتعاون في مجالات بعينها في ظل ما عرف باتفاقيات هلسنكي عام 1974. وظل هذا التعبير الحرب الباردة الجديدة ذائعا علي مدي السنوات الست التالية حتي تولي جورباتشوف السلطة في موسكو وبدأت بعدها مرحلة جديدة من العلاقات الدولية بدأت بالبيرستوريكا أو تجديد الدولة السوفيتية داخل الدولة الاشتراكية وانتهت بانهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه إلي 15 جمهورية مستقلة. وخلال هذه الفترة كانت "الحرب الباردة" لا تزال كما هي، حيث التنافس علي النفوذ الدولي لا يزال مستمرا، والخلاف الأيديولوجي عن النظام الأكثر عدالة وكفاءة وقدرة علي قيادة البشرية لا يزال موجودا، وسباق التسلح بين الغرب والشرق متسارعا حتي وصل إلي الفضاء الخارجي، وبشكل من الأشكال كانت الحرب الكلامية موجودة بصورة يومية بين موسكو وواشنطن. ولكن "الجديد" في هذه المرحلة كان التخلص من مرحلة تهدئة نسبية، والرجوع عن تفاهمات قائمة، ونزعة متزايدة إلي جولة جديدة من الصراع في أقاليم العالم جري بعضها في أمريكا الوسطي في نيكاراجوا والسلفادور، وبعضها الآخر في أفريقيا خاصة في منطقة القرن الأفريقي، وبعضها الثالث في أفغانستان، ووصل إلي الشرق الأوسط في حرب لبنان. هذه المرة في عام 2008 فإن تعبير "الحرب الباردة الجديدة" لا يعني أكثر من سلسلة من التصريحات والحوادث، أولها جاء مترددا علي لسان فلاديمير بوتين رئيس الجمهورية السوفيتي حينما بات يحذر من انفراد أمريكا بقيادة العالم؛ وثانيها حينما حاول خلق رابطة من نوع أو آخر مع الصين والهند أو كليهما حتي بدا كما لو كان الثلاثي يمكنه تكوين قطب دولي آخر يصارع القطب الأمريكي الدولي الباقي والذي بات متوغلا في العالم بعد غزو أفغانستان والعراق بحيث تمدد حلف الأطلنطي حتي وصل إلي الحدود الروسية سياسيا بانضمام دول حلف وارسو السابقة إلي الحلف وعسكريا بنشر نظم صواريخ جديدة مضادة للصواريخ؛ وثالثها كان مع الغزو الروسي لجورجيا حيث ظهر أن روسيا لم يعد لديها الاستعداد للسكوت علي ما جري لمصالحها حينما أصر الغرب علي منح الاستقلال لإقليم كوسوفو مهما كانت هناك اعتراضات روسية علي هذا الأمر. ولكن مع ذلك فإن الحديث عن "الحرب الباردة" لا يبدو مطابقا للحال الآن وأن ما لدينا في العلاقات الدولية ما هو إلا أوضاع جديدة تطلب المزيد من القراءة والتمحيص؛ فروسيا أولا ليست مثل الاتحاد السوفيتي الذي كان إمبراطورية مترامية الأطراف تضم خمسة عشر جمهورية كاملة باتت كلها معادية أو غير صديقة لموسكو، أو شبه معادية علي الحدود والأطراف ربما باستثناء بيلاروس أو روسياالبيضاء. وهي ثانيا لا يوجد لديها أيدلوجية عالمية منافسة للرأسمالية ومعادية وتلهم قطاعات واسعة من البشرية، بل علي العكس من ذلك فإن روسيا باتت تجمع ما بين الرأسمالية في أحط مراحلها حيث جمعت ما بين اقتصاد السوق وجماعات المافيا، وحكم دولة المخابرات التي يتبادل فيها رئيس الجمهورية المواقع مع رئيس الوزراء من خلال عملية "ديمقراطية" محكمة لا توجد في بلد ديمقراطي حقيقي. وروسيا ثالثا التي رغم نموها الاقتصادي الهائل خلال السنوات السابقة والذي جعل الناتج المحلي الإجمالي يتعدي 2 تريليون دولار، فإنها لا تزال تماثل دول العالم الثالث الناهضة أكثر منها تمثل دولة متقدمة داخلة في المنافسات الدولية الكبيرة والتاريخية. فحوالي 80% من الصادرات الروسية من المواد الأولية ومعظمها نفط وغاز؛ ومن ناحية المؤشرات الإنسانية المعروفة فإن روسيا دولة عالم ثالث بامتياز حيث العمر المتوقع عند الميلاد لا يزال 69 سنة لدي الإناث و63 سنة للذكور. وروسيا رابعا وأخيرا لم تدخل المنافسة العالمية بعد لا في مجالات الإنتاح ولا في مجالات التكنولوجيا رغم أنها لا تزال ترسل الرواد إلي الفضاء وتنتج الكثير من الأسلحة المتقدمة، ولكنها لا يوجد لديها ما تحقق في ثروة البرمجيات في الهند، ولا كل أنواع الثورات كما في الصين ومن قبلهما اليابان وأوروبا، وفي كل الأحوال فإنها بعيدة عن المنافسة علي أنصبة كبيرة من العولمة. وفي العالم كله لا توجد سلعة روسية واحدة يستخدمها البشر، فضلا عن سلع الثورة الصناعية الثالثة في المعلوماتية والهندسة الوراثية وحتي الأقمار الصناعية لا يوجد ما يمكن نسبته إلي العبقرية الروسية في سوق تجارة الاتصالات العالمية. كل ذلك يجعل روسيا عملاقا له أقدام من صلصال، وهو عملاق يمكنه أن يلعب دورا في الجوار الجغرافي حيث حروب الأقليات والطوائف تضيف أشكالا مختلفة من الضعف، وهو دور روسي تاريخي قامت به روسيا حتي وهي في أكثر أحوال الضعف حينما توسعت روسيا القيصرية علي حساب القوقاز والعالم التركي حتي قبل مولد الاتحاد السوفيتي والثورة البلشفية. ومثل هذه الأخبار ربما لن تسعد الكثيرين في العالم العربي حيث يتزايد الشبق لعودة الحرب الباردة مرة أخري استنادا إلي فرضية مؤداها أن العرب كان لديهم فرص واسعة للعب علي الحبال العالمية حينما كانت المنافسة قائمة بين العملاقين السوفيتي والأمريكي. ولكن التاريخ ينكر هذه الفرضية، ففي فجر الحرب الباردة بعد الحرب العالمية الثانية لم تتفق موسكو وواشنطن علي شيء إلا الاعتراف بالدولة العبرية؛ وفي ظهر الحرب الباردة في منتصف الخمسينيات اتفق كليهما مرة أخري عام 1956 في حرب السويس لأنهما أرادا التخلص من القوي الاستعمارية المتلكئة في النظام العالمي- بريطانيا وفرنسا- وآن الأوان لكلاهما أن يعود إلي حجمه الطبيعي، وفي عصر الحرب الباردة اختلفا علي حسابنا هذه المرة وكانت النتيجة كارثة يونيو 1967 وهي التي نعاني من نتائجها حتي الآن. الفرضية إذن ليس لها أساس تاريخي، وربما كان أقصي ما فيها أنها تعطي وهما بالقدرة علي المناورة، وربما تتيح غيظا لطرف علي حساب طرف آخر، ولكنها في كل الأحوال لا تقدم تغيرات أساسية لتوازنات القوي، وربما كان غائبا عنها كم الروابط الهائلة والقائمة الآن بين روسيا والعالم الغربي في مجالات التجارة والاستثمار والمشاركة في مؤسسات متعددة بعضها انبثق عن اتفاقيات هلسنكي السابقة وبعضها الآخر جاء بعد انضمام روسيا لما صار مجموعة الدول الثماني. ومن الناحية العملية زاد الاعتماد المتبادل بين الطرفين فأوروبا كلها زاد اعتمادها علي الغاز الروسي أكثر من أي وقت مضي، كما زاد اعتماد روسيا علي بيعه لأوروبا أكثر من أي وقت في السابق؛ وروسيا بفسادها وصلاحها باتت من أكبر الأسواق للشركات الأوربية والأمريكية متعددة الجنسيات، وهي سوق ضخمة ومتسعة، ومؤخرا لديها الكثير من الأموال لكي تشتري البضائع والتكنولوجيات الحديثة بعد أن ارتفعت أسعار النفط والغاز إلي مستويات تاريخية وغير مسبوقة. وكل ذلك يجعل صراعا جديدا وعنيفا وحادا بين موسكو والغرب علي طريقة الحرب الباردة في الماضي أمرا مستبعدا، وأكثر من ذلك يكون من العمق بحيث يتيح الفرصة لأطراف خائبة عربية أو غير عربية للعب عليه، أمرا مستبعدا للغاية!!.