استضافت القاعة الرئيسية ببلازا (1)، ضمن محور «المؤسسات» بفعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، ندوة بعنوان «نحو شراكة من أجل نهضة ثقافية: مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص (مؤسسة مصر الخير)»، بمشاركة المهندس حسين مصري، المدير التنفيذي للعمليات لمجموعة شركات جهينة، والدكتور عصام شرف، رئيس مجلس أمناء الصالون البحري المصري ورئيس مجلس الوزراء الأسبق، والدكتور محمد رفاعي، الرئيس التنفيذي لمؤسسة مصر الخير، والدكتورة نيفين الكيلاني، وزيرة الثقافة السابقة، وأدار الندوة الدكتور شريف منجود، معاون وزير الثقافة السابق ومدير ورشة الخان للكتابة الإبداعية. وشهدت الندوة حضور عدد من الشخصيات العامة والمثقفين، من بينهم الدكتور وسيم السيسي، عالم المصريات، إلى جانب عدد من أعضاء الصالون البحري المصري، وعدد من المهتمين بالشأن الثقافي والفكري، وهو ما أضفى على النقاش ثراءً وتنوعًا في الرؤى، وعكس الاهتمام الواسع بموضوع الندوة وأهمية ما طرحته من أفكار تتعلق بالشراكة الثقافية وبناء مشروع وطني جامع. وفي مستهل الندوة، رحب الدكتور شريف منجود بضيوف المنصة والحضور، موجّهًا الشكر لمؤسسة مصر الخير على تنظيم وإدارة الندوة، مؤكدًا أن الحديث عن نهضة ثقافية حقيقية يقتضي أن تكون الشراكة المطروحة قيمة مضافة فاعلة، لا مجرد إطار نظري أو فعالية عابرة، وهو ما مهّد لطرح الرؤى المختلفة حول مفهوم الشراكة ودورها في بناء مشروع ثقافي وطني جامع. واستهل الدكتور عصام شرف مداخلته، التي حملت عنوان «فنجان الشاي»، بالحديث عن فلسفة التجانس والتكامل، موضحًا أن التنوع، حتى في أكثر صوره تباينًا، يمكن أن يتحول إلى قوة مشتركة حين يندمج في إطار واحد، دون إلغاء للاختلافات، بل عبر توظيفها لتحقيق التناغم والتوازن. وربط شرف هذا المفهوم بهندسة الطرق، حيث يؤدي ضعف التماسك إلى التفكك وارتفاع كلفة الصيانة، قبل أن يطبّق الفكرة على المجتمع المصري بتنوعه الديني والعقائدي والثقافي والجغرافي، مؤكدًا أن الانتقال من التباين إلى التجانس لا يتحقق إلا من خلال «مشروع الوطن الثقافي» الذي يجمع الجميع على هدف وطني واحد. اقرأ أيضا| مد فترة التقديم للمشاركة بمهرجان القاهرة للمسرح التجريبي ل33 حتى 20 فبراير واستشهد شرف بكلمة لورد ماكولاي أمام البرلمان البريطاني في الثاني من فبراير عام 1835، مشددًا على أن سيادة الهوية الوطنية بوصفها هوية جامعة قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. وأوضح أن «مشروع الوطن الثقافي» يقوم على مسارين متوازيين: الداخل القوي بوصفه أساس المقاومة، وإعمال العقل باعتباره القيمة المضافة العظمى. وأكد أن الداخل القوي يعني تناغم الاختلاف لا تحوله إلى خلاف، في إطار ثقافة التعايش والغيرية، بحيث تتناغم الهويات الفرعية تحت مظلة الهوية الوطنية، لا أن تتطابق معها، لافتًا إلى أن الإيمان بالحظ يتراجع كلما تقدم العلم، مختتمًا حديثه بالتأكيد على ضرورة التوازن بين الهوية الوطنية والابتكار والإبداع. وفي سياق الحديث عن تحديات الشراكة بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، أعربت الدكتورة نيفين الكيلاني عن سعادتها بالمشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، مشيرة إلى أن كثرة الندوات والفعاليات الثقافية لا تعني بالضرورة تحقيق أثر حقيقي، إذ يبقى الرهان الأساسي على الدور التنموي المستدام لا المنجز المؤقت قصير المدى. وأوضحت أن الشراكة مع منظمات المجتمع المدني تظل ضرورة، رغم غموض بعض الأدوار، لا سيما في ما يتعلق بإدارة الجمعيات التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة، مؤكدة أن دعم وزارة الثقافة لا يجب أن يقتصر على الجانب المادي، بل يمتد إلى الدعم اللوجستي والثقافي، بما يسهم في التمكين الحقيقي. وأشارت الكيلاني إلى أن مصر، بما تمتلكه من تنوع ثقافي وتراثي واسع، حتى في تفاصيل الزي والهوية المحلية، تحتاج إلى مشروع واضح وخطة مشتركة تبلور هذا التنوع في إطار هوية وطنية للدولة الحديثة، مشددة على أن وضوح الهدف في الشراكة لا يقل أهمية عن الاستدامة، رغم ما يواجهه التعاون بين المجتمع المدني والقطاع الحكومي من عقبات قانونية وتنظيمية. من جانبه، ربط المهندس حسين مصري بين التنمية الصناعية ودور الثقافة، مؤكدًا أن التنمية الثقافية لا تنفصل عن الوعي والهوية والسلوك، وأن القطاع الخاص شريك أصيل في هذا المسار. وأوضح أن مجموعة جهينة تولي اهتمامًا كبيرًا بالموارد البشرية، وتعتمد على الشراكات والتكامل مع مختلف الجهات باعتبار الاستدامة أساس العمل، من خلال سد احتياجات المواطن ومتطلبات الشركة، ثم الانطلاق إلى تنفيذ المشروعات، وعلى رأسها برنامج التكامل الصناعي المصنف الأول في مصر، والذي يتحقق عبر شراكات فعالة بين القطاع الحكومي والمجتمع المدني بما ينسجم مع استراتيجيات التنمية. وأكد أن العائد من التنمية الثقافية لا يُقاس بالمردود المادي فقط، بل بالعائد القومي القائم على التحسين المستمر والتدريب الجيد. وفي ختام الندوة، أكد الدكتور محمد رفاعي أن معرض القاهرة الدولي للكتاب يمثل عيدًا ثقافيًا لمصر والعالم، مشيرًا إلى أن مؤسسة مصر الخير تقوم على فكرة الاختلاف والعمل في مجالات متعددة تتجاوز الإطعام والتكافل إلى الثقافة والفنون والبحث العلمي، ما يجعل دعمها للثقافة جزءًا أصيلًا من رسالتها. وأوضح أن المجتمع المدني يلعب دورًا محوريًا في تحقيق التنمية الحقيقية، مستعرضًا تجربة المؤسسة في العمل مع أكثر من 34 ألفًا و600 مؤسسة أهلية، وتركيزها على إعمال العقول من خلال حفظ التراث، ودعم ذوي الاحتياجات الخاصة، وتمكين الشباب عبر مشروعات مثل «مناحي الحياة» المرتكزة على دعم الشباب ورؤية مصر 2030. وشدد على أن الشباب يمثلون ركيزة أساسية للتنمية، وأن احترام أفكارهم وآرائهم ضرورة، رغم ما يواجه المجتمع المدني من تحديات ثقافية واقتصادية، مطالبًا القطاع الخاص، في إطار مسؤوليته المجتمعية، بتبني القضايا الحيوية، وفي مقدمتها تعليم الفتيات. وشهدت الندوة عددًا من المداخلات والنقاشات الموسعة حول أهمية الشراكة المتكاملة بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، باعتبارها مدخلًا رئيسيًا لتحقيق نهضة ثقافية مستدامة تقوم على تنسيق الأدوار وتكامل الجهود، مع التأكيد على دور الهوية الوطنية بوصفها إطارًا جامعًا للتنوع الثقافي والاجتماعي، وأهمية التعليم والإعلام والفنون في ترسيخ قيم المواطنة وإعمال العقل وتعزيز الابتكار والإبداع، إلى جانب مناقشة التحديات القانونية والتنظيمية والاقتصادية التي تواجه هذه الشراكات، وضرورة تجاوزها عبر رؤى مشتركة وخطط واضحة تضمن الاستمرارية وتدعم الاستثمار في الإنسان، ولا سيما الشباب، بوصفه الركيزة الأساسية للتنمية الثقافية والمجتمعية.