مقدمة لابد منها: لا يستطيع الناس في مجتمع كبير أن يمارسوا تأثيرا عاما كبيرا كأفراد، وإنما يستطيعون ذلك فقط بالانضمام إلي رابطات مع الآخرين، والأحزاب السياسية تجمع بين أولئك الذين يتشاركون في آراء ومصالح متماثلة لتنظيم حملات للوصول إلي المناصب السياسية والنفوذ السياسي، وهي تؤدي عددا من الوظائف المختلفة، فهي بالنسبة لجموع الناخبين تساعد علي تبسيط الاختيار الانتخابي بعرض مواقف سياسية عامة وبرامج يختارون بينها ... أما بالنسبة لمن هم أكثر التزاما علي الصعيد السياسي فالأحزاب تهيئ فرصة للمشاركة في الشئون العامة ووسيلة للتوعية السياسية وقناة للتأثير في السياسات العامة ... ويتوقف نجاح الأحزاب السياسية في ظل نظام انتخابي حر وعادل، علي مدي التأييد الانتخابي الذي يمكن أن تفوز به وتحافظ عليه، وهذا يعني أن عليها أن تبقي علي اتصال بالرأي العام الشعبي في ضوء برامجها واختيار مرشحيها للمناصب العامة، فإن لم تفعل فسوف تفقد نفوذها لصالح أحزاب أخري أو تساعد علي ظهور أحزاب جديدة لملء الفراغ ... وهكذا تشكل الأحزاب آلية رئيسية تصل من خلالها شواغل الشعب إلي آذان الحكومة. فرضت هذه المقدمة نفسها وأنا أتصدي _ ولأول مرة _ لانتخابات داخلية خاصة فيما يخص حزب مصري عريق هو حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي ... خاصة أن أغلب المحللين يعتبرون المؤتمر العام السادس القادم ميلادا جديدا لحزب التجمع ... حيث ستشهد انتخاباته القادمة مزيدا من السيولة الديمقراطية داخل هذا الحزب ... وتقييما لتوجهاته السياسية، وتوحيدها بما يتلاءم ويتوافق مع برنامج حزب التجمع، وليس برامج مختلفة ومتباينة طبقا لكل فصيل داخل الحزب _ حتي وإن كان فصيلا سريا _ والأمر الآخر فهذه الانتخابات القادمة _ من وجهة نظري الشخصية كمتابع لحركية وتفاعلية الحزب العريق _ أنها ستكون فارقة في تعديل مسار الحزب علي المستوي التنظيمي وبالتالي علي توجهه السياسي الواضح تجاه كافة القضايا ... خاصة مع صعود وجوه جديدة تحمل أفكارا تتلاءم مع التحديات التي تواجه المجتمع السياسي المصري بشكل عام، والتحديات التي تواجه مسيرة الحزب بوجه خاص.... خاصة وأن الحزب بقيادة رئيسه الدكتور رفعت السعيد استطاع خلال السنوات القليلة الماضية أن يفّعل من دور الحزب وأن يحدد فلسفته السياسية التي كانت في أغلب السنوات الماضية قبل تولي رئاسته تتأرجح بين تيارات سياسية متعددة داخل الحزب _ يعلمها القاصي والداني _ فكان لأداء الدكتور رفعت تميزه الخاص بأن وضع الحزب علي خريطة الأحزاب المدنية التقدمية في الشارع السياسي المصري، وكانت أطروحاته تتسم بدرجة أكبر من ذي قبل بالتحديد وما أسميه "بالتجمعية" أي نسبة لحزب التجمع وليس لأي فيصل داخله ... ومن هنا، فأتصور أن الانتخابات القادمة ستكون الحلقة شبه الأخيرة لتنقية الرسالة "التجمعية" وأن يحدد الحزب توجهه السياسي بوضوح من خلال الآليات السياسية للمرشحين في المناصب المؤثرة ... خاصة تلك الوجوه التي تتميز بمصداقية كبيرة ورؤيتها المدنية التقدمية بعيدا عن "الأيديولوجيا الطنانة والحنجورية" التي سيطرت علي أداء الحزب منذ زمن بعيد بتعدد فصائله المتنافرة أحيانا والمتجاذبة أحيانا ... فدخول أسماء وقيادات مثل هاني الحسيني وأحمد سيد حسن والسيد عبد العال ونبيل عتريس، إضافة إلي القيادات القديمة والتي تحمل رؤي تتناسب مع الواقع السياسي الجديد وتتفاعل معه كالدكتور سمير فياض، كل ذلك اعتقد أنه سيكون له عميق الآثار علي فلسفة أداء الحزب في السنوات القليلة القادمة وأن الحزب سيقترب أكثر من حركة الشارع السياسي لما له من حيوية وثقل كانت من المفترض أن تؤتي ثمارها في السنوات الماضية، إلا أنه كانت هناك إخفاقات ذاتية وموضوعية لا مجال لذكرها الآن ... ولعل هذه الانتخابات أيضا تكون الفرصة الأخيرة لتطهير الحزب من ثقافة "الحنجورية والإقصاء واحتكار الحقيقة واليقين" التي تميز بعض الشخصيات، وأن تكون البداية الحقيقية لكشف أساليب المزايدات التي كانت ستؤدي بانقسام الحزب العريق، وكأن هناك نية مبيتة لانقسام هذا الحزب وتقسيمه لجماعات وفصائل وشخصيات ... وقد أثار إعجابي تصريحات الدكتور رفعت السعيد عندما أكد في أكثر من مناسبة بأنه ضد التصريحات الصحفية لبعض القيادات الحزبية إلي وسائل الإعلام المختلفة التزاما منه بقرار اللجنة المركزية الأخير بعدم الحديث لأية وسيلة إعلامية في أمور تتعلق بخلافات داخلية بالحزب، وأن هذه الخلافات مجالها الوحيد هو حزب التجمع من خلال دائرة الحوار ... ولكن للأسف هناك من القيادات التي اعتادت علي الصراخ والصوت العالي أن تتحدي هذه الاستراتيجية الشفافة، وكأن الهدف من اختراقها هو بث روح الفوضي في هذا الحزب العريق صاحب الأفكار المدنية رغم اختلافي العميق مع توجهاته الاقتصادية والسياسية _ ولكنه في نهاية الأمر فهو حزب ينتمي للأحزاب التي تسعي للدولة المدنية الحديثة وحزب يفّعل من قيم الإبداع والابتكار وتنمية الروح الوطنية المصرية، حزب يحلم بواقع أفضل لكل المصريين _ رغم اختلافي مع استراتيجية وفلسفة تنفيذ هذا الحلم _ إلا أنه ولكي تكون الحياة الحزبية في مصر متوازنة وفعالة، لابد من حماية هذا الحزب من الهراءات والانقسامات وأن يؤكد الحزب هويته بوضوح وتوجهاته السياسية وانطلاقاته الفكرية بشفافية وعلانية ووضوح من خلال - ليس فقط برنامج سياسي _ وإنما أيضا من خلال العلاقات التفاعلية بين قادة الحزب والحياة السياسية المصرية وأن تتوحد التوجهات وتلتف حول برنامج وأجندة التجمع، وليس من منطلقات بعض الفصائل التي نمت داخل الحزب. إن وجود والحفاظ علي وجود شرعية حزب التجمع هو الحفاظ علي شرعية الحياة الحزبية برمتها في مصر، فكفي ما حدث لحزب مدني آخر _ حزب عريق منح الحياة السياسية لمصر ما يقرب من مائة عام الحياة والحيوية - أن تحول إلي صراع علي السلطة وضاعت إنجازات حزب الوفد بين طوائف متصارعة أول ما أضرت فقد أضرت بالحياة الحزبية برمتها، إضافة إلي تدمير كيان هذا الحزب العريق، فهل مصير حزب الوفد الذي صاغ الحركة الوطنية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي أن يطلق عليه في 2007 "وفد بولس حنا" ووفد "عماد الدين" ووفد "أباظة" ووفد "جمعة" ... هذه هي سياسات الهدم والانقسام لتضيع أحلام أمة تسعي لأن تحقق معايير الدولة المدنية ودولة الحداثة ودولة التعددية السياسية، فكيف يتم ذلك والحال هكذا.. تضيع الأحزاب بأقدام من يبحثون عن السلطة والشهرة، فنظرة سريعة علي واقع الحياة الحزبية وبدون جهد نلاحظ هذا التشرذم ... وأخيرا ... إن تعرضي لتجربة حزب الوفد تمثل _ لي وبشكل شخصي بحت قد أكون مخطئا أو صائبا _ نموذج لإهدار قيمة حزب مدني عريق وكبير، وأملي أن يستفيد بعض من يسعون إلي السلطة والشهرة في حزب التجمع العريق أن يعوا الدرس وأن يكون حزب التجمع أكبر من الجميع، لإثراء الحياة الحزبية بل والسياسية برمتها ... فلن يتحقق هذا الحلم إلا بتكاتف قوي التجمع لمصلحة التجمع وبأبناء التجمع ... فإلي الأمام يا تجمع ... ولتكن الانتخابات القادمة فرزا لأفضل عناصره وكفاءاته لمصلحة التجمع ... ملحوظة ... كل ما تضمنه هذا المقال هو رؤية خاصة جدا قد تكون صائبة وقد تكون خاطئة، فإن أصبت فهذا أملي ون أخطأت فللجميع اعتذاري، وليغفر لي كل من يختلف مع طرحي من خلال ما ناقشته منتهجا مبدأ فولتير الشهير .. إني لا أؤمن بحرف واحد مما تقول ولكني علي استعداد بالتضحية بآخر قطرة من دمي لأن تقول ما تؤمن به.