احتضنت جامعة دمياط ندوة «رمضان والنصر.. دروس من حرب أكتوبر المجيدة»، حيث تلاقت معاني الإيمان مع دروس العبور، وتجلَّت قيم المراجعة والبناء في حديثٍ أكد أن النصر الحقيقي يبدأ من الداخل، من تزكية النفس وضبط السلوك، قبل أن يتحقق على أرض الواقع. أكد فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، أن نصر أكتوبر لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كان ثمرة إعداد إيماني عميق نقل الأمة من لحظة الانكسار إلى أفق التمكين، مشددًا على أن التخطيط والإعداد لا يتعارضان مع التوكل، بل يجسدان معناه الصحيح، وأنه لا نهوض لأمة بلا رؤية واضحة وأخذ بالأسباب. وأوضح فضيلته أن رمضان مدرسة انضباط وجِدية، يجتمع فيه صفاء الروح مع قوة الإرادة، فتتجدد طاقات العمل والبناء، مؤكدًا أن النصر الحقيقي يبدأ من تزكية النفس وضبط السلوك، وتحويل الذكرى إلى مشروع نهضوي مستدام يصنع أجيالًا قادرة على التغيير. جاء ذلك خلال كلمته بندوة «رمضان والنصر.. دروس من حرب أكتوبر المجيدة» بجامعة دمياط، بحضور الأستاذ الدكتور حسام الدين فوزي، محافظ دمياط، حيث أشار فضيلته إلى أن استدعاء حدث العاشر من رمضان لا ينفصل عن نفحات الشهر الكريم، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، مبينًا أن هذه الآية كانت ركيزة أساسية لتحقيق النصر؛ لما تحمله من معاني التربية والارتقاء والانتقال من حال إلى حال. وأشار مفتي الجمهورية إلى سُنة المراجعة بعد الانكسار، مؤكدًا أنه لا يمكن فهم السادس من أكتوبر دون النظر إلى ما سبقه من نكسة عام 1967، التي كانت وسيلة للمراجعة وتصحيح المسار. وبيَّن أن رمضان يمثل فرصة مماثلة للمراجعة، حيث يترفع الإنسان عن المنكرات والآثام، وتتهيأ النفوس للتغيير وجبر الكسر، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، لافتًا إلى أن التغيير في البنية التحتية في القتال والتسليح كان ثمرة لهذه المراجعة والتجديد والإصلاح والرقابة الذاتية، وهو ما ينسحب على الأفراد والمؤسسات الساعية إلى النهضة. كما أكد فضيلته أن من دروس الحرب المجيدة الفِطنة إلى الوهم الزائف بفكرة الجيش الذي لا يُقهر، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، موضحًا أن الإنسان قد يقع في وهم العجز أمام المعصية أو الشهوة، فيأتي رمضان ليؤكد إمكانية التخلص من هذا الوهم عبر تحقيق التقوى. ولفت إلى أن التخطيط الإيجابي والإعداد الجيد من أبرز دروس النصر، فالنصر ثمرة تخطيط استراتيجي وتطويع للأدوات، مشيرًا إلى أن رمضان فرصة استثنائية للتخطيط والإعداد واغتنام اللحظة، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، مؤكدًا أن التوكل الحق لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب، وأنه لا نهوض بلا بحث ولا تخطيط. وأوضح فضيلته أن رمضان شهر الانضباط والالتزام، وقد شهد وقائع إسلامية كبرى كغزوة بدر وفتح مكة، بما يؤكد أنه شهر القوة والجِد والاجتهاد، وتلاقي الجوانب المادية والروحية، مشددًا على ضرورة تحويل النصر إلى مشروع نهضوي مستدام، فليس النصر ذكرى عابرة، بل طاقة معنوية تتحقق حين يطهر الإنسان قلبه ولسانه ويقف عند حدود الله، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. من جانبه، أعرب الأستاذ الدكتور حسام الدين فوزي، محافظ دمياط، عن ترحيبه بزيارة فضيلة مفتي الجمهورية، مؤكدًا أن استضافة الندوة بجامعة دمياط تعكس حرص المحافظة على ترسيخ الوعي الوطني وربط الأجيال الجديدة بمحطات المجد في تاريخ الوطن، مشيرًا إلى أن ذكرى نصر أكتوبر صفحة مضيئة في سجل العزة المصرية، وأن استحضار دروسها في رمضان يعزز قيم الانضباط والعمل والإخلاص، مثمنًا الدور التوعوي الذي تضطلع به دار الإفتاء المصرية في بناء الإنسان وصياغة وعيه على أسس دينية ووطنية راسخة. وكان في استقبال فضيلة مفتي الجمهورية لدى وصوله الأستاذ الدكتور حمدان ربيع المتولي، رئيس جامعة دمياط، الذي أعرب عن اعتزازه بهذه الزيارة التي تعكس عمق التعاون بين المؤسسات الدينية والأكاديمية، مشيدًا بالدور العلمي والدعوي لدار الإفتاء المصرية في ترسيخ الوعي ومواجهة التحديات الفكرية. وشهدت الندوة حضور الأستاذ الدكتور سلامة جمعة داود، رئيس جامعة الأزهر، والأستاذ الدكتور أسامة العبد، رئيس جامعة الأزهر الأسبق، والأستاذ الدكتور محمد عبده عماشة، نائب رئيس جامعة دمياط لشئون التعليم والطلاب، والأستاذ الدكتور المتولي مصطفى سليم، نائب رئيس الجامعة لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة، والأستاذ الدكتور محمد عبد الحميد شهاب، نائب رئيس الجامعة لشئون الدراسات العليا والبحوث، وفضيلة الشيخ أيمن عبد الغني، رئيس قطاع المعاهد الأزهرية، والدكتور أسامة هاشم الحديدي، مدير مركز الأزهر العالمي للفتوى بالأزهر الشريف، إلى جانب عدد من عمداء ووكلاء الكليات وأعضاء هيئة التدريس والجهاز الإداري وطلاب الجامعة. وفي ختام الندوة، أهدى الأستاذ الدكتور حمدان ربيع المتولي، رئيس جامعة دمياط، درع الجامعة لفضيلة مفتي الجمهورية؛ تقديرًا لجهوده العلمية والدعوية ودوره في تعزيز الوعي الديني والفكري وترسيخ قيم الانتماء الوطني. اقرأ أيضا | وزير العدل يستقبل مفتي الجمهورية للتهنئة بتوليه مهام منصبه