قد يكون عسيراً علي إدارة أمريكية مختلفة، في 2009، أقل فظاظة من الإدارة الراهنة، العودة عن الالتزامات الفكرية والمادية التي أفضت إليها 50 سنة من الاستثمارات العسكرية والإدارية والفكرية الأمريكية في السياسة العالمية ومزاولتها. فالطبقة السياسية في واشنطن علي يقين عميق بأن الولاياتالمتحدة هي عماد البنية الأمنية الدولية وركيزتها، وأن انسحاب القوات الأمريكية من شبكة القواعد العسكرية، أو من إدارة عشرات من البلدان، لن يعدم الإخلال باستقرار النظام العالمي، وإلحاق الضرر بأمن الولاياتالمتحدة نفسها. ولكن ما هي مصادر التهديد التي ترد عليها السياسة الدولية الأمريكية علي هذا النحو، وتلجمها أو تردعها؟ فلا الصين ولا روسيا تهددان المصالح الأمنية الغربية تهديداً فعلياً. والأمم الكبيرة كلها تحتاج الي موارد طبيعية، وتقتضي مصالحها تأمين الموارد هذه ونقلها. وهذه المصالح قد تلتقي وتتضافر وقد تختلف وتتنابذ. ولكن المصالح والاحتياجات هذه لا تعصي المفاوضة. وليس ثمة ما يدعو الي خلاف هذا في وقت منظور. والتوقعات الحربية التي تتردد في بعض الحلقات والمحافل الأمريكية المحافظة، وتتناول الصين وروسيا، وإيران في المرتبة الأولي، إنما هي ثمرة نهج فكري يزن الأمور في ميزان الهيمنة العالمية، ولا يراعي المصالح الأمريكية الحقيقية. وما يسمي الحرب الأمريكية علي الإرهاب لم يسلم الحلفاء من عنفها. والحق أن معظم بلدان أوروبا تري أن الإرهاب لا يعالج بحرب عالمية. فهو وليد مشكلة نظام اجتماعي داخلي لم يفلح في دمج المهاجرين. وتفترض المشكلة معالجة سياسية وإجراءات بوليسية. والإرهاب، من وجه آخر، هو وليد أزمة دينية وسياسية تعتمل داخل الثقافة السياسية المعاصرة، ولا دواء عالمياً وواحداً لها. وقلة، خارج الولاياتالمتحدة، تحمل التهديد الإرهابي علي مؤامرة شاملة يحوكها من "يكرهون الحرية"، بحسب عبارة ساذجة، أو تحسب أن الرد العسكري الحالي ملائم وناجع. فالمعالجة الأمريكية، بالحرب، يراها المسلمون حرباً علي "القومية" الإسلامية. وهذه هوية ثقافية وسياسية تلهم منظمات نضالية بعضها إرهابي، شأن الهويات الأخري، ومنها الهوية الصهيونية يوم كانت قومية من غير أمة _ دولة. وبديل سياسة التدخل الأمريكية، منذ 1950، هو تقليص المبادرات المؤدية الي تولي أعباء أمنية وسياسية وعسكرية في المجتمعات الأخري، وقبول نظام دولي قائم علي دول كبيرة وقوية ذات مصالح متباينة ومشروعة. ويتوقع أن يقبل الشعب الأمريكي الفكرة التي تحمّل الشعوب نفسها المسئولية عن أنفسها، وأن يلاحظ أن التدخل الأمريكي في شئون هذه الشعوب غالباً ما يفضي الي تكبير المشكلات، عوض تبسيطها وحلها. فالشعب الأمريكي يقر بالمسئولية الفردية، وباستقلال الأسواق عن التدخل السياسي، ويحسب نفسه بمنأي من تحكم الأيديولوجية السياسية (ويغفل عن انه يعتقد أيديولوجية سياسية، شأن غيره). فسياسة تستبعد التدخل ينبغي أن تولي التاريخ اهتماماً خاصاً. فالتاريخ يظهر بجلاء أن معظم المشكلات الكبيرة التي تعترض علاقات الأمم والدول إنما هي مشكلات قديمة ومتكررة، وتنطوي علي عوامل تكاد تكون ثابتة. والأزمات الراهنة في أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين _ إسرائيل وإيران هي من طبيعة كولونيالية (استعمارية) أو متخلفة عن الاستعمار. وهذا ما تغفل عنه المناقشات السياسية والصحافية الأمريكية، غالباً. وسياسة تدخل من الصنف الأمريكي، وغير الاستعماري، تتوسل الي أغراضها بالتجارة والسوق، علي خلاف السيطرة علي الأرض والترهيب العسكري. فالعمل السياسي والديبلوماسي هو أداة العلاقات الدولية الرامية الي الإقناع والاستمالة، والعمل العسكري ينبغي أن يبقي الي آخر المطاف، حين تستنفد الفرص وحظوظ الحل كلها. وفي الحال هذه، يبقي العمل العسكري أسوأ الحلول، والقرينة القاطعة علي الإخفاق السياسي. وفي ضوء السياسة الخارجية المقترحة هذه، يستحسن النظر في الانتشار العسكري الخارجي، والسؤال عن دوره في الحؤول بين موالي السياسة الأمريكية وبين السعي في حل مشكلاتهم بعضهم مع بعض، ومسئوليته عن تصلّب بعض الحلفاء، مثل كوريا الجنوبية وتايوان واليابان، في مفاوضتهم قوي إقليمية مثل كوريا الشمالية والصين. فلو انتهجت سياسة لا تلتزم التدخل مذهباً في ستينات القرن الماضي لما وقعت حرب أمريكية في الهند الصينية. وأُقر بأن النزاع هناك جوهره وطني أو قومي، وليس حله بيد أجنبية، وبأن نتائجه الدولية ضعيفة الأثر في الأحوال كلها. ولما هُزمت الولاياتالمتحدة، ولا أصاب الوهن معنويات الجيش الأمريكي، ولا حمل الطلاب علي التطرف، ولما عجل الاجتياح الأمريكي الإبادة التي ارتكبها الخمير الحمر في الشعب الكمبودي، ولتفادت أقوام لاوس محنتها. ولتجنبت الولاياتالمتحدة، كذلك، مفاعيل انخراطها المأسوي فيما كان أزمة إيرانية داخلية في 1979، ويسمم الي اليوم علاقتها بالشرق الأوسط. فالاستثمارات الكبيرة والمستفزة في نظام الشاه، "شرطي" المنطقة نيابة عن واشنطن، ورطت أمريكا، وأسهمت في الرد الأصولي علي التحديث العلماني. ومن غير الاسترسال في مناقشة عقيمة لما كان قد يحصل أو لا يحصل طوال نصف قرن، لا ريب في صحة القول إن ولايات متحدة لا تنتهج التدخل مذهباً سياسياً ما كانت تحارب اليوم في العراق. فشاغل حرية تداول النفط، علي رغم مكانته وإلحاحه، ينبغي ألا يحمل واشنطن علي التدخل العسكري. فالدول المستهلكة تشتري النفط من السوق، والدول المنتجة تبيعه في السوق، وليس في وسعها أن تصنع شيئاً آخر. ولن يقيض لتدخل الدول المنتجة في السوق، بذرائع سياسية، النجاح آجلاً أم عاجلاً، علي نحو ما أخفقت زيادة سعر النفط عن يد "أوبك" في 1973. ويسع إسرائيل، وهي داعٍ آخر من دواعي التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط، الاضطلاع بالدفاع عن نفسها، ورد العدوان الخارجي عليها، بأسلحة تقليدية وغير تقليدية، علي رغم اختيارها منذ وقت قريب قيوداً علي طاقتها مصدرها قوات غير نظامية. وليس في إمكانها الاطمئنان الي أمن كامل من غير حل المسألة الفلسطينية. ومفتاح الحل السياسي بيد إسرائيل. وبنوده هي الانسحاب من الأراضي الي حدود يتفاوض الطرفان علي رسمها، وقريبة من حدود 1967. والانخراط الأمريكي طوال 40 سنة لم يثمر للأسف إلا تمكين الإسرائيليين من تفادي مجابهة الوقائع، والإسهام في حمل المجتمع الإسلامي علي التطرف. وكان علي واشنطن التقدير أن الشعوب التي تسلط عليها طغاة وطنيون (محليون)، شأن العراقيين قبل 2003، عليها هي المبادرة الي حل مشكلاتها. ففي مستطاعها، إذا كانت تلك مشيئتها فعلاً، أن تقوم بثورتها. فالعراق لم تحتله دولة أو قوة أجنبية. ولم تنصب صدام حسين قوة احتلال. وتشغل، اليوم، حركات التمرد العراقية علي الاحتلال العسكري والحكومة التي يفرضها الأمريكيون، ويصاحبها نزاع طائفي متفاقم، القوات البرية الأمريكية كلها. وقد تبدو عقيدة واقعية تقر للشعوب بمسئوليتها الخاصة عن نفسها، في نظر جمهور ال "سي أن أن"، غير مقبولة. فالجمهور يشاهد القتل الجماعي بدارفور وسيراليون وليبيريا ورواندا والبوسنة. وعلي رغم هذا، فاضطلاع الولاياتالمتحدة بسياسة تدخل حاد وفظ في شئون الدول الأخري، وتوليها رسم هذه الدول وبناءها في ضوء المصالح والأيديولوجية الأمريكية، لا يستجيبان الحاجة الي قطع دابر الجرائم العامة، وينبغي ألا يحملا علي محمل واحد والحاجة المشروعة هذه. والتدخل الإنساني، بدوره، ليس مطلق اليدين من كل قيد. فهو قد يكون السبب في مشكلات عسيرة. فجهود الأممالمتحدة في سبيل مساعدة اللاجئين قد تخفف عن كاهل المعتدي ثقل ضحاياه، علي ما حصل بالبوسنة. فوسع المعتدي المضي علي حربه الطائفية والإقليمية بينما تولت القوات الدولية رعاية الضحايا. ولم تؤد الحملة العسكرية التي نجمت عن اتفاق دايتون الي حل مسألة كوسوفو، ولا الي معالجة مشكلة الشتات الإقليمي الألباني. فالأزمات الإنسانية هي غالباً التظاهر المعاصر لمشكلات تاريخية لا حل لها.