أعرب "بولانت" و"دوجو"، وهما شابان تركيان يعيشان حياة علي النمط الغربي، عن تأييدهما للتهديد الذي صدر عن الجيش مؤخراً بالتدخل لحل أزمة الانتخابات الرئاسية في تركيا. وفي هذا الإطار، يقول "دوجو": "علي أحد أن يهددهم؛ فقد تمادي هؤلاء الأشخاص كثيراً". أما المقصود ب"هؤلاء الأشخاص"، فهو حزب "العدالة والتنمية"، الذي يحكم تركيا منذ أربع سنوات بقيادة رئيس الوزراء رجب طيب أردوجان، والذي يمثل (حسب موقف مخاطَبك) الوجهَ الواعد لإسلام حديث وجديد، أو الوجه الحديث للأمل الجديد لإسلام راديكالي. أما ما يقصده "دوجو" بقوله إنهم "تمادوا كثيراً"، فهو اختيار أحد أعضاء الحزب -وزير الخارجية عبدالله جول- ليكون الرئيس المقبل لتركيا، وهو رأي (التمادي) شاطرته "المحكمةُ الدستورية" العلمانية في تركيا الثلاثاء الماضي حين اعتبرت الجولة الأولي من الانتخابات الرئاسية ملغاة وباطلة علي اعتبار أن النصاب القانوني لم يكتمل خلال عملية التصويت علي "جول". أما الحقيقة، فهي أن المعارضة قاطعت عملية التصويت، إدراكاً منها لحقيقة أنها لا تتوفر علي عدد كافٍ من الأصوات. يقول "دوجو": "لا أريد أن يدخل القصرَ الرئاسي شخصٌ يرتدي الحجاب"، في إشارة إلي زوجة "جول"، مضيفاً "لا ضير في ذلك إذا كان حجاباً أناضولياً. أما إذا كان الأمر يتعلق بحجاب عربي، فلا أرغب في أن يدخل حاملُه القصرَ". ويقصد "دوجو" بذلك القول أن التركيات الأناضوليات يرتدين الحجاب لأن ذلك ما يرتدينه دائماً -أما الحجاب العربي، فهو حجاب يحمل دلالة سياسية، ويري أن "العدالة والتنمية" لن يهدأ له بال حتي يري كل امرأة في تركيا محجبة (ولنلاحظ الشعور القومي القوي: "نحن الأتراك لسنا العرب المتخلفين والبدائيين"). يذكر هنا أن مصطفي كمال أتاتورك، الذي أسس الجمهورية التركية عام 1923، فرض علمانية صارمة علي المجتمع التركي؛ حيث منع الدين في الحياة العامة. وكانت حشودٌ من المحتجين خرجت إلي الشوارع خلال الأسابيع الأخيرة للتعبير عن تأييدها للنظام العلماني الذي أرسي دعائمَه أتاتورك، وهو ما قد يميل معه الغربيون الذين شاهدوا صور هذه المظاهرات إلي الشعور بالارتياح والتعبير عن تأييدهم، معتبرين هذا الأمر تعبيراً جماعياً عن التعاطف مع قيم التنوير الليبرالية والتمسك بها. إلا أنهم مخطئون. يقول خصوم "العدالة والتنمية" إنهم لا يرغبون في رؤية تركيا تتحول إلي إيران أخري. والحال أنه من الواضح أنه ليست لحزب "العدالة والتنمية" أي نيةٍ في القيام بذلك. أما تفسير الاحتجاجات، فيكمن في التخوف من أن يشكل هذا الحزب تهديداً علي سلطة الطبقة العلمانية الحاكمة ومزاياها البيروقراطية ومصالحها الاقتصادية، والتي يشكل عددٌ مقلق منها قوميين متشددين سلطويين. لا أقصد بهذا الكلام التقليل من شأن تخوفات العلمانيين من حزب "العدالة والتنمية"، الذي لا يجادل أحد بشأن امتداد جذوره في الإسلام الراديكالي. فأستاذ "أردوجان" السياسي هو رئيس الوزراء السابق نجم الدين أربكان، الذي وصل إلي السلطة متعهداً ب"إنقاذ تركيا من مُشركي أوروبا"، وانتزاع السلطة من "الإمبرياليين والصهاينة"، وإعلان الجهاد لاستعادة القدس. غير أن "العدالة والتنمية" يقول إنه نضج وتخلص من هذه الشعارات؛ كما أن أعضاءه يؤكدون علي التزام الحزب الكامل اليوم بالديمقراطية والعلمانية؛ ويقسمون بأنهم لا يسعون إلي فرض حكم أصولي مستبد علي تركيا. والحقيقة أن حزب "العدالة والتنمية" انتُخب لأسباب تعود في جزء كبير منها إلي أن الحكومات العلمانية السابقة أساءت إدارة الاقتصاد لفترة طويلة يذكر هنا مثلاً أن مدخرات تركية كبيرة ضاعت قبل الانتخابات الأخيرة، وأثارت انهياراً اقتصادياً كاملاً في إطار فضيحة بنكية كبيرة. وقد يتوقع المراقب العادي أن يكون المحتجون الأتراك، بحكم عدائهم للتطرف الإسلامي، أصدقاء للولايات المتحدة. والحال أن الحقيقة هي خلاف ذلك؛ ذلك أن العلمانيين في تركيا أكثر معاداة للغرب من "العدالة والتنمية"؛ فقد صوت العديد من المشرِّعين العلمانيين في 2003 ضد منح القوات الأمريكية حق التحليق فوق الأجواء التركية حين كانت في طريقها لغزو العراق. ثم إن "العدالة والتنمية"، وليس المؤسسة العلمانية، هو الذي يدفع باتجاه انضمام تركيا إلي حظيرة الاتحاد الأوروبي.