عندما أحال الرئيس مبارك في فبراير 2005 المادة 76 من الدستور الي مجلس الشعب لاتخاذ اجراءات تعديلها.. استبشر جميع المصريين خيرا.. واعتبروا ذلك فاتحة لعودة الحياة السياسية الطبيعية للبلاد بعد غياب عدة عقود... ولكن التعديلات الغريبة التي أدخلها مجلس الشعب السابق علي المادة رغم المعارضة الملحة أفرغتها من فحواها مما اصاب الناس بخيبة امل في مصداقية الاصلاح انعكس علي النسبة الضئيلة التي شاركت في الانتخابات الأخيرة والتي لم تزد عن 4% من الناخبين أحيانا ولم تتجاوز 24% بأية حال.. الأمر الذي أثار مرة أخري السؤال القديم الحديث.. كيف ننقل الناس من مقاعد المتفرجين الي مواقع المشاركين في صنع المستقبل الكريم الذي يستحقه هذا البلد الطيب..؟ والناس يمكن ان نلتمس لهم العذر في شكوكهم.. فقد كان الهدف السادس لحركة الجيش الذي أعلن في 23 يوليو 1952 هو إقامة حياة ديمقراطية سليمة.. ولكنه هدف وضع علي الرف لسنوات طويلة تحت شعارات مختلفة مثل: "لا ديمقراطية لأعداء الشعب" أو "ديمقراطية رغيف العيش" أو "لا صوت يعلو فوق المعركة".. أو "تحالف قوي الشعب العامل".. الخ والحقيقة أن سنوات الانتقال الثلاث التي وضعت كفترة انتقالية تعود بعدها الحياة الطبيعية للبلاد قد انقضت.. الا ان القائمين علي حركة الجيش التي تحولت بعد ذلك الي ثورة لم يكونوا مقتنعين أن الوقت قد حان لحكم البلاد ديمقراطيا.. فابتدعت الصيغ التي تعطي الشكل او المظهر العام الخارجي لحياة نيابية مع وضع القيود التي تجعلها مفرغة من فحواها..! وعلي سبيل المثال فقد كان هناك في عام 1955 مشروع دستور يقيم المجالس النيابية علي أساس تمثيل الفئات والمهن المختلفة مثل الأطباء والمحامين والمزارعين والصناع (العمال) والكتاب وغيرهم بنسب مختلفة لكل طائفة.. وقد تصدينا لذلك المشروع في مقال نشرته لنا صحيفة "صوت العروبة" بتاريخ مايو 1955 بعنوان "لا برلمان.. خير من برلمان المهن والنقابات!" "قلنا فيه ان مثل ذلك النظام يتعارض مع مبدأ دستوري هام مؤداه أن عضو البرلمان يمثل الأمة كلها.. وكان دستور 1923 ينص صراحة في المادة 91 منه علي ان عضو البرلمان يمثل الأمة كلها ولايجوز تكليفه من ناخبيه بأمر علي سبيل الإلزام.. وقلنا انه لم يأخذ بنظام التمثيل المهني الا ايطاليا الفاشستية في عهد موسوليني واسبانيا الديكتاتورية في عهد فرانكو ولا نعتقد أننا في مصر نرغب ان نكون واحدة منهما.. وقد ترتب علي ذلك ان وئد المشروع قبل ولادته.. ولكن ذلك لم يغير فكر القائمين علي الحكم في استبعاد النظام الديمقراطي فتضمن مشروع الدستور الذي صدر عام 1956 نصا قصيرا يقول: الاتحاد القومي هو الذي يرشح لمجلس الأمة "وعلي الرغم من أن صحيفة الأهرام نشرت في صفحتها الأولي تصريحا للرئيس عبد الناصر يعلن فيه أنه لن تحذف كلمة واحدة تكتب عن الدستور الا ان ذلك لم يكن صحيحا بالمرة فقد كتبنا مقالا للأهرام قلنا فيه بعنوان "لاتفسدوا الحياة السياسية" ان ذلك النص واجب الحذف لأنه من غير المتصور أن الاتحاد القومي الذي يرأسه رئيس الجمهورية هو الذي يرشح نواب المجلس النيابي الذي من المفترض انه يحاسب رئيس الجمهورية وحكومته وقد يري محاكمته او سحب الثقة منه او توجيه اللوم اليه.. الخ.. واختتمت المقال قائلاً: اذا لم تكن البلاد مهيأة في نظركم للحياة السياسية.. فلتمدوا فترة الانتقال ولو حتي لعشر سنوات.. ولكن لا تضعوا الاساس لحياة سياسية يفسدها الرياء والنفاق..!! ولكن ذلك المقال برمته لم ينشر.. ولانشرت كلمة واحدة أخري تحوي نقدا للدستور الذي صدر حاويا ذلك النص الذي كان بذاته معولا هادما للحياة السياسية الصحيحة في مصر.. واستمر الوضع كذلك حتي الوحدة مع سوريا عام 1958 ثم الانفصال عم 1961 ثم صدور دستور 1964 اذي لم يظهر فيه نص ولكن استعيض عنه بنص آخر يؤيد نفس الغرض ويتناغم في الوقت نفسه مع نبرة الاشتراكية وهو ضرورة ان يكون نصف اعضاء المجالس المنتخبة علي الاقل من العمال والفلاحين..! وقد صور ذلك علي أنه اجراء مؤقت ينصف العمال والفلاحين ويعطيهم الفرصة للتمثيل في المجالس المنتخبة.. بعد طول غياب.. وهو في الحقيقة يحرم العمال والفلاحين من الحق في انتخاب مائة بالمائة ممن يرون صلاحيتهم لتمثيلهم والدفاع عن حقوقهم فضلا عن انه يمنح الفرصة الكاملة لاي حكومة لتتفادي اي رقابة جادة للمجلس النيابي علي اعمالها..! الي درجة ان احد الضباط المقربين من عبد الناصر في مجال محاولة الدفاع عن الحريات السائدة في ذلك الوقت قال لي: "دا حتي في مجلس الأمة فيه معارضة"!! وكنت أقول دائما:لو كان في ذلك النظام مصلحة حقيقية للعمال والفلاحين لظهر في دساتير ديمقراطيات عريقة مثل فرنسا او بريطانيا او الولاياتالمتحدة.. وهي دول توجد فيها كذلك اغلبية ساحقة من العمال والفلاحين.. أو لظهر في دستور الاتحاد السوفييتي السابق الشيوعي الذي تحتل فيه فئة العمال والفلاحين المرتبة الأولي. وقد استمرأت الحكومات المتعاقبة في الحفاظ علي ذلك النص الذي يعفيها من الرقابة الحقيقية واستمر العمل به كنظام مؤقت واذ به يجد مكانا له في دستور 1971 حيث كان من المقرر استبعاد النص من مشروع الدستور لولا ان قامت مظاهرات للطلبة في المنصورة واراد السادات كعادته في ال موازنات ضرب الطلبة بالعمال والفلاحين فأعلن أنه لاتراجع عن نسبة ال 50%.. ومن ثم ظهر في دستور 1971 ثم وجد ذلك النظام من يضفي عليه طابع القدسية فعندما فتح باب النقاش في الثمانينيات حول التعديلات اللازمة في حياتنا السياسية انبري سعد محمد وزير العمل آنذاك محاولا كسب ود العمال ولو علي حساب مصلحتهم معلنا قدسية ذلك النظام وانه لامساس بمكاسب العمال وفاته أن واضع ذلك النظام نفسه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان له في ذلك النظام رأي مخالف.. أعلنه في كلمة له في اجتماع في مارس 1967 لرؤساء مجالس ادارة شركات القطاع العام وقد طفح به الكيل لسوء الحال وضعف الانتاج حيث قال حرفيا: "في رأيي أن هذا النص لن يستمر، هذا النص ؤقت حتي نستطيع أن نمر في مرحلة الانتقال اللي احنا موجودين فيها وبعد هذا تترك الانتخابات ومانقولشي ابدا ده عمال وده فلاحين الي اخره.. والحقيقة ان بلدنا هي البلد الوحيدة اللي اخذت بهذا المبدأ "يراجع الأهرام الصادر في 22 مارس 1967 ص 3" ولاشك ان هناك تعديلات كثيرة أخري يمكن ادخالها علي الدستور تناولها الكثيرون تتعلق بجوانب اخري مثل مدة رئيس الجمهورية وسلطاته وتوسيع اختصاصات مجلس الوزراء ومجلس الشوري وطرح الثقة بالوزارة وغير ذلك.. ولكن في يقيني أن الأولوية هي إلغاء العمل بنظام ال 50% لأن بقاء ذلك النظام يعني تخلف الحياة النيابية في مصر وقيامها علي نظام غير دستوري ويجعل مصر مستمرة في وضع تنعدم فيه الحياة السياسية الصحيحة اللازمة لكل بناء سليم للأمة...