يتحدث كثير من مفكرينا عن حقائق، واحيانا ثوابت، التاريخ والجغرافيا رغم ان كليهما يتغير بأشكال شتي كل يوم، فالحقيقة ان التاريخ يتغير دوما لأنه ليس قراءة لما مضي وانما هو استقراء للحاضر حيث الهوي المتقلب والمصالح المتغيرة، وبالتالي فإن التاريخ يتغير مع تقلب العصور والنظم، وفي بلد مثل مصر اشتهرت فراعنته بالتزييف المستمر للماضي عندما قام كل فرعون بنسبة اعمال اسلافه الي نفسه فإننا لا نعرف ابدا الحقيقة عما ولي رواح، والحقيقة ايضا ان الجغرافيا تتغير بتقدم التكنولوجيا وحركة البشر، ولا معني للمسافة عندما تقطعها مركبات تجري بأضعاف سرعة الصوت، ولا معني لمناطق باردة اذا كانت اجهزة التدفئة متوافرة، ولا منطق للصحراء اذا كان ممكنا استنزال المطر عليها، وفي وجود الطاقة والصوبات الزراعية فإنك تستطيع انتاج كل السلع الزراعية في كل مناطق العالم الباردة والساخنة معا، وباختصار فإن قضية الجغرافيا هي التكلفة وبعد ذلك تتوقف الجغرافيا تماما عن الحديث. فقط البيولوجيا هي التي لا تتغير كثيرا او تتغير طوال الوقت، وبالنسبة لكل البشر فإن مآلهم الموت، ومهما تقدمت التكنولوجيا وانواع الدواء فإن عمر الانسان ظل لا يتعدي للمائة اللهم الا في حالات قليلة "معمرة" تتناولها الصحف كنوع من الاحداث الشاذة، وعلي اي الاحوال فإن الانتحار وهو اتخاذ قرار ارادي بالموت منتشر في البلدان التي وصل تقدمها الاقتصادي الي ذري عالية، ومهما تمت تغذية الطفل وتعليمه فإنك لا تستطيع ان تجعل الرضيع شابا ما لم يمر بدوره من السنوات الطبيعية التي ينمو فيها عقله وحواسه وجسمه وببساطة فإن كافة انواع التقدم التكنولوجي لم تمنع البشر من ضرورة التغيير حين يواجه الجميع الحقيقة وهي ان كل البشر زائلون ولا يبق الا وجه ربك ذو الجلال والاكرام. هذه الحقيقة ينساها كثيرون في السياسة حيث يعود لدي القادة احساس زائف بالخلود مهما اخذت الحواس في التواضع والاطراف في الخيانة، ويسود لدي الناس تصور زائف ايضا بأن الامور سوف تبقي دوما علي حالها، وحتي في مصر التي يعتقد فيها الجميع بحقائق التاريخ وثوابت الجغرافيا فإن التغيير يحدث بالفعل الآن وكلمة التغيير تعني عدم بقاء الحال علي حاله، وهي لا تعني بالضرورة حكما عما اذا كان ذلك خيرا او شريرا فكلاهما متداخل مهما كان الحكم والتقدير، وقد تغيرت مصر خلال السنوات الاخيرة حينما بدأ جيل جديد في الظهور واستلام مقدرات البلاد، وحدث ذلك في البنوك بعد ان أشرفت علي الانهيار حالة من حالات الموت وفي شركات القطاع العام بعد ان اوشكت علي الافلاس وفي الصحف القومية لاسباب لا تزال جد مجهولة، ولكنها حدثت علي اية حال، ورغم ان قيادات الاحزاب بقيت علي حالها في يد من هم في العقد الثامن من العمر، فإن الاغلبية الساحقة من اعضاء الاحزاب تغيروا حتي في الحزب الوطني الديمقراطي. وخلال السنوات القليلة المقبلة سوف تدخل النخبة السياسية الاستراتيجية الحاكمة الي عقدها التاسع تنفيذا لقوانين البيولوجيا الازلية حيث لا توجد وسيلة لتخطي حاجز الزمن الا في سنوات محدودة، والمشكلة الكبري ان تعاقب السنين لم يلفت النظر للحكمة العظمي ربما لان الافكار بقيت علي حالها وهو ما شهدناه خلال جلسة مجلس الشعب الصاخبة التي تناولت تصريحات السيد فاروق حسني وزير الثقافة حيث عملت الجماعة السياسية من الحزب الوطني الديمقراطي ومن الاخوان المسلمين علي صلب الوزير لانه قال رأيا في الازياء التي اختلف بشأنها الفقهاء، وفي اليوم التالي زارني في مكتبي رئيس الامن القومي في بلد غربي كبير كان ضيفا علي نظرائه المصريين، وكان اول ما قاله الرجل لي انه عاش في القاهرة خلال الثمانينيات من القرن الماضي ممثلا لبلاده، وعندما تناول العشاء مع جماعة من المصريين وجد انهم لا يزالون يناقشون نفس الموضوعات التي ناقشوها في ذلك الزمان، لم يكن قد تغير في الامر شيء، كان الناس قد كبروا سنا اي تغيروا، ومع تغيرهم تغيرت الدنيا، ولكن العقل بقي علي حاله تماما. وساعتها فهمت النوعية التي تناول الرجل معها العشاء، فقد كانت نفس المجموعة التي اقتربت دورتها البيولوجية من النهاية، وقد تغير جسدها أما عقلها فقد بقي علي حاله أنها تجارب مضت وراحت، وكان تعليقي ان مصر تتغير بالفعل ليس فقط لان الظروف الموضوعية تغيرت، ولكن لان التغييرات البيولوجية حتمية تأخذ اجيالا لم تعرف في حياتها الديمقراطية، ولا يزيد فهمها للديمقراطية علي انها مؤامرة اجنبية او خديعة محلية او وسيلة عالمية لتدمير الوحدة الوطنية. في مصر يضاف 1.8 مليون نسمة كل عام اي قدر عدد سك سكان دولة الامارات العربية المتحدة، ومع مولدهم تتواجد معهم رياح للتغيير، وهناك علي الاقل قرابة خمسة ملايين نسمة ولدوا مع القرن الواحد والعشرين وستون مليون نسمة لم يعرفوا شيئا في الوعي عن النصف الاول من القرن العشرين، هؤلاء لا ينبغي ان يشكل مستقبلهم من ولدوا في عشرينيات القرن الماضي، وعندما تبدأ عملية التعديلات الدستورية وهي قريبة فإن المستقبل لاجيال جديدة ينبغي ان يوضع في الاذهان، واذا لم يحدث ذلك وهو وارد فإن التعديلات المقبلة لن تزيد علي كونها مجرد مرحلة خاطئة اخري كما حدث في تعديل المادة 76 نعود بعدها الي تعديل التعديلات مرة اخري متأخرين قليلا سنوات او عقودا انها مجرد دورة للزمن تأخذ وقتها وبعدها يأتي التغيير الكبير، واذا كان ذلك كذلك فلماذا لا تبدأ من الآن وتوفر علي بلادنا جهدا ومراوحة! [email protected]