ها نحن نعود إليكِ للمرة الثالثة يا غزة.خالد مشعل حاول الوصول الي المفاوضات مع اسرائيل منذ اليوم الاول للاختطاف، ولم يحصر ذلك في المصريين. الاقتراحات والعروض المختلفة توالت عبر قنوات اخري، والوسطاء لم يكونوا ليبادروا الي التفاوض لولا معرفتهم بأن حماس تملك شيئا بيديها. هذا هو سبب الاعتقاد السائد في اسرائيل خلال اليومين الأولين للاختطاف بأن جلعاد شليت حي يرزق، وأنه في وضع صحي جيد. اسرائيل مطالبة الآن بدفع ثمن مزدوج: التراجع عن مبدأ عدم دفع ثمن لاطلاق سراح الجندي واعطاء مشعل دور اللاعب الرئيس ومن بيده حلول للمشاكل الاقليمية. من اجل إضفاء مذاق حلو علي الحبة المُرة طرح الوسطاء المصريون عدة أفكار خلاقة علي شاكلة: نقل جلعاد كوديعة لدي الحكومتين الفرنسية والمصرية، وتعهد اسرائيلي للرئيس المصري باطلاق سراح سجناء في مرحلة لاحقة وليس بالتزامن مع اطلاق سراحه. من اليوم الثاني للمفاوضات دُعي خالد مشعل الي القاهرة. مشعل اغتبط للرحلة والظهور في مركز الحدث، إلا أن المصريين أوضحوا له أن عليه أن يبدي المرونة. مشعل رفض، فأعلمه المصريون أن عليه أن يبقي في مكانه، فانهارت الصفقة. اسرائيل ومصر فسرتا ذلك بأن مشعل ليس ناضجا بعد للمفاوضات. يبدو أن الايرانيين جاثمون فوق صدره، وليس السوريين وحدهم، الأمر الذي لا يسمح له بالدخول في مفاوضات منطقية. رغبة مشعل في الحصول علي اعتماد بسبب انجازاته، تبرز بصورة خاصة علي خلفية تقديرات جهات بحثية في اسرائيل والتي تقول بأن سقوط حكومة حماس لن يؤدي الي عودة فتح، وأن أبو مازن سيجمع حقائبه في اليوم التالي لانهيارها ويسافر الي قطر. هو لا ينوي التحول الي عميل اقليمي، واسرائيل ستجد نفسها أمام فراغ فظيع وحالة من الفوضي المطبقة. الأمل في استغلال الاختطاف لاستبدال النظام الحاكم في الجانب الفلسطيني تلاشي ايضا بسبب المشكلة الدستورية. بامكانك أن تزج كل حكومة حماس في السجون، ولكن المجلس التشريعي الفلسطيني لن يختفي عن الوجود، وحتي اذا تشكلت حكومة طواريء فهي لن توافق علي خطوة تصفية حكومة منتخبة. بل علي العكس من ذلك، ستضطر الي إبداء موقف متصلب ومتطرف. تشوق حماس للدخول في مفاوضات حول المختطف ليس نابعا من فزع أو ضعف، كما حاولت اسرائيل اظهار ذلك. بل علي العكس تماما، فحماس تشعر بنشوة القوة. هي علي قناعة أنها قد نجحت في تركيع اسرائيل. بعض المصادر السياسية تكرر القول بأن حماس تطرح المطالب حتي تُظهر اسرائيل وهي تزحف علي الارض. هم لا يهتمون بعدد السجناء، وما يهمهم هو المبدأ: هم يقودون اسرائيل الي وضع يملون فيه عليها قواعد اللعبة الاقليمية. هم يبلورون توازنا استراتيجيا بين كيانين متكافئين. نحن سنواصل الكفاح ضد الاحتلال وسنُملي معايير ردكم علينا ايضا، كما فعل معكم حزب الله في لبنان. كل محاولات إظهار الضغط العسكري الممارس علي حماس كهجمة لتغيير مواقفها، ما هي إلا أُمنيات في الوقت الراهن. حماس تشعر انها فوق الحصان، وأن اسرائيل قابلة للضغوط وأنها ستقبل ما تطرحه عليها في نهاية المطاف. البطل هو الأكبر المستوي السياسي في اسرائيل لم يدرك أو لم يتصرف كمن يدرك بأن التحدي الحمساوي استراتيجي. رئيس الوزراء ووزير الدفاع برمجا نفسيهما لمهمة تخليص الجندي المختطف. كل القرارات السياسية والعسكرية والتهديدات التي لم يقف من ورائها شيء كانت موجهة الي هذا الهدف. في نهاية الاسبوع الماضي فقط أدركا ما يحدث أخيرا، وفهما أن أحدا لن يعطيهما الجندي من دون ثمن مُهين. الحقيقة هي أن اولمرت وبيرتس علي حد سواء، موجودان في فخ المعادلة البسيطة جدا: تحقيق انجازات في مواجهة حماس يستوجب ممارسة الضغوط علي السكان الفلسطينيين. حماس تصغي للشعب، ولكن الضغط علي السكان يثير المعارضة الدولية وينتزع الشرعية من أيدي الجيش من الناحية الاخري. هذه معادلة لا تخلو من الاشكالية وتتسبب في عمليات عسكرية متلعثمة بسبب قضية الشرعية بعد سلسلة الاخفاقات التي ارتكبها سلاح الجو في عمليات الاغتيال الأخيرة في غزة وعلي شاطيء البحر (عائلة غالية)، الأمر الذي دفع بيرتس الي رفض مواصلة تلك العمليات. أحد الضباط الكبار وصف الوضع علي النحو التالي: نحن لسنا قُساة بدرجة تكفي لاخافة الطرف الآخر وردعه، إلا أننا قُساة بدرجة تكفي لاثارة المزيد من الارهاب ضدنا. من الذي سينكسر أولا؟ الجيش الاسرائيلي يمارس اسلوب الدرج علي قطاع غزة، وهو في الواقع عبارة عن صيغة حمل كاذب: وكأنهم يمارسون الضغط علي حماس. من يريد أن يدلل جهاز الدفاع يستطيع أن يقول أن هذه لبنة في سلسلة الضغوط الممارسة (اقتصاديا وسياسيا) وربما تؤتي أُكلها ذات يوم. البعض الآخر قد يقول في المقابل أن الحمل الكاذب لن يطرح شيئا.