تناولت في مقالى السابق والمعنون "أدب الحوار.. وحوار الأدب" والذي نشر بتاريخ 24 يونيو 2006 ما ينعكس علي كثير من ابناء الوطن من توجس وقلق نتيجة ما نشاهده ونستشعره جميعا من مظاهر سلبية تدلل علي ان جانبا من ابناء المجتمع قد اصيب بفقدان ملحوظ للغة "ادب الحوار" وان اساليب الغوغائية والعصبية قد اتسعت بل ارتبطت بمباهاة محركيها بأن الصوت العالي والنجاح في ارهاب الآخر فكريا ومعنويا ليصاب "بسكتة كلامية" هو انجح الوسائل للانتصار واشاعة مناخ الخوف والهلع والتهديد في مواجهة من يملكون ملكة الاخلاق والثقافة والاحترام! وإذ تناول المقال تحليل الظاهرة وانعكاساتها السلبية الجسيمة.. فقد اكد علي ان اول سبل المعالجة والمقارعة ان نعطي نموذجا حيا لاسلوب الخلاف وادب الحوار نستعيره ونفخر به من خلال رموز ادبية وتاريخية وفلاسفة.. تناول المقال بسطوره قمما مصرية منهم.. وما كان لهم في منظور فكري او فلسفي.. وكيف تعاملوا مع المواقف والاحداث رغم اي ظروف محيطة بهم او بالمجتمع في ذلك الوقت. وفي اطار الدعوة لحشد الجهود علي المستويات والمحاور المختلفة من مؤسسات الدولة والمجتمع الي جانب الاسرة لمواجهة تلك الظاهرة بوقفة جادة وحاسمة.. فقد تطرقت سطور المقال في نهايته.. الي ما جاء بكتاب حديث للكاتب العقائدى والمؤرخ روجيه جارودي اسماه "حفارو القبور الحضارة تحفر للانسانية قبرها" وما اشار اليه من توصيف للتقدم والانحطاط الذي يقطع اواصل الهيكلة الاجتماعية لتدمير العلاقات بين مختلف الجماعات القومية.. إلى آخر ما اورده حول كيفية استعادة الامل بأن تتولد لدينا قناعة بأن المستقبل هو ما سنصنعه وليس ما سيكون.. فالتاريخ ليس محتوما بشكل مطلق.. فالإنسان هو صانع التاريخ.. وقادر علي الابتكار وصناعة المستقبل الذي مازال مفتوحا امامنا. ولأهمية الموضوع الرئىسي "أدب الحوار.. وحوار الأدب".. وما اضافه الكاتب العقائدي روجيه جارودي في رؤية لها دلالاتها في ارتباطها بالموضوع. فقد يكون من الافضل تناول اجزاء اخري من افكاره والتي وردت بنفس الكتاب.. حتي نستشعر مدي التهديدات التي يمكن ان تواجه الامة بأسرها.. كنتيجة لتقطيع اواصر الهيكلة الاجتماعية.. نتيجة لما اسماه بعوامل الانحطاط كما سبق الاشارة.. بعبارة السوق والملكية المطلقة للمال للسيطرة المطلقة علي الآخرين.. مهاجما ما يحدث داخل الولاياتالمتحدة عقب حرب الخليج وتأثيرها الخارجي. 1 كما أعطى مثالا لذلك ما شهدته اثينا "عاصمة اليونان" خلال العصر الروماني.. من اسلوب يشبه "الغابة في مواجهة الجماعة" وذلك عندما تراجعت المسئولية الجماعية.. وازداد التفاوت بين طبقات المجتمع مما ادي الي دفع الحضارة الي التخلف. كما يضيف ان هناك عواقب حتمية قد تؤدي اليها اقتصاديات السوق.. منها امتصاص "كافة القيم" وكل ما هو "اجتماعي" بينما يتم تسعير وتقييم كل شئ حتي الجريمة.. وفي هذا الاطار بشكل المال وقود كل حركة وهدفها المرجو.. بشكل تصبح معه الجريمة امرا غير مفيد على حد قوله . ثم يشير الي ان الاعلام في هذه الحالة قد ينجح في صنع الدعاة الذين يتقاضون المزيد من الاموال.. بينما باتت الحقوق الاساسية للمواطن من تعليم وصحة واسكان.. سلعا تخضع مثل غيرها من السلع "الاخري لشروط السوق". ومن هنا يحذر جارودي.. فيشير الي ما كتبه فرانسوا بيرو في هذا المجال.. "إنها قيم لا يجدر بنا السماح بإنحدارها الي اي سوق.. اذ عندما يسيطر هذا التفكير علي كبار الموظفين في المجتمع فإن المجتمع يتصدع. 2 كما يعود فيشير الي المنهج الامريكي.. والذي يتبعه نظيره المجتمع الاوروبي.. وهو ما يتمثل في الاستقطاب المتنامي للثروة في ايدي الاقلية التي تسيطر علي القرار.. مقابل انتشار واسع للبؤس في القاعدة.. وفقا لما اكدته الارقام الرسمية لمكتب الكونجرس للموازنة منذ الثمانينيات اذا اتسعت الهوة ما بين الاغنياء والفقراء اذ اصبح نحو 5.2 مليون من الاثرياء الامريكيين يحصلون علي دخل مساو لما يجنيه 100 مليون شخص في اسفل القائمة.. وهو ما انعكس مع الخدمات التعليمية.. والصحة.. والاسكان وهو ما ادي الي تصاعد ارتكاب الجرائم وانتشار العنف خاصة بمدينة نيويورك. ويسند جارودي ذلك.. الي انه من العواقب الناشئة عن السوق المتوحش.. والتنافس بين الافراد والجماعات "بمنطق الغابة في حد ذاته". 3 ويؤكد جارودي.. علي ان التهديد الرئيسي الثالث يتمثل في التضحية بالمستقبل في سبيل الحاضر.. ويضيف انه يمثل تدميرا اجتماعيا في اطار مسمي "الانحطاط الذي يتكلم عنه"... ثم يشير الي ما يتولد عن ذلك من عمليات ذاتية تهدف للربح.. ملقية خلفها كافة عمليات الانتاج!.. ويتولد معها ثقافة "اللا معنى" التي تنفصل عن البناء الاجتماعي. 4 إنه اي جارودي قد اطلق عبارة "حفارو القبور" علي اولئك الساعين الي تمجيد هذا النوع من الديانة الشمولية لن