الكتاب يحذر من إسقاط مفاهيم مثل الديمقراطية والحرية، وحقوق الإنسان على التجربة الصينية! من يريد فهم السياسة الخارجية الصينية، أو حتى موقف الصين من نفسها أولًا والعالم ثانيًا، عليه أن ينصت أولًا إلى ما يقوله الصينيون حين سئل كونفوشيوس: ماذا نفعل إذا زاد عدد السكان؟، أجاب: نُثرى الشعب.. فسئل مرة أخرى: وماذا بعد أن نُثريهم؟، قال: نربيهم ونعلمهم فى العقود الأخيرة، برزت الصين بوصفها قوى عالمية صاعدة، ليس فقط فى الاقتصاد والتكنولوجيا، بل فى مشروعها المتكامل للنهضة القومية. وتعد القيم الأخلاقية التقليدية إحدى الركائز الجوهرية لهذه النهضة، إذ لم تنفصل الصين فى حركتها الحديثة عن جذورها الفلسفية، بل أعادت توظيفها، وتقديمها فى سياق جديد يستجيب لمتطلبات الحاضر، إن ما يلفت النظر أن هذه الظاهرة ليست جديدة فى التاريخ الصينى، بل تتكرر مع كل طور من أطوار الصعود الحضارى. ففى كل حقبة بلغت فيها الصين ذروة القوة والازدهار، كانت هناك منظومة أخلاقية قوية تسبق النهضة وترافقها. من حكم كونفوشيوس فى عصر الربيع والخريف، إلى حكم أسرة «تانغ» التى جمعت بين الازدهار الإدارى والإبداع الثقافى، ومن إصلاحات عهد أسرة «سونغ» إلى مسيرة الإصلاح والانفتاح الحديثة، ظل العنصر الأخلاقى فى قلب المشروع التنموى. وقد شكلت هذه القيم -مثل احترام النظام، التضامن المجتمعى، تمجيد العلم والعمل، والولاء الجماعى سرًا ضمنيا فى بقاء الصين وتفوقها عبر العصور. يطل علينا د. أحمد السعيد بكتابه «الصين من الداخل» كنافذة لا تُفتح على جغرافيا، بل على عقلٍ حضاريٍ يُعيد تشكيل السياسة من نسيج فلسفة أخلاقية، ولا يكتب عن الصين بوصفها دولة، بل بوصفها فكرة متحركة، تتنفس عبر قرون من التناغم، والسلطة الرمزية، وتُعيد إنتاج ذاتها دون أن تنفصل عن جذورها، هذا العرض لا يسعى إلى تلخيص كتاب، بل إلى مرافقة القارئ فى رحلة داخل عقلٍ سياسيٍ لا يُفكر بمنطق الغرب، بل بمنطق «الداخل» الذى يربط الحاكم بالمُعلّم، والقرار بالطقس، والمستقبل بالذاكرة. الكتاب يدعو القارئ إلى الحذر من إسقاط مفاهيم مثل «الديمقراطية»، «الحرية»، و«حقوق الإنسان» على التجربة الصينية دون فهم السياق الثقافى للنموذج الصينى، الحرية لا تعنى الفردانية، بل الانسجام مع الجماعة، والديمقراطية ليست تعددية أصوات، بل توافق حول الهدف المشترك. ويعزى فهم الصعود الصينى -كما يوضح الكاتب- بمحاولة العودة إلى البنية الفلسفية والثقافية العميقة التى شكلت أساس وعى الصين الجماعى على امتداد قرون. فالهوية الصينية ليست نتاج لحظة سياسية عابرة أو مسار اقتصادى طارئ، بل هى نتيجة تراكم حضارى طويل، شاركت فى بنائه تعاليم الفلاسفة، وتجارب الأسر الحاكمة، وتحولات المجتمع الزراعى، وحكمة الحروب والسلم. فلسفة صينية كان الفيلسوف الصينى «كونفوشيوس» فى طريقه إلى مملكة «وى» حين سأله تلميذه «ران يو»: ماذا نفعل إذا زاد عدد السكان؟، فأجابه: نُثرى الشعب، فسأله مرة أخرى: وماذا بعد أن نُثريهم؟، فقال كونفوشيوس: نربيهم ونعلمهم. هذه الحكاية القصيرة تكشف عن منطق اجتماعى متجذر فى الثقافة الصينية وارتباط وثيق بين الدولة القوية والشعب الثرى والثقافة المزدهرة، وفى كتابه الصين من الداخل: ثقافة العقل السياسى الصينى - من كونفوشيوس إلى شى جين بينغ»، يكشف الباحث والأكاديمى المتخصص فى الشأن الصينى د. أحمد السعيد، عن الطبقة العميقة لفهم الصين كما ترى هى نفسها، ويؤكد فى تقديمه لكتابه أن الصين ليست كما نراها فى نشرات الأخبار أو تقارير السياسة الدولية، فما يصل إلى المتلقى العربى عنها غالبًا ما يكون مشوَّشًا أو مبتورًا أو محصورًا فى أرقام التجارة وقصص الهيمنة، لا فى العقل الذى يُفكِّر بها ولا فى الثقافة التى تُوجِّه مسارها، ومن هنا تشكلت لديه قناعة عميقة؛ بأن من يريد فهم السياسة الخارجية الصينية، أو حتى موقف الصين من نفسها أولًا والعالم ثانيًا، فعليه أن ينصت أولًا إلى ما يقوله الصينيون عن أنفسهم، لا أن يكتفى بما يقال عنها. وأن على العرب تحديدًا، أن يخرجوا من منفى الصور النمطية، وأن يقتربوا من «الصين من الداخل» لا من النوافذ الخارجية التى قد تُخفى أكثر مما تكشف، أو من الوسيط الغربى الذى يكتب سرديته الخاصة عن كل العالم. الحكاية الحقيقية لماذا تفعل الصين ما تفعله؟، هذا هو السؤال الحقيقى الذى يجب أن نسأله، لأنه بالفعل سيأخذنا إلى طريق الحقيقة بعيداً عن الأوهام والزيف، وللإجابة على هذا التساؤل بدأ د. أحمد السعيد، رحلة البحث فى أعماق الثقافة الصينية، رحلة بدأها منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا وما زالت مستمرة من التفاعل مع الثقافة الصينية، ولم يكن هناك من سبيل لفهم خطاب الصين السياسى والثقافى إلا بالرجوع إلى الجذور العميقة التى تُكوِّن بنية تفكيرها؛ من الكونفوشيوسية، إلى الطاوية، إلى المدرسة القانونية، إلى البوذية، ثم إلى الماركسية اللينينية والاشتراكية ذات الخصائص الصينية، وكان لا بد من تسليط الضوء على كيف تفكر الصين، وكيف تؤسس لمفاهيم السيادة، والسلام، والتنمية، لا فقط بوصفها قضايا سياسية، بل باعتبارها امتدادًا لرؤية ثقافية عميقة جاءت جذورها من تاريخ الصين الخاص. ويؤكد «السعيد» أن رحلته انتهت إلى تحقيق مشروع معرفى استغرق منه أكثر من ثلاث سنوات من القراءة والبحث والتركيب والمقارنة والتحليل، وقد التزم فيها بمنهجية تجمع بين التأريخ والتحليل النظرى والفهم الثقافى، مع التركيز الشديد على أن يكون هذا الكتاب جسرًا للقارئ العربى لفهم الصين من داخل عقلها السياسىى الثقافى، لا من خارجه. فلسفة وثقافة يتضمن كتاب « الصين من الداخل»، أربعة أبواب، كلٌ منها يكشف جانبًا من بنية العقل السياسى الصينى ؛ جاء الباب الأول تحت عنوان: الجذور الفلسفية والثقافية للهوية الصينية، ويهدف إلى توضيح أن السياسة الصينية لا تُفهم بدون الرجوع إلى عمقها الثقافى، فالهُوية الصينية ليست نتاج لحظة سياسية عابرة أو مسار اقتصادى طارئ، بل هى نتيجة تراكم حضارى طويل، شاركت فى بنائه تعاليم الفلاسفة، وتجارب الأسر الحاكمة، وتحولات المجتمع الزراعى، وحكمة الحروب والسلم ، ولا يمكن فهم صعود الصين المعاصر، ولا تفسير ملامح توجهاتها الداخلية والخارجية، دون العودة إلى البنية الفلسفية والثقافية العميقة التى شكَّلت أساس وعى الصين الجماعى على امتداد قرون، فالثقافة الصينية تعد إحدى أقدم الثقافات الحيّة فى العالم، إذ لم تنقطع عبر التاريخ، بل استمرت فى إنتاج رموزها، وتأويل ماضيها، وتكييف مقولاتها مع الواقع. ويتناول هذا الباب أيضاً الجذور العميقة لهذه الهوية المركبة، من خلال ثلاثة فصول، تسعى إلى استكشاف العلاقة بين الفلسفة والثقافة والسياسة، وبين الماضى الإمبراطورى والتحديث الاشتراكى، يبدأ باستجلاء المفاهيم الكبرى التى صاغت العقلية الصينية؛ العلاقة بين الثقافة والتقاليد والاشتراكية والدبلوماسية، ثم ينتقل إلى تحليل منظومة القيم الأساسية، وتفسير تعاظم الثقل الثقافى للنموذج الصينى فى مقابل النماذج الأخرى ، ويتوسع فى تحليل العلاقة بين الثقافة والسياسة، والتصوُّر الصينى للثقافة باعتبارها أداة لتشكيل الواقع لا مجرد وصف له، كما يعرض لفهم الثقافة من داخل البنية المفاهيمية الصينية، لا من خلال التعريفات الغربية النمطية، وصولًا إلى الفصل الثالث الذى يُبرز كيف جرى توظيف البنية القيمية التقليدية لتأصيل الاشتراكية الصينية، ثم كيف أصبحت تلك القيم نفسها ركيزة لنهضة الصين فى القرن الحادى والعشرين . المرتكزات الأساسية تحت عنوان «التناغم مركزًا للسياسة الصينية» جاء الباب الثانى، وفيه يؤكد المؤلف أن فكرة التناغم مثلت أحد أعمدة الفلسفة الصينية التقليدية، ولم تقتصر على مجال الأخلاق الفردية أو تنظيم المجتمع، بل امتدت لتشكِّل أحد المرتكزات الأساسية التى قامت عليها السياسة الخارجية الصينية فى عصور ما قبل الحداثة ، فقد رأت الصين فى نفسها مركزًا حضاريًا، يقوم دوره على إشاعة النظام والتناغم، لا فرض الهيمنة أو الاستحواذ، وهو ما انعكس بعمق فى نظرتها إلى علاقاتها مع العالم المحيط ، كما يسعى المؤلف إلى إعادة قراءة الممارسة السياسية الخارجية للصين فى ضوء منظومتها الثقافية العميقة، وفهم كيف حافظت حتى فى لحظات التحوُّل العنيف - على مركزية الثقافة فى بناء رؤيتها للعالم، كما يركز على التحوُّلات التى طرأت على مفهوم التناغم، من كونه فكرة فلسفية ذات جذور روحية وعقلانية فى الفكر الكونفوشيوسى والطاوى، إلى كونه أداة سياسية وأيديولوجية توجه سلوك الدولة الإمبراطورية فى علاقاتها مع الآخرين، وذلك من خلال ثلاث مراحل تحليلية ؛ هى: استعراض جذور التناغم ومضامينه الفكرية والأخلاقية فى التراث الفلسفى الصينى ، وتحليل مظاهره العملية فى السياسة والدبلوماسية التقليدية عبر آليات كحسن الجوار، والعدل المتناغم، والجغرافيا الأخلاقية ، ثم تفكيك لحظة الانعطاف مع بداية القرن العشرين، حيث بدأت الصين تُعيد صياغة مفاهيمها الأخلاقية والدبلوماسية تحت ضغط الهزيمة والانكشاف، لتنتقل من «التناغم الإمبراطورى» إلى خطاب ثورى جديد قاده «صن يات سين»، وتطوَّر لاحقًا عبر التأثيرات الماركسية وتحوُّلات الفكر السياسى الحديث . أثر السياسة مع بداية الثمانينات من القرن العشرين لم تعد الصين مجرد دولة تبحث عن موضع قدم فى النظام الدولى، بل أصبحت كيانًا حضاريًا يعيد تشكيل أدوات حضوره، ويختبر سبل التعبير عن هويته فى سياقات خارجية معقدة، ولم تكن الثقافة مجرد عنصر رمزى أو مرجعية صامتة، بل تحوَّلت إلى جزء أساسى من تصوُّرات الصين للعالم، بل ومن تصوُّرها لذاتها، وتحت عنوان «أثر السياسة فى الثقافة الصينية الحديثة» جاء الباب الثالث، وفيه يُعالج د. أحمد السعيد، التحولات التى طرأت على السياسة الخارجية الصينية فى العقود المعاصرة، لكنه لا يكتفى بتتبُّع الأحداث والمواقف، بل يسعى إلى قراءة هذه التحولات بوصفها ترجمة استراتيجية لثقافة سياسية عميقة الجذور ، فالصين على خلاف كثير من القوى الدولية الصاعدة لا تفصل بين البُعد السياسى الخارجى وبين الهوية الثقافية الداخلية، بل تنزع دومًا إلى تقديم نموذجها السياسى على أنه امتداد لمنظومتها الحضارية، ولا تقتصر هذه الثقافة على الموروث الكونفوشيوسى وحده، بل تشمل أيضًا طرق التفكير المرتبطة بالمركزية الصينية التقليدية، ونظرتها الأخلاقية للسلطة، وفلسفة التوازن والتناغم، بل وحتى ميراث التمرد والثورة كما تشكَّل فى بعض مراحلها، هذا التراكم المتعدد الأوجه هو ما يجعل تحليل السياسة الخارجية الصينية المعاصرة دون استحضار خلفيتها الثقافية أمرًا قاصرًا، إن لم يكن مضللًا ، وعليه فإن التحليل الذى يقدمه هذا الباب لا يرصد فقط ما فعلته الصين فى السياسة الخارجية، بل يسعى إلى الكشف عن كيف تفكر الصين فى فعلها السياسى الخارجى، وكيف تمزج فيه بين التراث الثقافى وضرورات القوة، وبين الحذر الواقعى والطموح الحضارى. «شى جين بينغ» تحت عنوان «الخطاب الصينى الجديد: عصر شى جين بينغ» جاء الباب الرابع، وجرى فيه التركيز على خطاب شى جين بينغ ومفاهيمه، وربطت بينها وبين الثقافة التقليدية، محللًا رمزية كل مصطلح، واستراتيجية كل مبادرة، ومرجعية كل خطاب، واستهله المؤلف د. أحمد السعيد، بتسليط الضوء على فترة حكم «شى جين بينغ»، الرئيس الحالى للصين، قائلاً: حين نتأمل فى التحوُّل الذى طرأ على السياسة الخارجية الصينية خلال العقدين الأخيرين، يلفت الانتباه أمر جوهرى لا يمكن إغفاله وهو أن الصين لم تعد تكتفى بموقع الفاعل الحذر، ولا تلتزم بدور «الطالب» المتدرِّج فى النظام الدولى، بل باتت تسعى-فى وضوح غير مسبوق-إلى إعادة تشكيل هذا النظام وفق رؤيتها ومفاهيمها ومصالحها، وقد جاء هذا التحوُّل لا بوصفه انحرافًا فجائيًا عن مسار الإصلاح، بل نتيجة لتراكم طويل بدأ من لحظة «ماو» الثورية، ومرَّ عبر براغماتية «دنغ»، لينضج فى عهد «شى جين بينغ»، ضمن سردية جديدة تمزج بين الهوية الحضارية القديمة والتطلعات العالمية المعاصرة ، تحت مصطلح «شي» «الصين فى العصر الجديد». فى هذا الباب أيضاً استعرض المؤلف فترة حكم الرئيس الحالى التى تمثل كما يقول لحظة مفصلية فى تاريخ الصين، عبر ثلاثة فصول: «إعادة تعريف العالم من داخل الصين : رؤية شى جين بينغ»، و «أدوات الخطاب الصينى فى العصر الجديد»، و»تحليل خطاب شى جين بينغ: بين الثقافة والسياسة»، وفى هذه الفصول الثلاثة يؤكد المؤلف أنه: منذ تولى «شى جين بينغ» السلطة عام 2012 أعاد تأطير العلاقة بين الدولة والعالم، مستعينًا بأدوات شديدة التنوُّع، من مبادرات اقتصادية عملاقة مثل «الحزام والطريق»، إلى استنهاض الرمزية الثقافية عبر «مجتمع المصير المشترك»، مرورًا بإعادة تفعيل منظومة القيم الكونفوشيوسية فى الخطاب السياسى، والتوسُّع الحذر فى أدوات الإعلام والدبلوماسية الثقافية، لكن التمايز فى عهد «شي» لا يقتصر على كثافة الحضور الدولى للصين، بل يتجلى فى إعادة بناء الخطاب السياسى الدولى انطلاقًا من الثقافة السياسية الصينية، فالصين لم تعد ترى نفسها مضطرة لمحاكاة نموذج الهيمنة الغربية، بل تقترح نموذجًا بديلًا قوامه؛ التنوع الحضارى، والسيادة المتوازنة، والحوكمة المتعددة الأقطاب، مع إعلاء لقيم «التناغم» و»التعايش» و»المنفعة المتبادلة»، وليس هذا مجرد ترف لغوى، بل هو انعكاس لرهان صينى واضح على شرعية حضورها الدولى أخلاقيًا وثقافيًا، لا سياسيًا أو اقتصاديًا فقط. ويؤكد المؤلف أن ما يقدمه فى هذا الجزء من الكتاب ليس مجرد تتبُّع لسياسات الصين فى عهد «شي»، بل تحليل لمنطقها الثقافى، وتحليل لأدواتها الخطابية، واستشراف لحدود ما يمكن أن تنجزه على الساحة الدولية فى العقود المقبلة ، وأننا بصدد نموذج دبلوماسى مركَّب، يسعى إلى تأصيل شرعيته من داخل تقاليده، ويفرض حضوره فى عالم مشبع بالارتياب والمنافسة. وفيه أيضاً يرصد د. أحمد السعيد، أهم ملامح السياسة الخارجية فى عهد «شى جين بينغ»، ويحددها فى عدة نقاط: الانتقال من «الكمون الاستراتيجى» إلى «الريادة العالمية «، خلافًا لفلسفة «إخفاء القوة وكسب الوقت» التى رسَّخها «دنغ». بلورة خطاب عالمى ذى مرجعية صينية. إطلاق المبادرات الجيوسياسية الكبرى، أبرزها مبادرة «الحزام والطريق»، إضافة إلى مشروع «مجتمع المصير المشترك للبشرية». إعادة تأويل مبدأ السيادة بوصفه ركيزة غير قابلة للتفاوض. تصعيد الدبلوماسية متعددة الأقطاب وبناء التكتلات البديلة؛ مثل البريكس، ومنظمة شانغهاى، لتقليل الاعتماد على الغرب، وصياغة «بنية موازية» للنظام الدولى تعكس التعدد الحضارى والثقافى. تكثيف الدبلوماسية الثقافية والإعلامية باعتبارها جبهات استراتيجية؛ فقد أنشأت الصين فى عهد «شي» مئات من معاهد كونفوشيوس الجديدة، وأطلقت وسائل إعلام عالمية موجهة، فى محاولة لإعادة تشكيل الرأى العام الدولى، وإعادة الاعتبار للهوية الحضارية بوصفها مصدر شرعية وأداة تأثير . تأكيد مركزية الحزب فى السياسة الخارجية. المزاوجة بين خطاب السلام والاستعداد للصراع. رسالة أخيرة لا شك أنه بعد الانتهاء من قراءة كتاب «الصين من الداخل»، نستطيع أن نؤكد أنه يُعدّ من الإصدارات القليلة فى اللغة العربية التى تتناول البنية الثقافية والتاريخية العميقة التى تصوغ طريقة الصين فى الحكم، وإدارتها لعلاقاتها الداخلية والدولية، بعيدًا عن التناول السطحى الذى يختزل الصين فى اقتصادها أو نظامها الحزبى، ولا يقتصر ما يقدمه على قراءة من الخارج، بل من داخل التجربة الصينية ذاتها، إذ ينطلق من قناعة أساسية بأن فهم الصين يتطلب الاقتراب من مفرداتها الفكرية، ونظامها الرمزى، والمنظور التاريخى الذى يُعيد فيه الحاضر قراءة الماضى، ويستبطن الثقافة كأداة من أدوات السلطة، لا كمجال منفصل عنها، ويعد إضافة نوعية فى مجال دراسات الصين، ويخاطب جمهورًا واسعًا من الباحثين، وصنّاع القرار، والمهتمين بالفكر السياسى المقارن. وفى خاتمة الكتاب يؤكد المؤلف أنه: ليس الهدف من هذا الكتاب أن يقول «الصين على حق»، بل أن يقول: «الصين ترى نفسها بهذه الطريقة، وهذه رؤيتها للعدالة والعالم والإنسان»، وإن كان العالم يريد التفاعل مع الصين، أو حتى مواجهتها، فليكن هذا التفاعل على أساس الفهم، لا على أساس التوجُّس أو التبسيط أو الإسقاطات الأيديولوجية ، لقد آن الأوان أن نمنح الآخر الحق فى أن يُعرِّف نفسه، لا أن نفرض عليه تعريفنا له ، فالصين ليست كتابًا مغلقًا، لكنها أيضًا ليست كتيبًا دعائيًا، إنها حضارة قديمة تعيش فى جسد دولة حديثة، وتحاول أن تبنى سرديتها فى عالم لم يتعوَّد أن يسمع من الشرق، بل أن يُحدِّثه دائمًا ، ومن يدرى؟ ربما حين نفهم الصين كما ترى نفسها، نفهم العالم كما يمكن أن يصير ، إن فهم الصين من الداخل هو دعوة لفهم جديد للعالم بأسره .