وزير البترول يبحث مع «SLB» العالمية تعزيز تطبيق الحفر الأفقي في مصر    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تقوم بجولة موسعة بمحافظة الإسكندرية اليوم    عاجل| الأمين العام للجامعة العربية يدين إقرار الاحتلال قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين    إصابة 9 أشخاص في هجوم إيراني على وسط إسرائيل    هل تشهد البلاد موجة طقس شديدة غدا؟.. الأرصاد توضح (فيديو)    الإحصاء: 12.76 مليار دولار صادرات مصر من السلع نصف المصنعة خلال 11 شهراً    الريال السعودي بكام؟ أسعار العملات الأجنبية والعربية في بنك القاهرة اليوم الثلاثاء    السكك الحديدية: تراجع تأخيرات القطارات اليوم لاستقرار الأحوال الجوية    الرقابة الصناعية: حملات تفتيشية على 1041 مصنعًا و337 آلة حرارية و114 مركز خدمة    الأربعاء الثاني الأشد.. عباس شراقي: أمطار متفاوتة الشدة بالنصف الشمالى من مصر    اللجنة العليا للمسؤولية الطبية تُعزّز الوعي المجتمعي والمهني بقانون المسؤولية الطبية من داخل كلية طب الأزهر    نتنياهو لقناة "نيوزماكس" الأميركية: "لقد تجاوزنا بالتأكيد منتصف الطريق.. لكنني لا أريد أن أضع جدولا زمنيا" لموعد انتهاء الحرب    السعودية: أضرار محدودة إثر سقوط شظايا اعتراض مسيرة شرق الرياض    نتنياهو: الأهداف النهائية للمهمة في إيران باتت في متناول اليد    قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف وادي صربين وأطراف بلدة بيت ليف بجنوب لبنان    البوسني إدين دجيكو: منتخب إيطاليا هو من يشعر بالضغط وليس نحن    موعد مباراة تركيا وكوسوفو في الملحق المؤهل لكأس العالم والقناة الناقلة    الأهلي أمام وادي دجلة.. ومسار يواجه مودرن في نصف نهائي كأس السيدات    منتخب مصر يواجه إسبانيا وديا استعدادًا لكأس العالم 2026    افتتاح معمل الرؤية الحاسوبية المدعوم بالذكاء الاصطناعى في طب أسنان القاهرة (صور)    المعاينة تكشف تفاصيل حريق محل في بولاق الدكرور    تحليل مخدرات للطالبة المتهمة بدهس مسن بالخطأ في أكتوبر    حركة القطارات بمحطة سكك حديد أسوان اليوم الثلاثاء 31 مارس 2026    لخلافات مالية.. عامل يمزق جسد سائق ب سكين في الصف    نقابة المهن التمثيلية تتمنى الشفاء العاجل للإعلامي عمرو الليثي    ابنة "إيسو وويسو" تلفت الأنظار، شاهد كيف تغير شكل طفلة مسلسل "اللعبة"    «الصحة» تستقدم 4 خبراء دوليين في تخصصات دقيقة لتعزيز جودة الخدمات الطبية ونقل أحدث التقنيات    مصدر قضائي: فتح تحقيقات جديدة مع علي عبدالونيس قيادي حركة حسم وإعادة محاكمته في 3 قضايا    هام| الصحة تكشف حقيقة تفشي الالتهاب السحائي بالبلاد    في ذكرى أول قدّاس بالفلبين.. تراث غائب عن الذاكرة البصرية    الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل 4 جنود في لبنان    أجبر ابنته علي إنهاء حياتها غرقا، تأجيل محاكمة نجار بشبرا الخيمة    شركة المياه تحسم الجدل حول تلوث مياه الشرب    نصائح للتخلص من الطاقة السلبية عند الاستيقاظ وتحسين جودة النوم    أول قرار ضد عامل بتهمة التحرش بطفلة داخل مصعد بالهرم    رسالة مجتمعية من النيابة: دروس إنسانية تحذر وتوجّه وتُعيد ترتيب الأولويات    عمرو محمود ياسين يرد على شائعة ارتباطه من فنانة شهيرة    طريقة عمل عيش التورتيلا، أشهى أكلات سريعة التحضير    زياد بهاء الدين: السعودية الأقل تأثرا بتداعيات الحرب.. واسترداد دول الخليج مكانتها الاقتصادية سيكون سريعا    6 أعضاء بعد رحيل هيسينج، فرقة ENHYPEN تعلن عن جولتها العالمية "BLOOD SAGA"    محافظ الجيزة يتابع تطبيق مواعيد غلق المحال وحالة النظافة بالشوارع    تعيين المونسنيور باولو روديلي نائبًا للشؤون العامة في أمانة سر الدولة بالفاتيكان    الخميس .. «قضايا موسيقية» تجمع رموز الفن في صالون ثقافي بأوبرا الإسكندرية    فنان وحيد في عزاء الفنانة فاطمة كشري فمن هو؟    رئيس "فيفا": على إيران المشاركة في كأس العالم ولا خطة بديلة    محافظ الفيوم يواصل جولاته الليلية لمتابعة الالتزام بمواعيد غلق المحال    بالتزامن مع العيد القومي.. مطرانية المنيا تنظم الملتقى العلمي السادس بعنوان "المنيا.. أجيال من الصمود"    التعليم: استمرار الدراسة وانتظام الامتحانات بجميع المدارس اليوم الثلاثاء دون تعطيل    نجم الزمالك السابق: الأهلي سيتوج بالدوري لهذا السبب    برسائل ساخرة ودبلوماسية.. بركات يرد على ترشحه مديرًا للتعاقدات في الأهلي    مواقيت الصلاة اليوم الثلاثاء 31 مارس 2026 في القاهرة والمحافظات    دعاء الفجر.. أدعية خاصة لطلب الرزق وتفريج الهم    نابولي يستعد لتجميد لوكاكو بعد أزمة مع أطباء النادي    عمرو أديب: إحنا في مصر عندنا حرب أخرى.. الصاروخ في السوبر ماركت والرصاصة في المخبز    فخ "الضربة الواحدة".. سوسيولوجيا المراهنات الإلكترونية ووهم الثراء السريع    الأزهر يواصل حملة «وعي».. الرد على شبهة الاكتفاء بالقرآن وإنكار حجية السنة    الأوقاف عن الإرهابى عبد الونيس: مفيش إرهاب نهايته نصر.. نهايته دايما ندم    الإفتاء: لا تقتلوا الحيوانات الضالة.. الحل في الرحمة لا القسوة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الكاتب الإسباني خوان ميّاس يخترع العالم في روايته الجديدة:
الإبداع .. أن تكتب عما لا تعرف
نشر في أخبار الأدب يوم 13 - 11 - 2010

يعود مؤلف "لاورا وخوليو" و"العالم" إلي الرواية بعمل جديد عنوانه" ما أعرفه عن العفاريت"، يتناول فيه تعدد الأوجه داخل شخصيته، راوي، صحفي، مذيع، كاتب متورط في هموم المجتمع الذي يعيش فيه.
يمارس خوان خوسيه ميّاس المشي في وقت مبكر جداً. لديه هذه العادة، المشي من أجل المعرفة، وبعد أن يسير مدة ساعة ويعود إلي بيته، يكون ذهنه في غاية النشاط، تهاجمه الأفكار ليتقدم في إحدي المسيرات السردية أو الصحفية الأكثر تفتحاً وتنوعاً التي أسستها أجيال جديدة من الكُتاب الذين يعملون أيضاً في الصحافة والراديو.
يفعل ميّاس كل شيء وفي كل شيء يحقق نجاحاً قادماً من الجهد والمشي. يقول ذلك بمجرد أن يبدأ هذا الحوار، الذي يأتي إليه بالمناسبة بلا قلم ولا أي شيء من أدوات الكتابة. والآن مع صدور روايته المؤرقة "ما أعرفه عن العفاريت" يري الواحد منا ميّاس كأنه مسكون بنفس الأشباح التي يصفها، كما لو أن رجلاً يلبس جسده ويسجل ملحوظاته بينما يسير هو. لكن لا، يأتي فقط حليق اللحية وبشعر أبيض يشي بسنواته الأربع والستين، شعر أقصر مما كان عليه عندما نشر "رؤية الغريق" (1977) أو"التباس اسمك"(1986) ، روايتان صالحتان تماماً لفهم عالمه. فهم تفرده وسخريته.
يبدو أن هناك أكثر من ميّاس. ذلك الذي كان قاتماً في البداية وهذا الذي يسخر من الواقع بفكاهة، كأنه شاهد فجأة نوراً. في سنة 1993 حدثتْ لك حالة إغماء، فقدتَ وعيك في بار، فحملك أصدقاؤك، وعندما أفقت قلت:" لقد انتهي". كأنك دخلت في عالم آخر.
- الفترة التي تسميها قاتمة هي منطقة أبحث فيها عن بصمتي الخاصة، لكنني كنتُ متأثراً بمناخ التجريب. بدأت أكتب في تلك السنوات التي كان فيها التجريب يسيطر علي البانوراما الأدبية، رغم أنه يسيطر أيضاً في الفترة الأخيرة. من المثير للفضول أن يؤكّد نقاد أن أفضل رواياتي هي "رؤية الغريق"، التي تُنسب لهذه الفترة القاتمة. يسعدني ما يقولونه، لكنني لا أتفق معهم. من ناحية أخري، ما تسميه أنت فكاهة هو نوع من الغزو بدأ مع " التباس اسمك" ، وأنا لا أصفه بالفكاهة. أعتقد أنها لحظة اقتحمتُ فيها بعض طرق السرد وتجرأت علي استخدامها. أنا مغوي دائماً بالمحاكاة الساخرة ( البارودي)، وكنت قارئاً كبيراً لشيسترتون، علي سبيل المثال. لكن لسبب ما كانت طرقاً لم أتجرأ علي استخدامها: السخرية، البارودي...
والفكاهة؟
- هذه الطرق الأسلوبية تنتج مؤثراً ثانوياً نسميه فكاهة. والفكاهة ليست بحثاً مباشراً في كتاباتي ولا في أدبي؛ هي مؤثر مساعد. أتذكر مداخلة لي في المائدة المستديرة في أوروباليا، ببروكسيل، نتج عنها ضحك كثير في القاعة. وأنا كنت أروي شيئاً درامياً جداً علي الإطلاق ولم أكن أفهم لماذا يضحكون، لكنني أخفيت استغرابي.
تبدو كأنها من صفاتك الطبيعية: السخرية والبارودي.
- احتفظت بهما لنفسي، ومن هناك انطلقتُ صوب بصمة تهمني جداً، لكنها شديدة الصعوبة: الرواية الخيالية. صنعت ذلك في "ميت وابن حرام وغير مرئي" وعدت إليه في" الترتيب الأبجدي" وهي رواية أنا راض عنها تماماً. وعدتُ إليه في" ما أعرفه عن العفاريت" الصادرة حديثاً.
في هذه الروايات، بما فيها الجديدة يظهر القرين.
- بالفعل، فالموضوع الأساسي في "كل ما أعرفه عن العفاريت" هو القرين، وهو الموضوع الكامن تقريباً في كل أعمالي، إنه مجاز عن واقع آخر، مثل الواقع -الخيال، الظاهر- الحقيقة، الأصل- النسخة. ما يحدث هنا أن الهذيان مطرز بشكل مباشر، دون لف أو دوران. من المقطع الأول يحدث إتفاق مع القاريء. الراوي المصاب بالهذيان، في الوقت الذي يحكي فيه الهذيان، يحكي كيف يعيشه، في نوع من التهجين بين الحكاية ويوميات علي هامش هذه الحكاية.
ويدخل الجنس. في أعمالك لم يكن أبداً بهذا الوضوح؟
- هذا الراوي الذي يسرد ما يحدث مع عفاريته مهووس جداً بكل ما هو بيولوجي. وننتبه أنه كلما زادت وحشية البيولوجي تقوت الروح الذي تسكنه. لهذا تأسره بيضة الدجاجة. هناك أشياء قليلة بيولوجية جداً مثل بيضة الدجاجة. مع ذلك، فالبيضة في نفس الوقت الذي تكون فيه منتجاً بيولوجياً بشكل مفرط تكون أيضاً منتجاً رمزياً بشكل لا يصدق. محاولة هذا الشخص في الاقتراب مما هو بيولوجي بشكل حرفي يجعل هذه الحرفية ترتد إلي الروح، لا إلي البيولوجيا. وهذا ما يحدث مع الجنس. يبدو أنه جنس لا يتضمن سوي البيولوجيا، لكن الحقيقة أنه بقدر ما فيه من بيولوجيا فيه من روح. أعتقد أن هذا هو المعني الذي يحويه هذا الجنس الواضح.
إن مشاكل الإنسان تُحَل عندما تمتد يد نوع
من القرين..العفريت هو قرينك.
- منذ فترة لفت إنتباهي مصطلحاً عنوَن به مانويل ريباس مقالة له: doppelganger ، مصطلح ألماني يُعرَف به الرجل المؤذي، قرين شرير، قرين ملعون، مصطلح شفاهي منتشر جداً في الدول الشمالية ووسط أوروبا، نجده في كل الآداب: ستيفنسون، موبسان، هوفمان، هاوثورن، هيس، بورخس، الخ. في "الحجلة" هناك شخص يُدعي doppelganger. هذا الرجل الشيطاني يتحرك بنفس الحرية في الأدب سواء كان أدباً كبيراً أو شعبياً. روايتي تُنقش في هذا التقليد. بعد ذلك، لو تأملت، ستتحقق أن كل الأدب- خاصة في الرومانتيكية- وفي كل اللغات- تعبُر فيه كدودة صورة القرين هذه. هنا تُنقش روايتي، في هذا التقليد. أتمني أن تضيف شيئاً.
تحقيقاتك، أعمدتك، وحتي كتبك، تتولد من الشرارة. متي بدأت كتابة"ما أعرفه عن العفاريت"؟ ماذا خطر ببالك وقتها؟
- لو كنا نحمل معنا دفتراً نسجل فيه ما نكتبه كنا سنعرف كيف حدث كل شيء. لكن هذه ليست حالتي. رغم ذلك يمكنني أن أغامر وأفترض فرضية: صغيراً، كلما كنت أنتعل حذائي، كان يهاجمني وسواس بأن في الحذاء صرصارا، حيث كنا نعيش محاطين بالصراصير. وبالتالي كنت أنفضه وأنظر بداخله. وفي لحظة ما، لا أدري ما سببها، بدّلت خوفي من وجود صرصار بخوف من أن يكون هناك عفريت. أظن، من منظوري كناضج، أنني كنت أحتمل أفضل الخوف الأخلاقي لسحق عفريت من الاشمئزاز المادي لسحق صرصار. أعتقد أنني من هنا بدأت حكايتي مع العفاريت. منذ سنوات طويلة حلمت بهم. في عدد من المرات حدث لي أن حلمت برواية. تستيقظ وتشعر أنك في هذا الحلم، الذي لا تعرف كم استغرق من الوقت، ربما ربع ساعة، شاهدت رواية. في ذلك اليوم صحوت مركزاً جداً في هذا الحلم، وبدأت أكتب دون أن أتوقف.
في "ما أعرفه عن العفاريت" هناك انتصار للمجاز، بالإضافة للسرد؟ لأنه، كما في بعض أعمال بيكيت، بعد قذارة كبري يأتي النور...
-المؤثرات المجازية أيضاً ثانوية. فالواحد لا يتعمد كتابة مجاز عن هذا أو ذاك، لكن الصواب أنه عندما نحكي ما نحكي لو لم يُقصد به شيء آخر، لفقد قيمته. القاريء وحده هو من يقرر في النهاية ماذا حكيت ككاتب. تبدو لي وقاحة أن يفعل ذلك المؤلف.
لكن في أعمدتك علي وجه الخصوص حوّلت المجاز إلي جزء من الواقع.
- دائماً عندما تكتب نصاً، دائماً عندما تقول ما تقوله يجب أن تقول شيئاً آخر. إنه الجزء المختبيء، النفس، روح الحرف. دائماً عندما نعبر عن شيء بشكل أدبي نضطر أن نقول شيئاً آخر. حتي ولو لم نعرف ما هو هذا الشيء.
يمكن للواحد أن يتخيل أن ميّاس الحقيقي يفعل ما يفعله ميّاس الراوي. أنت من جيل فيه الحشمة أمر اجباري. أي دور تلعبه الحشمة الآن في أدبك؟
- كنت محظوظاً عندما تخليتُ سريعاً عن حشمتي. أدركتُ سريعاً أنها قيد كبير علي الكاتب، شكل من أشكال البارانويا. تخليتُ عن الحشمة في روايتي الأولي"العقل هو الظلال"(1975). نشروها وذهبت للمطبعة بحثاً عن نسخ بعاطفة من سيمتلكها بين يديه في دقائق، بعنوانها واسمي. أعطوني الكتاب، خرجت للشارع، لكن هذه الفرحة لم تكتمل لأنني بدأت أفكر: ماذا سيعتقد أبواي عندما يقرآنها؟ وتمنيتُ ألا أكون قد كتبتها. لم يحدث شيء. إما أنهما لم يقرآها أو أنهما كانا متحفظين. هذه التجربة قادتني لأنتزع هذا النوع من بارانويا الكاتب وهي الحشمة. وهكذا لم أعد إليها من جديد، لحسن الحظ.
كثيراً ما أرقني تعريفك لمصطلح الأدب لطبيعته المراوغة. ففي سنة 1989 عرّفت الأدب بأنه "معركة صامتة ربما يكسب فيها الواحد منا أو يخسر ، شبراً شبراً ، أرضاً ليست في ملكه وبأسلحة لا تنتسب إليه". هل بعد كل هذا المشوار الطويل مازلتَ تضع هذا في اعتبارك أم أن السنين وممارسة الكتابة أكسباك درجة أعلي من الثقة ؟
- ذكرتُ تعريفي هذا في إحدي مقالاتي ، وهو تعريف له معني في سياق المقال ، لكنني أعتقد أساساً أن هذا هو الأدب وهذا هو أحد الأشياء التي تجعله مثيراً ، أن يكون كل شيئ غير مستقر ، الأرض التي تغزوها والأسلحة المزود بها . في رواية لي عنوانها " التباس اسمك" تقول إحدي الشخصيات في لحظة محددة إن علي المرء أن يكتب وفي هذه الحالة سيكون حراً . أعتقد أن هذا هو هدف الأدب ، أن تكتب حول ما لا تعرف ؛ لأن الكتابة عما تعرف لا شغف فيها . وهذا يرتبط بشكل ما بتعريفي للأدب ، بمعني أنه يكمن حقيقة في كتابة ما لا نعرفه ، وباستخدام أدوات لا تنتسب لك ، لأن اللغة اصطناعية ولن تصل أبداً لتملكها والسيطرة عليها . يجب أن تعقد معها اتفاقية لأن النص الأدبي بالتأكيد نتاج للضغط بين ما تريد أنت أن تقوله وما تريد اللغة أن تعبر به . بين ما تريد قوله وما أنت قادر بالفعل علي قوله . بين التقليد الذي أنت جزء منه وبين خصوصيتك علي تطويع هذا التقليد . وأخيراً فإن كل هذه أدوات من أجل التعبير .
بداية من روايتك الرابعة "حرف ميت" يتأمل بطلك حول الجهد الذي يستخدمه لتحويل الذاكرة إلي ضمير . هل الأدب نبع مميز يمكن من خلاله اتمام هذه العملية ؟
- بلا شك . مشكلة الذاكرة ، التي هي عنصر ثمين بالنسبة للكاتب _ وهناك كُتاب هو عنصرهم الوحيد الذي يعملون عليه طيلة حياتهم _ أنه يحدث معها قليلاً ما يحدث للغة ، هذا الضغط الذي حدثتك عنه من قبل بين ما نريد أن نقوله واللغة التي نعبر بها . النص في النهاية هو نتيجة اتفاق بين كلا الشيئين ، فلا يمكن لأحدهما أن يتغلب علي الآخر ، فلو تغلبت اللغة لن تضيف جديداً وإن تغلبت أنت ستصنع نصاً متوحداً ومتحفظاً علي الاطلاق . مع الذاكرة يحدث نفس الحكاية ، أنت تريد أن تقول شيئاً وهي تريد أن تقول شيئاً آخر . نعتقد دوماً أن الذاكرة تنفع في اكتشاف الأشياء ، بينما هي تنفع للاخفاء . جزء كبير مما نتذكره هو ذكريات دخيلة تعاملنا معها علي أنها ملكنا . كل هذا يجب تفجيره ، يجب الاشتغال عليه ليكتسب معني . بالإضافة لذلك ، يجب تكسير الحدث الذي تلقيتها فيه لينتج ذلك أدباً ، فالذكري كما هي لا فائدة منها . يجب أن تلف وتلعب وتبحث عن ميكانيزمات لتدمير حوائطها الخاصة ، كما يجب أن تدمر إطارات اللغة . وعندما تحقق ذلك ، تتحول الذكري إلي مادة أدبية ، لها معني ومغزي.
في أدبك ، وخاصة فيما يحدث لشخصياتك ، هل تلعب الذاكرة دور ما يحدث بالفعل في الواقع المعاش ؟
- لا أعتقد . رغم أننا يجب أن نفكر ما معني الواقع وماذا نفهم عنه . حقيقة الأمر أنه مع الذاكرة تحدث تجارب تحركك ، وما تحاوله هو الحصول علي أي معني لها ومعرفة ما فائدتها ومعرفة هل كان مكتوباً كل ما حدث بعد ذلك . أعتقد أن هناك مشكلة ما في الحاضر الذي يربط الواقعي بغير الواقعي ، فأنا أري أن جزءًا كبيراً من الأحداث التي تركت فينا علامات ليست واقعية . وكلنا بنا علامات من هذا النوع راقبناها فيما بعد ، فلم تدخلنا كما هي لأن هناك قانوناً غير مكتوب يقول إن هذا غير واقعي ، فمذابح البشرية الكبري جاءت من أشياء غير واقعية ، مثل الإله ، والوطن ، وأشياء أخري كثيرة . ما نسميه غير واقعي _ والذي أعتقد أنا أنه منطقة من الواقع ، لكن حسناً _ أهم من الواقع نفسه . أنا مهتم جداً بهذه الموضوعات ومنذ وقت طويل أعمل عليها ، ومن جانب آخر فالواقع ليس أيضاً شيئاً ممنوحاً. الواقع محل نقاش ، والآن أكثر من أي شيئ مضي .
الفشل هو السمة الغالبة علي أبطال رواياتك، لماذا الفشل أكثر أدبية من النجاح ؟
- لا أعرف ماذا أقول . ربما الكتابة عن الفشل أسهل من الكتابة عن النجاح . المشكلة أننا نربط النجاح بعلاقة ما غير إشكالية مع العالم ، وهنا لا يوجد أدب ممكن ؛ لأن الأدب وليد الصراع والصدام ، من وضع الواقع علي حقيقته . من وجهة النظر هذه لو ربطنا ذلك بالفشل ستكون النتيجة أنه ليس هناك حل سواه ، بمعني ، لو اتفقنا مع الواقع كلية ، سنفعل أشياءً أخري غير الكتابة . هناك فكرة مثيرة استشهدتُ بها في مناسبة ما في روايتي " أحمق " _ وأربطها بكتاب "رواية الأصول وأصول الرواية" وطبقاً لها هناك نوعان من الأدب لا أكثر أو طريقتان كبيرتان لمواجهة الأدب : الأدب ابن الحرام والأدب الابن الشرعي . وهذا مرتبط بوهم راودنا جميعاً ونحن أطفال ، وهم أننا لسنا أبناء آبائنا وإنما أبناء أمراء سيأتوننا في لحظة ما لينقذونا . أنا أفكر أن الأدب الجذاب هو الأدب ابن الحرام ، لأنه الأدب الذي يناقش الواقع الذي يرتاب في مواجهة النموذج الآخر، الذي يمكن أن يصنع أدباً أيضاً لكنه سيكون أدباً خالياً من الشك وأقل جاذبية . الابن الشرعي يتحدث عن النجاح ، بينما ابن الحرام يتحدث عن الفشل بشكل ما ، لأنه لو طرح أبويه سيطرحهما بوصفهما لا يعجبانه . هنا ربما يمكن توضيح هذين المفهومين .
ترتبط فكرة الفشل عندك بشكل جزئي بعنصر آخر ميز أعمالك : الوحدة ، وعادة ما تؤكد علي فكرة "نقطة الاتصال بين الوحدة والآخرين" . هل الأدب هو هذه النقطة ؟ أم أنها بالنسبة لخوان مياس نوع من الجسور المتحركة في كلا الاتجاهين أو أنها عبارة عن جسر بين الأنا والأنا ؟
- أعتقد أن الأدب طريقة جيدة للتواصل مع العالم . طريقة ممكنة وتبدو لي ربما جيدة جداً . هي نقطة وسط ليس فيها ، ربما ، وحدة ، لكن ليس فيها أيضاً ما هو مضاد للوحدة. أراني مع مرور الوقت أقل اجتماعية . شيئ مثير للفضول ، فأنا أكثر اجتماعية من ناحية بمعني أنني أدير سلسلة من الأشياء ، لكنني في الوقت نفسه لدي ميل للا شيئ . أنا أتجه نحو العالم، لكنه عالمي الداخلي . دائماً ما لفت انتباهي أناس خلقوا العالم من أماكن مغلقة . هي نفسها حالة ستيفن هاوكينج ، رجل ليس له نافذة علي الواقع ، محبوس بشكل فعلي ، اخترع العالم ، وبالإضافة لذلك يبدو أن عالمه هو الموديل الأكثر إحتمالاً . وأنا بفطرتي ودون إرادة مني اتجه نحو هذا ، لكن من ناحية أخري هناك أنواع كثيرة من الوحدة . هناك وحدة مثل الاقتحام ، وهذه ضرورية بشكل مطلق مثل تأسيس هوية دخيلة. وهي بشكل ما ما اقتحمت إلينا رينكون في رواية " كانت هذه هي العزلة" كخطوة تمهيدية لتشييد هويتها الخاصة . أعتقد أن هذه هي الوحدة التي يجب أن ندخلها علي الحياة اليومية. أن يمتلك الواحد منا هذا الفضاء من الوحدة اليومية ليتعرف علي نفسه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.