ينتاب الكثير من ابناء الوطن حالة من التوجس والقلق إزاء ما نشاهده.. بل ما نستشعره جميعا من مظاهر سلبية تدلل علي ان جانباس من ابناء المجتمع قد اصيب بفقدان ملحوظ للغة "أدب الحوار" وان اساليب جديدة من التصرفات والالفاظ والسلوكيات السلبية بدأت تتحكم بصورة فردية او جماعية في كثير من المواقف. وقد اتسعت الي حد ما تلك المظاهر الغوغائية والعصبية وارتبط معها ومحركيها مباهاة بأن الصوت العالي والنجاح في ارهاب الآخر فكريا او معنويا ليصاب "بسكتة كلامية" هو انجح الوسائل للانتصار وإشاعة مناخ الخوف والهلع والتهديد في مواجهة من يملكون ملكة الاخلاق والثقافة والاحترام.. ولعل ما نراه.. أو تتناقله تجمعاتنا البشرية.. من وقائع وحقائق.. تشكل بلاشك صدمة لا حضارية.. ووصمة يجب التصدي لها.. فقد بات الموضوع يقترب من الظاهرة.. فبعد ان كان وقائع فردية.. فقد شمل الموضوع رموزا وافرادا علي قدر كبير او معقول من التعليم ولكن افتقدوا ثقافة الحوار الذي لابد ان تكو في اطار الاحترام. ??.. إذن فلم يعد هذا السلوك الغوغائي يرتبط كما كان في السابق بأفراد قلة.. وبأماكن افتقدت للتعليم وعاشت في ظروف البيئة السيئة التي تحيط بها شجعت علي ذلك.. بل الطامة الكبري انه اصبح في طبقات اجتماعية اعلي.. افتقدت ايضا القدرة علي اختيار الزمن والمكان.. والمناسبة.. فكله علي الهواء مباشرة.. سواءداخل البلاد او خارجها.. وصار المثل "أن الخلاف في الرأي يفقد.. ويفقد الود في كل قضية". وقد كثفت بعض اجهزة الاعلام.. وحفلت بعض الصحف مؤخرا من التنويه عن هذه الظاهرة والتعليق عليها.. كمحاولة لانتقادها.. الا انها لم تصل بحجم وقفتها الي ما يتناسب مع خطورة تلك الظاهرة.. فلم يأخذ النقد طابع الحملة الاعلامية والثقافية.. ولم تساندها حملة من اجهزة الدعوة الدينية والفكر.. بل للاسف فقد شاركت بعض اللقاءات والندوات والمقالات الاعلامية والصحفية.. في تجسيد هذه الظاهرة السلبية بالمشاركة فيها.. فالكل يصيح ويتشنج ويصل الحوار الي اسلوب هابط.. امام الملأ في داخل كل بيت.. وكل اسرة.. وكل شاب وكل فتاة.. وكل طفل.. وينتهي اللقاء.. او المقال.. ولا يصل المشاهد او القارئ لشئ.. الا حسرة وندم علي المعركة السيئة التي ورطت اذنه وعينيه.. وتراجع معها المثل الاعلي والرمز والقدوة لدي افراد اسرته كبيرا وصغيرا.. ومن هنا.. فأول سبل المعالجة والمقارعة.. ان نعطي نموذجا حيا لاسلوب الخلاف وادب الحوار نستعيره ونفخر به من خلال رموز ادبية وتاريخية وفلاسفة.. في تاريخ مصر الحديث احترموا التراكم الحضاري لديها واضافوا للاشعاع الثقافي عليها.. بل وتوجوا الحضارة والثقافة.. بما نصت عليه الاديان السماوية وخلدته القيم الاجتماعية.. علي مر السنين.. والايام.. يقول الدكتور زكي نجيب محمود.. كبير فلاسفة العصر ان الفكرتين.. فكرة الحرية.. وفكرة التعقيل مكملتان احداهما للاخري.. لانك اذا ما تحررت من قيود الجهل والوهم والخرافة كنت بمثابة من قطع الطريق من نصفه السلبي، وبقي عليه ان يقطع النصف الآخر بعمل إيجابي يؤديه .. ويعطي مثلا لذلك..بالسجين عندما تخرجه من محبسه.. فليس بذلك وحده اي بحريته يعتبر كافيا للطريق الذي يسلكه بعد ذلك.. فلابد له من تكملة طريقه علي الوجه الصحيح.. فلابد ان يكون امام "المتحرر" بعد تحرره خطة مرسومة يهتدي بها.. وما تلك الخطة الهادية الا خطة "العقل" في طريقة سيره.. فالفكر الحديث جاء متميزا بالدعوة الي "الحرية".. والي "التعقيل" فيكفل سواء السبيل امامنا بنصفيه السلبي والايجابي معا. ويضيف .. الدكتور زكي نجيب محمود.. ليؤكد علي حرية الفكر.. وحق الخلاف الحر في الرأي.. في تاريخنا الحديث فقسم رجال الفكر في هذا العصر الي "هواة" كانوا اسبق من "المحترفين" ظهورا وفقا للترتيب الزمني.. والفريقان من وجهة نظره يختلفان جوهرا فأولهما ساد لديه "حكمة الشرق" وثانيهما ساد لديه "تحليلات الغرب فنادي الفريق الاول بأن الفلسفة هي "فلسفة الحياة" اما الآخر فنادي بأن الفلسفة هي "فلسفة التجريد النظري".. ومن هنا اقترب المعني الاول من الصياغة الادبية.. بينما اقترب المعني الثاني من الصياغة العلمية. وإلي جانب ذلك.. فإن مصر "ولادة الفكر والفلسفة والثقافة" أنجبت: الشيخ محمد عبده.. الذي اعتمد في شرحه لمفاهيم العقيدة الاسلامية علي المنطق العقلي.. لتصبح عاملا من عوامل حرية الانسان.. لا قيودا تكبله. د. أحمد لطفي السيد.. والذي كان له دور رائد في التنوير والتعليم.. دكتور طه حسين والذي ادخل المنهج العقلي في الدراسات الادبية. عباس محمود العقاد.. والذي دعا إلي مسئولية الفرد امام عقله في فكره وعقيدته فقام بتأليف كتابه "التفكير فريضة اسلامية". ومن هنا انقسم هؤلاء المفكرون والدعاة والفلاسفة.. إلي فريقين احدهما يجعل الدين محور تفكيره.. اما الآخر فيسعي الي قيم ثقافية جديدة.. فاختلفوا.. وروجوا افكارهم.. ولم يحدث ان تطاولوا او اهانوا بعضهم.. بل علي العكس.. اصبحت كل ما اثروا به الحركة الفكرية.. الثقافية المصرية والعربية والاوروبية رصيدا غزيرا.. انضم ودعم حضارة مصر.. وانعكس علي ثقافة وتنوير شعبها جيلا بعد جيل.. فولد قيما وحكما وعلما ومعرفة وانتماء وتدينا صحيحا. من منا قرأ او استمع لمقال عباس محمود العقاد "الذي نشر عام 1923" بعنوان "الحرية والفنون الجميلة" اذ يقول "إن حب الأمم للحرية يقاس بحبها للفنون الجميلة ولا يقاس بما ينشأ بين ظهرانيها من صناعات وعلوم نفعية تخدم مطالب العيش فقط.. ذلك لان مطالب العيش محتومة علي الانسان لا قبل له بردها اما حين يكون الانسان غير مدفوع بقوانين الطبيعة حين يختار ما يختاره او يدع ما يدعه.. تلك هي الحرية بمعناها الصحيح وهي حالة تتحقق حين يتعلق الانسان بالفن الجميل.. وقد يرد.. من يعترض علي هذا المنطق.. خاصة في هذه الظروف القاسية التي تحيط بالبشر حاليا من احداث خارجية تشعره بفقدان العدل والأمان.. وتوئد حريته باستعمار اراضيه العربية بالعراق وفلسطين.. وتحاصر رزقه وثرواته الطبيعية ومقومات مستقبله لابنائه.. وتهدد حرية قراره.. وتسعي للنيل من سيادته.. إلا أن العقاد كأنما فطن وتوقع هذا الاعتراض والنقد ومبرراته فأورد في سطور كتابه الذي اشرنا اليه.. "إن الأمة التي تعشق الجمال في الطبيعة وفي الفن.. لابد محققة لنفسها الحرية السياسية.. لان الجمال والحرية وجهان لحقيقة واحدة.. ويتوقف الكثيرون من مراقبي تلك الظاهرة والتي اصبحت موضع الحديث ومحور الجدال من الحريصين علي مجتمعهم ومسيرته وقيمه.. ويتسائلون فيما بينهم.. هل هناك ارتباط بين اسباب ومبررات تلك الظاهرة ومتغيرات داخلية.. تساعد علي نمو تلك الظاهرة التي تستفحل فتسود الغوغائية علي صوت العدل والحق.. وتختلط الامور بين القاصي والداني.. ام ان الاسباب والمبررات قد تأتي في خارج حدود بلادنا ومجتمعنا.. فإذا استبعدنا مؤقتا نظرية المؤامرة.. نجد بعض المراقبين والكتاب والمفكرين من الخارج.. يدفعوننا بتحليلاتهم الي ضرورة اليقظة والتفكير عن عمق في محاور يسوقونها.. فلنختار منها ماجاء بكتاب حديث للكاتب العقائدي والمؤرخ روجيه جارودي.. اسماه "حفارو القبور الحضارة التي تحفر للانسانية قبرها" من بعض النبذ المهمة علي لسانه: إن كافة التعريفات ترتكز الي فروض لا يعتمد عليها في توصيف التقدم والانحطاط.. فالانحطاط يتمثل بقطع اوامر الهيكلة الاجتماعية لتحويل المجتمع إلي ذرات وتدمير العلاقات بين مختلف الجماعات القومية، الاجتماعية او الدينية وذلك عندما يتم تجاهل وحدة العالم كهدف نهائي مرجو وقاعدة كبري يجب التوجه اليها. ويضيف: ويهدف الانحطاط علي المستوي الفردي الي الاهتمام بالذات ورفض الآخر وتجاهل اي مسئولية إزائه.. اما علي مستوي الجماعات فإن الانحطاط يرمي الي السيطرة المطلقة علي الآخرين. اما عبادة السوق والملكية المطلقة للمال فهي تتوجه بمجتمعاتنا نحو الانحطاط والموت السريع! ويضيف جارودي: لاستعادة الأمل.. المستقبل هو ما سنصنعه وليس ما سيكون.. ولم يكن التاريخ محتوما بشكل مطلق.. لأن الإنسان ليس حيوانا أو جمادا.. ليس الإنسان أسيرا لإحدي الغرائز ولا عبدا لقدر معين.. ولا الطفل المدلل.. للعناية الإلهية ولا دمية متحركة لأي حتمية فالإنسان هو صانع تاريخه الخاص.. وما يفرقه عن كل الكائنات الأخري الطبيعية قدرته علي الابتكار وصناعة المستقبل..فالممكن في المستقبل الذي مازال مفتوحا أمامنا. هل نطالب جميعا عبر سطورنا واعلامنا وصحفنا ودور الدعوة والدين والتعليم والعلم والثقافة والاسرة.. بوقفة جادة وحاسمة.. لتعميق مفهوم "أدب الحوار" و"حوار الادب"!!