بالنسبة للمهاجرين العرب بمن فيهم هؤلاء الذين يحملون جنسية الولاياتالمتحدة، والذين يعيشون فيها في الوقت الراهن، لا يختلف المناخ السياسي والاجتماعي كثيراً عن المناخ القمعي الذي كانوا يعانون من وطأته في بلادهم الأصلية، وكأنهم لم يغادروا هذه البلدان أصلاً. ففيما مضي من أزمان كان هؤلاء العرب يهاجرون من القمع في بلادهم و"جمهوريات خوفهم" إلي الحرية في أمريكا، أما الآن فإنهم يهاجرون من القمع إلي الشك داخل أمريكا ذاتها. كان التغير الكبير الذي لاحظته بمجرد وصولي إلي أمريكا قادماً من الخليج، حيث أمضيتُ عامين، هو التدهور الدراماتيكي في وضعية الأمريكيين العرب، وزيادة حدة الخوف والبارانويا بين الجالية الأمريكية من أصول عربية هنا. ففي أي ولاية يعيشون، يخضع العرب المسلمون بمئات الآلاف لمراقبة دقيقة فعلية. فهواتفهم مراقبة من قبل وكالة الأمن القومي، ومجتمعاتهم مخترقة علي نطاق واسع من قبل عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي، ومن قبل المخبرين الذي يعملون لدي الجهاز. وعندما يسافرون تقوم شركات الطيران بإعطاء أسمائهم تحديداً من قوائم المسافرين، إلي البلاد التي سيسافرون إليها، وهناك تتولي عناصر من الاستخبارات المركزية الأمريكية مهمة مراقبتهم، دون أن تكون لهؤلاء الأشخاص فكرة عن أنهم مراقبون. إذن يمكن القول إن الدائرة قد انغلقت، والهدف أصبح في مرمي النظر، وكل شيء لدي العرب المسلمين أو حولهم غدا مرئياً وشفافاً بتفاصيله المُملة للأجهزة الأمنية الأمريكية العديدة، التي تركز اهتمامها الآن بشكل صارم علي العرب المسلمين. فالشرطة الأمريكية أصبح لها اليوم حضور ثقيل في حياة الأمريكيين العرب بدءاً من السفر، والعمل وحتي الخطاب العام، إلي درجة أن أحد العرب المهاجرين من بلاد الشام قال لي إنه يحس وكأنه لم يغادر بلده علي الإطلاق. هذا الرجل يبلغ الثانية والخمسين من عمره ويعمل طبيباً، وعلي درجة لا بأس بها من الثراء، ويقيم في أمريكا منذ عام 1978، وكان يلقي من قبل كل التقدير والاحترام بعد أن أسس لنفسه مكانة جيدة وأقام علاقات طيبة بأفراد من كافة شرائح المجتمع الأمريكي، ولكن كل هذا تغير الآن وأصبح باستمرار محلاً للاشتباه إلي درجة أنه كان في الآونة الأخيرة هدفاً لزيارتين قام بهما عملاء مخصوصون، سألوه العديد من الأسئلة تناولت كل شيء تقريباً سواء عنه هو شخصياً أو عن أطفاله، وما الذي يعرفونه، وما الذي لا يعرفونه، وما رأيهم في كل شيء بدءاً من أسامة بن لادن وحتي الهجمات التي تعرضت لها أمريكا في الحادي عشر من سبتمبر 2001، وطالت الأسئلة واستطالت، إلي حد أنه أحسَّ كما قال لي بمرارة، بأنه لا يزال في بلده العربي، وبأن رجال الأمن الذين يزورونه "يبدون كما لو لم يكونوا في أمريكا التي كانت تزهو بأنها بلد الحريات الشخصية". في الوقت الحاضر لا يكاد يوجد مسجد واحد في أمريكا من أدناها إلي أقصاها غير معرض لرقابة صارمة، لمعرفة من الذي يدخل فيه ومن الذي يتحدث هناك، وما الذي يقوله بالضبط. أما الخروج أو الدخول من وإلي أمريكا اليوم فقد أصبح يمثل مشكلة حقيقية بالنسبة لجميع الأمريكيين الذين يحملون أسماء عربية. فشرطة المطارات لا تطالبهم فقط بالتنحي جانباً، وتفتيشهم، وإنما توجه إليهم وابلاً من الأسئلة إلي درجة أن الخروج من أمريكا والدخول إليها قد أصبحا مصدراً هائلاً للقلق، إذا ما كان الشخص اسمه مثلاً محمد، أو علي، أو خديجة، أو سامية. والمفارقة أن الأمريكيين الآخرين الذين يشبهون العرب في السحنة أو في الأسماء مثل الأمريكيين من أصل باكستاني أو هندي أو بنغالي يتعرضون هم الآخرون، للمعاناة إذا ما خلط موظفو الهجرة والجوازات عن جهل بينهم وبين العرب، وهو الأمر الذي يتكرر من آن لآخر. والنتيجة المحتمة لذلك هي إبعاد تلك الفئة من السكان الأمريكيين الذين كان يمكن في الظروف العادية أن يكونوا أصدقاء للعرب. منذ أيام كنت أزور أخي الذي يعيش في منطقة "باي ريدج" في بروكلين جزء من مدينة نيويورك المكتظة بالعرب، الذين أخبرني البعض منهم بأنهم يستطيعون رؤية كاميرات الشرطة والمخبرين الذين يراقبونهم عند دخولهم وخروجهم من المساجد والمطاعم والنوادي، بل وأثناء تجوالهم في أحيائهم السكنية. قال لي صديق "في الحالات التي لا تكون مراقباً فيها من الشرطة فإنك تكون مراقباً من قبل الجيران" وأوضح لي أن جيرانه الأمريكيين من أصول إيطالية يقومون بالإبلاغ عن أي شيء غير طبيعي من وجهة نظرهم لشرطة الحي التي تصل إلي مسكنه في بعض الأحيان لتوجيه أسئلة ليست لها إجابات، مثل ما هو شعوره نحو أسامة بن لادن؟ فيقول لهم إنه لا يحبه بالطبع.. فيعودون ويسألونه ما هو رأيك في هجمات الحادي عشر من سبتمبر؟ فيقول لهم إنه لا يوافق عليها ويشجبها بالطبع، وما إلي ذلك من هذه الأسئلة الغبية. وقال لي هذا الشخص أيضاً إنهم يسألون تلك الأسئلة لا لكي يعرفوا إجابتها وإنما كي يرهبوهم وهو ما نجحوا في تحقيقه بالفعل حيث يشعرون الآن بخوف وقلق شديد. هذه هي المحصلة الطبيعية لنمط ساذج ومُضلل من التفكير. فالمساجد الموجودة في الولاياتالمتحدة تقوم بجلب الأئمة من العديد من دول شمال أفريقيا. وبعض هؤلاء القادمين الجدد ليست لديهم فكرة كافية، أو ليست لديهم فكرة عن أمريكا من الأساس، وغالباً ما يكونون من المتعصبين الذين ينشرون رسائل الكراهية التي تنتهي غالباً إلي كارثة. إن هؤلاء الأمريكيين المهاجرين من بلاد عربية، والذين كانوا يذهبون للحديث مع، أو حتي للاستماع لشخص مثل الشيخ عمر عبدالرحمن عام 1992 عندما كان يعيش في بروكلين قد تعرضوا لمتاعب، وهم الآن محل مراقبة مشددة. فهذا الشيخ الذي جاء مهاجراً من مصر كي يعيش في بروكلين، كان يبشر بالكراهية ضد الأمريكيين في مسجد بروكلين نفسه. لقد كان يحض مريديه في هذا البلد (أمريكا) علي أن يقتلوا الأمريكيين حتي وهو يعيش في بلدهم ويحمل "جرين كارد" كلاجئ سياسي جاء من بلده هرباً من المضايقة والاعتقالات والقبضة الأمنية الصارمة. كيف كان يفكر هؤلاء المهاجرون المسلمون؟. من الطبيعي عندما كان الأمريكيون يسمعون ما كان يبشر به عمر عبدالرحمن من كراهية، ويرون ما يفعله، ثم يرون بعد ذلك ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر، أن يسألوا أنفسهم سؤالاً يبدو مشروعاً من وجهة نظرهم وهو: انظروا.. لقد رحبنا بهؤلاء المسلمين، ومنحناهم الجنسية وقلنا لهم أنتم علي الرحب والسعة في بلادنا، فما الذي يجعلهم بعد كل ذلك يتآمرون مع هؤلاء الذين يكرهوننا ويريدون قتلنا؟ سواء كان هذا السؤال صائباً أم خاطئا، فالمهم أن الأمور تبدو علي هذا النحو في أعين الأمريكيين