علي الرغم من الانطباعات الإيجابية التي خلفتها الانتخابات الفلسطينية، بما يتعلق بسلاسة انتقال السلطة، من قيادة فتح إلي حماس، إلا أن ثمة مشروعية، أيضاً، لبعض التخوّفات من إمكان قطع طريق حماس نحو القيادة والسلطة، بطريقة أو بأخري. أما مصدر هذه التخوّفات فيمكن إحالتها إلي العوامل التالية: 1 شيوع الفلتان الأمني والفوضي السياسية في مناطق السلطة في الضفة والقطاع. 2 غلبة الطابع الميلشياوي العسكري لفصائل الحركة الوطنية الفلسطينية، علي طابعها السياسي التنظيمي (المدني)، خصوصا أن هذه الفصائل لم تعتد، بعد علي التداول السلمي للسلطة أو للقيادة، وأنها لجأت في أحوال عدّة لتحكيم السلاح في حل خلافاتها البينية. 3 التجاذبات والخلافات الداخلية في حركة فتح، إذ أن غياب الاجماعات في هذه الحركة يعزز من الفوضي الأمنية في مناطق السلطة، ويشجع علي تفاقم نمو ظاهرة القادة المحليين للمجموعات المسلحة، علي حساب القيادة السياسية. وفي الحقيقة فإن هكذا سيناريو هو الأفضل بالنسبة لإسرائيل، والأسوأ بالنسبة للفلسطينيين، أولا، لأنه يلبي مطامح قديمة لإسرائيل بشأن قيام حالة من الاحتراب الفلسطيني الداخلي، ثانيا، لأن إسرائيل بذلك تؤكد ما كانت روّجته بشأن عدم أهلية الفلسطينيين لإدارة أوضاعهم وكذا أهليتهم للتسوية معها، ثالثا، لأن إسرائيل، عبر ذلك، تتمكن من تقويض مكانة القيادة الفلسطينية وإضعاف شرعيتها داخليا وخارجيا، الأمر الذي يسهل لها محاولة إبراز قادة محليين من زعماء الميليشيات للتفاهم معهم، رابعا، لأن هذا الوضع يتيح لإسرائيل التملص من استحقاقات عملية التسوية، وتمرير مخططاتها بشأن فرض التسوية الأحادية وفق حاجاتها وأولوياتها. وما ينبغي الانتباه إليه أن إسرائيل لن تنتظر جانبا، وإنما هي ستتدخل لدفع الفلسطينيين إلي هذا الاتجاه، بطريقة أو بأخري، عبر قيامها بتشديد الحصار عليهم، وتنشيط عمليات الاغتيال ضد قياداتهم، وتصعيب عيشهم واستدراجهم لمزيد من المواجهات المسلحة، التي تتمكن عبرها من إرباكهم واستنزافهم. جدير بالذكر أن خيار الّلجوء للاحتراب الداخلي في الساحة الفلسطينية، لحل الخلافات البينية ليس جديدا. ففي التجربة السابقة، إبان الكفاح ضد الانتداب البريطاني لفلسطين، انقسم الفلسطينيون بين تيارين: المجالسية، بزعامة الحاج أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلي (وهو مفتي فلسطين) والمعارضة بزعامة راغب النشاشيبي، رئيس بلدية القدس. وقد اتّسم الصراع بين هذين الطرفين، اللذين استقطبا الوطنية الفلسطينية، بالتوتّر والعنف وبتخوين كل طرف للآخر. وفي التجربة المعاصرة شهدت الساحة الفلسطينية نوعا من الاقتتال الداخلي والاحتكام للسلاح بين رفاق الخندق الواحد، إن داخل كل فصيل علي حدة أو بين هذا الفصيل وغيره. حدث ذلك في الأردن مثلا لدي انقسام الجبهة الشعبية وخروج الجبهة الديمقراطية (1968). كما حدث ذلك في لبنان مرارا بين العديد من الفصائل. وكانت أبرز محطات الاقتتال والاحتكام للسلاح، حصلت في العام 1983، في مرحلة انشقاق مجموعة من فتح (عرفت باسم فتح الانتفاضة) التي شنّت نوعا من الحرب ضد حركة فتح الأم في بيروت والبقاع وطرابلس، في محاولة منها لإجراء حسم انقلابي عسكر تاري في الحركة لصالحها، وهو ما لم توفّق به، لأسباب داخلية وخارجية. وقد استعيد مظهر الاقتتال الفلسطيني في لبنان فيما سمي حرب المخيمات (في النصف الثاني من الثمانينات). كذلك شهدت بعض مخيمات لبنان، في السنوات الماضية، بعض مظاهر الاقتتال العنيف بين المجموعات الفلسطينية المسلحة. وإبان الانتفاضة الفلسطينية الأولي (19871993) شهدت الأراضي الفلسطينية نوعا من القتل غير الشرعي، الذي لجأت إليه بعض مجموعات المقاومة المسلحة بحق بعض المتعاونين مع إسرائيل، إذ تبين فيما بعد أن العديد من التصفيات تمت عن غير تحقيق وعن غير وجه حق. وعقب قيامها، بنتيجة اتفاقات أوسلو (1993) حاولت السلطة حسم الأمور لصالحها، في مواجهة الفصائل المعارضة، فلجأت إلي المبالغة بتعزيز دور الأجهزة الأمنية، علي حساب البني الأخري، كما لجأت إلي استخدام لغة الزجر والتهميش والقمع مع المعارضة، بدلا من استخدام لغة الحوار والمشاركة والاحتكام للشعب ومؤسساته الشرعية. وفي السنوات الخمس الماضية (مرحلة الانتفاضة) شهدنا حالة من الفلتان الأمني، تمثلت بانتشار الجماعات المحلية المسلحة والملثمة، باسم المقاومة، كما شهدنا حالات تعد علي مكاتب السلطة والشرطة والشخصيات العامة، بالاضافة إلي مظاهر احتكاك عنيف بين هذه الجماعة المسلحة أو تلك. بحيث بات عدد القتلي الفلسطينيين بالنيران الإسرائيلية، في العام 2005، يساوي عددهم بالنيران الفلسطينية! وفي الواقع فإن غلبة البنية العسكرتارية علي الفصائل، علي حساب البنية التنظيمية، ونوع الثقافة السياسية السائدة، وتغييب العلاقات الديمقراطية وتهميش المؤسسات وحرمان المجتمع من المشاركة السياسية، عبر توسطات سياسية واجتماعية مدنية، كلها عوامل تسهم في تغذية العنف كشكل لحل الخلافات الداخلية. عموما ينبغي التمييز هنا بين الاقتتال الجانبي وبين الحرب الأهلية. فالاقتتال يبقي منحصرا بين مجموعات مسلحة، ويتبع غايات سلطوية ضيقة، ولو تغلفت بشعارات براقة، في حين تجري الحرب الأهلية بين كتل مجتمعية، لدي كل منها قيم وأهداف متمايزة، وهذا غير موجود في الحالة الفلسطينية، التي يبدو فيها الشعب متوحدا إزاء أهدافه الوطنية، رغم نزاعات فصائله! علي أية حال، وإذا سارت الأمور بشكل طبيعي، وهذا ما نتمناه، فإن حماس ستجد نفسها في مواجهة خيارات متعددة أهمها: 1 تشكيل حكومة قوامها حركة حماس، وإن ضمت بعض الشخصيات المستقلة أو بعض ممثلي الفصائل (الصغيرة) باستثناء حركة فتح. وبالطبع فإن هذا التشكيل سيضع حماس في مواجهة فتح، التي ستقوم بتصعيب عمل الحكومة، لإضعاف دور حماس القيادي، خصوصا الأوضاع المضطربة لحركة فتح. 2 إقامة حكومة وحدة وطنية بين فتح وحماس (وربما مع آخرين)، علي أساس من الشراكة السياسية. وهذا الخيار يلقي استحسانا من غالبية الفلسطينيين، الذين توزّعت أهواؤهم أو خياراتهم السياسية، في الانتخابات، بين هذين الحركتين. وهكذا خيار هو الأفضل لإدارة الوضع الفلسطيني. ولكن المشكلة هنا أن فتح ظلت، حتي الآن، ترفض دعوات حماس للمشاركة معها في حكومة وحدة وطنية، وان أوضاع فتح نفسها مازالت غير مستقرة للحسم نهائيا في هذا الخيار سلبا أو ايجابا. 3 تشكيل حكومة تكنوقراط، من شخصيات وطنية، مقرّبة من حماس أو مشهود لها بالكفاءة، بحيث تقوم حماس بدعمها من الخارج ومراقبتها وتوجيهها. وهذا الخيار يجنّب حماس التبعات المتعلقة بالتفاوض مع الإسرائيليين، وأن يجنّبها بعض الإقليمية والدولية المترتبة علي وجودها في السلطة. كذلك فإن مثل هذا الخيار يمكن أن يكون خيارا وسطا بين الخيارات السابقة، كونه يلبي طموح حماس إلي القيادة، ويخفّف بالتالي من نقمة حركة فتح علي صعود حماس علي حسابها.