تحرير الجنود المصريين السبعة فجر اليوم، يعيد السؤال مجددا بشأن أهمية "القوى الناعمة"، التي تمتلكها الدولة أو الجماعات السياسية والأيديولوجية. تحرر الرهائن المصريون ب"التفاوض" كما أعلن وليس ب"عملية عسكرية".. بمعنى آخر باستخدام "أدوات سلمية" بدلا من "الأدوات الخشنة" للدولة.. وهي العملية التي نأمل أن تعيد الوعي الرسمي المصري، إلى تجربة الستينيات، وهي من "التراث السياسي" الذي من المفترض أنه بات بحكم الخبرة جزءا من عقلية الإدارة السياسية المصرية. بعض الدول العربية "الصغيرة" باتت "كبيرة" بقواها الناعمة.. الشقيقة قطر على سبيل المثال الآن لاعب إقليمي شديد التأثير، في إعادة رسم الخرائط العربية على الأرض، ليس فقط بوصفها "قوة مالية" وإنما لامتلاكها "قوة إعلامية" واسعة الانتشار والأكثر مشاهدة في العالم ممثلة في "فضائية الجزيرة".. والتي اعتبرها البعض شريكا أساسيا في صناعة الربيع العربي. مصر بلد ليس كبيرا وحسب، وإنما هي من الدول الأكثر ثراء، إذا أحصينا ما تمتلكه من "قوى ناعمة" شديدة التأثير، وهي قوى "طبيعية" سليلة التاريخ والجغرافيا.. وليست "مصنعة" في محاضن "الحداثة الخرسانية" التي تعتمد على الإبهار الهش.مصر على الصعيدين "المعماري" و"الإنساني" بلد متنوع ومتعدد، وهي مكونات تثري القدرة على الإبداع والخيال.. وهي في محصلتها النهائية، أدوات سلمية لإدارة "الثروات" وكذلك "الأزمات" الداخلية والخارجية. مصر عاشت أفضل سنوات الإبداع المعماري على سبيل المثال في عصر التعددية الإثنية "العرقية" وجود جاليات يونانية وطليانية وكذلك في عصر التنوع الديني : مسلمون ومسيحيون ويهود.. وتوقف هذا الوهج الإبداعي مع التراجع التدريجي لهذا التنوع.مصر الحضارية "الدلتا" .. والقبلية "الصعيد وسيناء".. لهما أزماتهما.. ولكن أيضا تتعايش معهما، قواهما الناعمة وأدواتهما السلمية لحلها. الذي شارك في انجاز تحرير الجنود الرهائن في سيناء، أحد أبرز القوى الناعمة الموجودة في هذه الصحراء القاسية، وهم "شيوخ القبائل" بوصفهم أعلى سلطة قبلية تحظى بالاحترام و"سلطة الإلزام" على "البدو"، وعلى نحو يفوق منزلة "هيبة الدولة" في الضمير القبلي السيناوي. نحن في عصر لم تعد القوة وحدها أداة حسم الصراعات والخلافات المحلية والإقليمية والدولية.. ولعل "أفغانستان" و"العراق" يقدمان النموذج في أن "الحل العسكري" قد يفضى إلى تعقيد الأزمات وليس حلها.. ولقد أثر ذلك في القواعد الحاكمة للقرار الدولي بشأن بؤر التوتر في العالم وأبرزها الثورة السورية حاليا. تجربة تحرير الرهائن العسكريين في سيناء، تحتاج إلى تأمل، وإلى استنتاج قوانين تحظى بالاستقرار في توظيف "المكون الاجتماعي" في حل الأزمات، بتكلفة أقل.. فما أقسى فاتورة الدم .. حتى وإن جاءت بانتصارات كبيرة.