البعض يتحدث عن "القوى الناعمة" للدولة، في إشارة إلى أدواتها "السلمية" في التأثير على الرأي العام الإقليمي أو الدولي.. واستخدم هذا المصطلح للدلالة على مصر في ستينيات القرن الماضي "العشرين".. حين تبوأت منزلة "الإقليم القائد" في العالم العربي، ليس فقط على صعيد الكاريزما السياسية الممثلة آنذاك في عبد الناصر، وإنما أيضا لامتلاكها أدوات الريادة في الثقافة والفكر والفن والإعلام وغيره من عناصر الإبداع الأخرى. تراجعت هذه "القوى الناعمة" مع غياب "ناصر"، وأصيبت بسلسلة من الانهيارات المتتابعة مع "كامب ديفيد"، وانتهت تماما في عهد الرئيس السابق مبارك (1981 2011). قوى مصر الناعمة إذن كانت إحدى مكتسبات "الناصرية" حصريا، واستخدمت بمهارة كبيرة في اصطفاف الضمير الجمعي العربي، وراء "القاهرة" في هزائمها وانتصاراتها منذ هزيمة يونيو 1967إلى انتصار أكتوبر 1973 . لم يكن ثمة بديل ل"الناصرية" إلإ عدوها التاريخي "الإسلاميون"، الأول يملك "الجماهيرية المبعثرة" .. والثاني يتسم بالسند "الجماهيري المنظم".. إلا أن الصراع على السلطة لم يخرج منذ يوليو 25 عن هاتين القوتين الكبيرتين. لم يبق من الناصرية، إلا "فول" مشاغبة، تنتشر في مفاصل الدولة الثقافية والإعلامية، وباتوا اليوم في "المعارضة".. فيما تبوأ الإسلاميون الحكم من بعدهم، مع وصول الناشط الإخواني الدكتور محمد مرسي إلى السلطة بعد ثورة يناير 2011. وإذا كان من المبكر لأوانه، الحكم على التجربة الإخوانية، في استعادة المكانة الإقليمية لمصر، من خلال صوغ "قوى ناعمة" جديدة تحسب للحكام الإسلاميين الجدد، فإن عملية اختطاف الجنود المصريين السبعة، وكذلك مقتل 11 جنديا آخرين في شهر رمضان الفائت، يعكس فشل الإسلاميين في استخدام ما يملكونه من "قوى ناعمة" داخلية، لإخضاع التمرد الإسلامي المسلح في سيناء إلى السلطة "الإسلامية" في القاهرة. الإسلاميون بحكم خبرة الأربعين عاما الماضية بالصدام مع الدولة هي الأكثر خبرة بخريطة النفوذ الإسلامي الحركي المنظم، في مصر كلها، وبعضهم يحتفظ بعلاقات قد تتفاوت درجات الود بها، مع بعض التنظيمات المتطرفة، وهي "العلاقات" التي كان من المفترض أن توظف جيدا، لإنهاء أي صدام مع السلطة الجديدة، يكون الإسلاميون طرفا فيه. العلمانيون الآن خارج السلطة، والإسلاميون في القصر الرئاسي، فما الذي يحمل بعض الإسلاميين على الخروج المسلح على نظام الإخوان الذي جاء بشرعية تحقيق "المشروع الإسلامي" في الحكم؟!إن الفشل هنا يتحمله الإسلاميون وحدهم، لأنهم يملكون "قوى ناعمة" بحكم علاقات الرحم والقربى والأصول الأيديولوجية التي تجمعهم بكل الفصائل الإسلامية بما فيها الفصائل المقاتلة، ومع ذلك يميل الإخوان إلى أن يحاور المتمردين "الخاطفين" على سبيل المثال الآن مؤسسات القوة" من شرطة وجيش .. وليس من خلال "قواها الناعمة" التي توجد بين أيديها، في واحدة من أبرز تجليات غياب الوعي السياسي لدى الإسلاميين عامة والإخوان بصفة خاصة.