دليل المواطن الذكي إلي الأزمة العالمية! د. عبد المنعم سعيد بلغت محاولات التعامل مع الأزمة المالية العالمية ذروتها خلال الاسبوع الماضي, وبعد ان استقرت الولاياتالمتحدة علي خطتها بعد موافقة الكونجرس بدأت عمليات حشد التأييد العالمي من خلال سلسلة اجتماعات للمؤسسات الدولية من البنك الدولي الي صندوق النقد الدولي, ومعها اجتماعات ثنائية وجماعية اوروبية وامريكية ممتدة الي اركان التحالف الغربي بامتداداته الآسيوية, حتي وصلنا الي مجموعة الدول السبع, ثم الثماني, ومعهم جميعا الصين والهند ايضا.. وباختصار كان العالم واقفا علي اطراف اصابعه, ولو قارنا اداء مجموعة السبع باعتبارها مجلس أركان النظام الرأسمالي العالمي المعاصر بأداء مجلس الأمن الذي يمثل مجلس اركان نظام الامن والسلام العالميين لكانت النتيجة لصالح الاول بامتياز, حيث اتخذت القرارات, والاهم من ذلك تدفقت التريليونات من الدولارات واليوروهات لحل الازمة. وعندما يكتب تاريخ هذه الفترة فإن المؤرخ سوف يلحظ فيه ان العالم قد دخل الآن عصر التريليون أي الف مليار والمليار الف مليون وهو رقم كان حتي تاريخه يتردد علي خجل عند ذكر الناتج المحلي الاجمالي لعدد محدود من الدول الصناعية الكبري, ولكنه الآن اصبح يتردد كثيرا للتدليل علي خسائر وتدفقات مالية تحملتها الدول الرأسمالية الكبري من الولاياتالمتحدة وحتي الهند. ولم يكن الحال مختلفا في داخل كل دول العالم حيث حاولت كل دولة في البحث داخلها عن آثار الازمة وكيفية التعامل معها, وفي مصر خاصة كان الاسبوع حافلا علي مستوي القمة باجتماعات الرئيس مبارك ومجلس الوزراء, والحزب الوطني الديمقراطي, والأحزاب المختلفة في المعارضة علي تنوع اتجاهاته. وبالطبع كانت الصحافة والاعلام قد حصلت علي كعكة ثمينة من الانباء والتفسيرات والتنبؤات والتعليقات التي لايربطها رابط وسادها ثلاثة خرافات: الاولي ان الأزمة أمريكية فقط, ومن ثم فإن احدا لم يهتم بما يجري في الدول والمناطق الاخري من العالم, و حظيت موسكو بحالة من التعتيم الشامل رغم ان الانهيارات فيها لم تكن اقل قسوة. والثانية ان الرأسمالية قد انهارت في العالم, وبينما كان ذلك ايذانا بالبحث عن طريق جديد للعالم لدي البعض خاصة بعد انهيار الاشتراكية من قبل, فقد اعتبره البعض الآخر بعثا للاشتراكية من جديد. والثالثة ان الازمة العالمية تمثل نقطة انطلاق للتراجع عن الاصلاح الاقتصادي في مصر ودعوة لسلطة الدولة لكي تعود بقبضتها الحديدية لكي تقيم العدل وتنشر المساواة, ولكن وسط كل ذلك نسي الجميع في الإعلام وفي الاجتماعات السياسية, محاولة شرح الازمة وكيف حدثت والكيفية التي يعالجها بها العالم ومدي تأثير ذلك كله علي مصر, وفيما يلي سوف نحاول القيام بهذه المهمة من خلال طرح مجموعة من الاسئلة. ومحاولة الاجابة عنها استنادا الي متابعة ماكت ب حول الأزمة في الصحافة العالمية: 1 كيف بدأت الازمة؟ تعود جذور الازمة لسياسة إلي ادارة جورج بوش, والسياسات المالية للمحافظين الامريكيين عموما, عندما عملوا علي تخفيض الفائدة علي القروض العقارية من البنوك, اولا بسبب اعتقادهم بأن ذلك يدفع الي النمو الاقتصادي, وثانيا بسبب احداث الحادي عشر من سبتمبر التي دفعت في اتجاه العمل من اجل تجنب ركود اقتصادي بعد العمليات الارهابية. وكانت نتيجة انخفاض القروض هو اندفاع المواطنين الامريكيين للحصول علي بيوت وثروة عقارية كبيرة حتي ولو كانت اعلي من قدراتهم الاقتصادية( كانت الديون العقارية680 مليار دولار عام1974 ارتفعت الي14 تريليون في العام الحالي) ومع ازدياد الطلب اندفعت وراءها الصناعة علما بأن صناعة العقارات هي صناعة متشابكة مع عشرات من الصناعات الاخري في السياحة والاثاث والآلات والاستخدامات المنزلية والتصميمات والأمن. وقدمت الثورة الصناعية الثالثة الي عالم العقارات من تسهيلات في الحياة والحركة والمتعة, ماجعل العقارات الجديدة مفارقة لكل ماعرفه العالم من عقارات خلال تاريخه الطويل في البحث عن مأوي. وكانت نتيجة ذلك حراكا ونموا اقتصاديا نجح في مقاومة الآثار السلبية لاحداث سبتمبر, ونفق ات الغزو الامريكي للعراق وافغانستان, وكما هائلا من السعادة لملايين من الاسر التي لم يقدر لها الحصول علي منزل من قبل. 2 وماعلاقة كل ذلك بالنظام المالي؟ ادي الاندفاع في صناعة العقارات وملحقاتها من صناعات وانشطة اقتصادية اخري الي حدوث فائض ووفرة علي جانب العرض مما ادي الي انخفاض كبير في الاسعار الي الدرجة التي اصبحت العقارات اقل بكثير من قيمة القروض ومن ثم سعي الامريكيون الي التخلص السريع من عقاراتهم, وهو ما ادي الي زيادة العرض مرة اخري, وانخفاض الاسعاراسرع, ولما كان العقار هو الضامن الاساسي للقرض فقد بدأت حالات الإفلاس والبيع حتي وصلت الي11 مليون حالة في الولاياتالمتحدة. ولماكانت البنوك التي قامت بالاقراض هي التي تستحوذ علي العقارات فإنها اصبحت الآن تستحوذ علي عقارات اقل بكثيرمن قيمتها التي تم علي اساسها منح القرض, وهكذا وجدت البنوك ان ثروتها من الاصول قد انخفضت بشكل هائل فدخل عدد منها الي حالة الافلاس كان اشهرها بنك ليمان بروذرز الذي اطلق شرارة الانهيار في البورصة الامريكية. 3 وهل يؤدي انهيار بنك او حتي مجموعة بنوك إلي انهيار في اقتصاد يتجاوز ناتجه المحلي الاجمالي13 تريليون دولار؟ والحقيقة انه ليس بالضرورة ان يحدث ذلك ولكن ماحدث هو ان الاندفاع نحو سوق العقارات كان يحدث بحساب في البداية, وهو ان البنوك كانت تحافظ علي احتياطيات تتعامل مع احتمالات انخفاض الاسعار وهوماكان يعد عنصرا للامان من ناحية, وحاجبا قدرا من رأس المال عن السوق لمواجهة المخاطر. وهنا وقع الخطأ الاول والكبير حينما اتخذت البنوك الامريكية قرارا بأنه بدلا من الاحتفاظ باحتياطيات لتغطية القروض فإنها قررت الاستعانة بشركات التأمين لكي تقوم بمواجهة مخاطر الافلاس مقابل اقساط زهيدة ومن ثم اطلقت الاحتياطيات لكي تعطي مزيدا من القروض التي وسعت هي الاخري من العرض وانخفاض الاسعار والعجز عن تسديد القروض, وهكذا بدأت الدائرة تدور من زيادة في العرض وانخفاض في الطلب مع حالات الافلاس الي نقص ارصدة البنوك واحتياطياتها الي شركات التأمين التي تضمنها 4 ومادخل كل ذلك بالبورصة؟ كل هذه الشركات العاملة في سوق العقارات وتوابعها وملحقاتها مسجلة في البورصة الامريكية,ومعها البنوك وشركات التأمين, ومع الخسائر الضخمة التي بدأت تحققها جميعا فإنه كان من الطبيعي ان تبدأ اسعاراسهمها في الانخفاض ولكن الخسائر لم تكن هي العامل الوحيد, فمن ناحية تأخرت الادارة المالية, فضلا عن الادارة السياسية, في التعامل مع الازمة في الوقت المناسب, ومن ناحية اخري فقد تغيرت طبيعة البورصة في العالم حيث بات يدخل لهاويخرج منها الملايين من المستثمرين والمضاربين الذين يقفزون دائما من سفينة الخسارة عند اول بوادر الخطر. 5 اذا كان ذلك هو الحال في الولاياتالمتحدة فما دخل العالم؟ والحقيقة هي ان الولاياتالمتحدة لم تبلغ مكانة الدولة العظمي الوحيدة في العالم بسبب قوتها العسكرية فقط, اوحتي بسبب افلاس وانهيارالاتحاد السوفيتي في السابق. وانما وبصورة اساسية بسبب مكانتها المحورية في الاقتصاد العالمي من حيث تقديم التكنولوجيا كمحفز للنمو, والدولار كعملة للتبادل, والسوق الواسعة والقادرة علي تنمية مجتمعات اخري. ومن ناحية اخري فإن البنوك والشركات العقارية والصناعية الامريكية. وشركات التأمين, كلها تعمل علي نطاق عالمي, وتطرح في كل البورصات العالمية الرئيسية, وفيها مساهمون من كل دول العالم, وعندما تأزم ذلك كله ووصل الي حالة الانهيار في بعض الاحيان فإن اصداء كل ذلك كان لابد ان تصل الي كل العالم الرأسمالي حيث هبطت اسهم الشركات الصينية والهندية التي قام معظمهاعلي التصديرللولايات المتحدة, والشركات والبنوك المستثمرة في السوق الامريكية. وعندما هبط كل ذلك كان طبيعيا ان يمتد هذا الهبوط الي الولاياتالمتحدة مرة اخري حيث تكتمل الحلقة الجهنمية التي يسرعها استخدام التكنولوجيا الحديثة, ويعجل بها حركة القطيع من جحافل المست ثمرين والباحثين عن الفرص. وبقدر ماحصل هؤلاء علي ارباح طائلة وتوسعات رأسمالية خلال السنوات الماضية, فقد دفعوا ثمنا غاليا هذه المرة. 6 كيف سيتم علاج هذه الظاهرة؟ كما تقوم المجتمعات المختلفة بإنشاء المستشفيات والمؤسسات الصحية لعلاج الامراض المتوقعة فإن الرأسمالية العالمية تحسبت ايضا لأزماتها الدورية, ولم يكن انشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومجموعتي الدول السبع والثماني ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وتجمعات البنوك المركزية إلا لهذا الغرض, وخلال هذه الازمة تحرك كل هؤلاء اولا من اجل توفير السيولة المالية للبنوك وشركات التأمين, وحتي التأميم عندما يكون ذلك ضروريا, وثانيا تطويرالنظام المالي العالمي بحيث يكون قادرا علي تعامل افضل من حيث التنبؤ والمعالجة مع الازمات المستقبلية. 7 وماعلاقة ذلك كله بمصر؟ من الطبيعي ان تتأثرمصرسلبا كما سوف يحدث بالنسبة للبلاد الاخري ذات الصلات بالدول الصناعية والرأسمالية المتقدمة من حيث التجارة والاستثمار والسياحة ولكن كما هو واضح مما سبق فإن الازمة العالمية تعود في جذورها الي وجود الفائضالذي سببته الحيوية المالية والتكنولوجية للرأسمالية ولكنها عجزت عن معالجة المارد بعد انطلاقة من القمقم, اما الحالة في مصر فهي لاتزال حالة ندرة ناجمة في الاساس من اقتصاد لا يزال في اولي خطوات التحول الي اقتصاد السوق, وتلك قضية تحتاج الي مزيد من التفاصيل. عن صحيفة الاهرام المصرية 20/10/2008