استعدادات «التموين» لاستقبال شهر رمضان: 146 شادرًا وخصومات 25%..ضخ آلاف الأطنان وتجهيز 2.5 مليون كرتونة    قناة السويس: السفينة FENER تقع خارج الولاية القانونية    المفوضية الأوروبية: نقف إلى جانب الشعب الإيراني في نضاله الشجاع من أجل الحرية    بنفيكا ضد الريال.. الملكى يدرس تدعيم خط الوسط بعد سقوط أبطال أوروبا    منتخب اليد يهزم كاب فيردي ويتأهل لنهائي بطولة أفريقيا    نجمة وادى دجلة هانيا الحمامى تتأهل إلى نهائي بطوله سبروت للأبطال 2026، المقدَّمة من كراود ستريت    تعادل إيجابي بين إنبي وسموحة في الشوط الأول بالدوري    الشيوخ يناقش مقترحا بتقييد منصة روبلوكس الأسبوع المقبل    مصرع سائق إثر انقلاب سيارة ربع نقل بالطريق الصحراوي الشرقي بالمنيا    وفاة صغيرة صعقًا بالكهرباء داخل منزلها بالمنيا    مناقشة كتاب "المواجهة" ل اللواء د. أحمد وصفي في معرض الكتاب (صور)    الكشف على 1006 مواطن خلال قافلة طبية مجانية بقرية أبو السحما بالبحيرة    بعد نهائي أمم إفريقيا 2025.. عقوبات صارمة من «الكاف» على السنغال والمغرب    حماية النيل أولاً.. غلق وتحرير محاضر ل7 مغاسل سيارات مخالفة بالفيوم    مسئولة فلسطينية: القدس تشهد محاولات إسرائيلية لفرض الواقع الاستيطاني بالقوة    «جوقة الشعرا» يحتفون بصلاح جاهين في أمسية الليلة الكبيرة بمركز الجزويت الثقافي بالإسكندرية    فيلم باب يفتتح مهرجان I-Film الدولي.. وتكريم إلهام شاهين بجائزة الإنجاز    الأوقاف: تخصيص 269 مسجدا لإقامة موائد الإفطار والسحور في رمضان    الذهب يقفز إلى مستويات قياسية في مصر والجنيه يتجاوز 60 ألف جنيه    إزالة تعديات على الأراضى الزراعية وأملاك الدولة بمحافظة الدقهلية    محافظ كفر الشيخ يستعرض موقف تنفيذ مشروعات الخطة الاستثمارية للعام المالى 2025-2026    المرأة في مواجهة الفكر المتطرف.. ندوة بالمجلس القومي للمرأة بمعرض الكتاب    وزارة الشؤون النيابية تصدر سلسلة توعوية جديدة بشأن الاختصاصات الدستورية لمجلس النواب    انطلاق مهرجان «أنوار الموهبة» في 409 مركز شباب بالشرقية    محافظ أسوان: التنسيق بين المحافظة والمنطقة لتكثيف القوافل الدعوية بالمناطق النائية    السعودية تحذر من خطورة الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار    3 إشارات خفية تكشف صرير الأسنان مبكرا    أستاذ علوم سياسية يحذر من «أرض الصومال».. ويؤكد: نعيش سايكس بيكو ثانية    حبس عاطلين بتهمة غسل 120 مليون جنيه من تجارة المخدرات بالقاهرة    رئيس الطائفة الإنجيلية يشهد تنصيب القس موريس جابر بكنيسة شمس الدين بالمنيا    خروج سامح الصريطي من المستشفى بعد وعكة صحية و"الجبهة الوطنية" يطمئن جمهوره    «الطارئ على السكر دان».. وثيقة نادرة ترد على مقولة «الأدب المملوكي ضعيف»    "النشر والهوية في مواجهة العصر الرقمي" خلال ليلة مصرية إماراتية ببيت السحيمي    طقس الغد.. ارتفاع بدرجات الحرارة ورياح واضطراب بالملاحة والصغرى بالقاهرة 15    الحكومة البريطانية تؤكد السماح لمواطنيها بالسفر للصين بدون تأشيرة    ياسر الهضيبي يطالب بالالتزام بالروح الحضارية والمنافسة الشريفة بانتخابات رئاسة الوفد    القومي لحقوق الإنسان ينظم حلقة نقاشية حول الحق في تداول المعلومات    «الداخلية» تضبط 128 ألف مخالفة مرورية خلال آخر 24 ساعة    الحكومة توافق على تخصيص أراضٍ في عدد من المحافظات لصالح جهاز مستقبل مصر    مريهان القاضى: السيارات الكهربائية الأكثر توفيرا مقارنة بالسيارات البنزين    أحمد مجاهد: الشباب يمثلون 80% من جمهور معرض القاهرة الدولي للكتاب    انخفاض الروص، أسعار الكتاكيت والبط اليوم في بورصة الدواجن    5 خطوات لضمان بقاء باقة الإنترنت لآخر الشهر    التحقيق مع عنصرين جنائيين حاولا غسل 120 مليون جنيه حصيلة تجارة مخدرات    رسائل تهنئة لقدوم رمضان 2026    صاحب الفضيلة الشيخ سعد الفقي يكتب عن : دولة التلاوه هل نراها في قيام رمضان؟    متهمان بقتل نقاش في الزاوية الحمراء يمثلون الجريمة    4 مباريات في افتتاح الجولة ال 21 بدوري المحترفين    مواعيد مباريات اليوم الخميس 29 يناير والقنوات الناقلة    وزير «الخارجية» يبحث مع نظيره الفرنسي مستجدات الأوضاع الإقليمية    طريقة عمل فطائر الهوت دون بالجبن للتدفئة في ليالي الشتاء الباردة    الاتحاد الأوروبي يدرس تصنّف الحرس الثوري الإيراني «منظمة إرهابية»    بشير التابعي: خبرة الأهلي تقوده للقب الدوري وعلامات استفهام على الزمالك    وسط حشد عسكري.. 3 مطالب أمريكية طرحتها إدارة ترمب على إيران لوقف الهجوم المحتمل    صحة الوادى الجديد: اعتماد مخازن التطعيمات بقطاع الصحة بالمحافظة    رحل وهو معتمر.. وفاة معلم من قنا بالأراضي المقدسة    متوسط العمر المتوقع في أمريكا يصل لأعلى مستوى على الإطلاق في عام 2024    فضل دعاء صلاة الفجر وأهميته في حياة المسلم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دروس وعبر من الأزمة الصومالية/د. طالب مراد
نشر في محيط يوم 04 - 12 - 2008


دروس وعبر من الأزمة الصومالية

د. طالب مراد

وصلت إلى مقديشو قبل عقدين من الزمن وبقيت فيها ثماني سنوات للعمل كمستشار ثم ممثل لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو). وصلت صباح يوم جميل وانبهرت بالبيوت الجميلة و المدينة الصغيرة الواقعة على المحيط الهندي؛ حيث أن البيوت كانت تطلى سنويا باللون الأبيض للحوائط و الأزرق للأخشاب وكان هذا أمرا إلزاميا.

ولم يكن بالمدينة كلها سوى عمارة واحدة بمصعد كهربائي. هذه المدينة التي ارتبط بها أماني الشعب الصومالي وكانوا يحلمون بأن تكون عاصمة للصومال المنقسمة إلى خمس دول مثلما تؤشر النجمة الخماسية الزرقاء التي تتوسط العلم الصومالي.

بعد الحرب العالمية الثانية كان الشعب الصومالي مقسم إلى: الصومال الفرنسي،وهو جيبوتي الحالية ، وهناك الصومال البريطاني (شمال الصومال الحالية أو ما يسمى بأرض الصومال، ثم الصومال الإيطالي وهى جنوب الصومال الحالية، وهناك المنطقة الشمالية الشرقية في كينيا، وأخيراً مقاطعة أوغادينا في إثيوبيا.

في أغسطس/ آب 1944 وبعد سقوط الحكم الفاشي في إيطاليا طلبت بريطانيا جمع كل هذه المقاطعات في دولة واحدة، لكن الأمريكيين رفضوا لأن حليفهم الإمبراطور هيلاسي لاسى في إثيوبيا كان معارضا للاقتراح البريطاني، و هذا ما سبب بعض المشاكل بين الدولتين الكبيرتين. و منذ ذلك الوقت وإلى الآن لم ولن ينسي الصوماليون هذا الموقف الأمريكي. فعداء الصوماليين للأمريكان له جذور تاريخية.

والموقف الأمريكي بالنسبة للصوماليين يشبه موقف العرب من وعد بلفور البريطاني إذ لازال الكثير يحمل غضبا ضد بريطانيا بسبب هذا الوعد.

وفي أواسط 1960 أعطت كل من إيطاليا و بريطانيا الاستقلال لكل من الصومال الإيطالي و البريطاني، و لأول مرة اتحد جزءان من أجزاء هذا الوطن المشتت، و كونوا جمهورية الصومال و التي غدت عاصمتها مقديشو.

ويعد الشعب الصومالي من أكثر شعوب العالم تجانسا فجميعهم مسلمون، سنيون شافعيون. وأكثريتهم الساحقة كانوا و لازالوا رعاة ماشية وجمال. هذا التجانس يتضح في التقارب الشديد بين اللهجات المختلفة للغة الصومالية وذلك بعكس شعوب أخرى في المنطقة. ويمكن أن يعزى تشتتهم وعدم وجود كيان لهذه الأمة لكونهم رعاة رحل، وعادة فإن الرعاة الرحل أينما وجدوا ألا يكونوا كيانات سياسية بعكس المجتمعات الزراعية. و يملك الصومال أكثر من 60% من إبل العالم.

ومعروف أن الشعب الصومالي ليس شعبا عربيا، ولكن طموحات سياد برى وطمعه في الدولارات النفطية جعله ينضم إلى جامعة الدول العربية عام 1974 أي بعد 14 عاما من استقلال الصومال (أو بالأحرى الاتحاد بين الصومال البريطاني و الإيطالي).

و جدير بالذكر أن انضمام الصومال إلى الجامعة العربية عاد عليها ببعض النفع كذلك بعض المكاسب الوقتية أو المحدودة مثل المزرعة ومعمل قصب السكر الذي بناه الكويتيون بمبلغ 80 مليون دولار في جنوب الصومال، وقد شاهدت شخصيا تفكيكه من قبل تجار الحرب المحليين عام 1992 في قسمايو الذين باعوه لاحقاً بمليون دولار كمخلفات معدنية لتجار الخردة، و تم شحنه كاملاً إلى ميناء مومباسا في كينيا.

و كان هناك مصفاة نفط في مقديشو بنيت من قبل العراق، لكنها ومنذ عام 1988 وهي متوقفة عن العمل وتهالكت مع الزمن. و أما مصر فقد أرسلت البعثة الأزهرية و التي ضمت حوالي 400 مدرساً، ثم وصل عدد كبير من المنظمات و المؤسسات من دول الخليج و هذه بدورها أدخلت الحجاب أولا، ثم النقاب، ثم المصائب كلها.

علما بأن سياد برى جاء إلى الحكم وأنهى الحكم المدني عام 1969 وفي نفس فترة وصول الديكتاتور "عيدي أمين" إلى أوغندا و "العقيد القذافي" إلى ليبيا و حزب البعث إلى العراق. كما حدث الانقلاب في السودان وتغيرات "تسلطية" كثيرة في المنطقة ككل، ويبدو أن الصراع بين الدول الكبرى أخذ يلقي بدوره تبعاته علي المنطقة.

فبعد انقلاب عام 1969 و مجيء الدكتاتور برى إلى الحكم، انقلبت الأمور رأسا على عقب في تلك الجمهورية الفتية، وركب برى موجة الحرب الباردة وتوجه إلى الإتحاد السوفيتي طلبا للسلاح و الخبراء العسكريين، بينما استمر الأمريكان في مساعدة الإمبراطور هيلاسي لاسي وتاليه منغستو هيلا مريام الذي وصل للحكم في إثيوبيا عام 1974.

ومن ناحيته ركب هذا الدكتاتور الجديد في أديس أبابا هو الآخر موجة الحرب الباردة و تحالف مع الإتحاد السوفيتي ومن ثم احتد الأمر بين الدكتاتوريين الجارين، و نشبت حرب "أوغادينا" الشهيرة بين عامي 1975 -1977، واحتلت القوات الصومالية أوغادينا، ولكن وصول 50 ألف كوبي إلى إثيوبيا قلب الأمور رأسا على عقب، و ترك سياد برى أوغادينا بعد فشله فشلا ذريعا فأحكم قبضته أكثر على الشعب في الداخل(تماما مثلما فعل صدام حسين عقب مغامرته الفاشلة في الكويت).

ونتيجة للحرب، تغيرت المعادلة: فقد اصطف برى مع الأمريكان أعدائه السابقين، بينما اصطف منغستو مع المعسكر الاشتراكي، و استمرت الأمور في التدهور من السيء إلى الأسوأ، وفى عام 1982 احتد الصراع بين الشمال (الصومال البريطاني سابقا و عاصمته هرجيسا) و الجنوب (الصومال الإيطالي) و دمرت طائرات سياد بري كافة مدن الشمال، و فر عشرات الآلاف منهم إلى إثيوبيا و اليمن.

و استمرت الحروب القبلية المميتة تنخر بجسم الصومال حتى يناير 1991 حتى احتل الجنرال عيديد عاصمة مقديشو و هرب سياد برى و قبيلته و تركوا مقديشو (لتمر بما مرت به بغداد بعد سقوط صدام). و أقف عند هذا المنعطف حيث أتذكر جيدا و ذلك في أوائل عام 1989 حيث عين في ذلك الوقت وزيرا للزراعة جديد، وتصادف وجود مكتبي إلى جوار مكتبه في وزارة الزراعة بمقديشو و كان شابا تدل ملامحه على الذكاء، وذات يوم في جلسة صفاء معه بمكتبه (وقد كان من شمال الصومال)، سألته لماذا لا يجلس الصوماليون مع بعضهم البعض ليحلوا مشاكلهم، فقال لي ما لم أتوقعه وهو أن عائلته في السويد منذ فترة وهو لا يهتم بالذي سوف يجري. فقد كان يعنى ما نقول في العراق "نارهم تأكل حطبهم".

الصومال و أمريكا:مرارة لها تاريخ

بعد هروب برى تدهور الوضع في الصومال إلى درجة كبيرة و انتشرت المجاعات في بلد فيه نهريين دائمين وثروة حيوانية تقدر ب50 مليون رأس وأراضى زراعية خصبة و ساحل طوله حوالي مليون ميل يطل على المحيط الهندي و الذي يعتبر من أغنى مياه الأرض بالثروة السمكية، مع كل هذا أصيب الشعب الذي لا يتعدى 6 ملايين نسمة بالمجاعة ومات عشرات الآلاف (وأنا شاهد على ذلك).

فالمساعدات كانت آنذاك مقتصرة على بعض المنظمات الغير حكومية الأوروبية و شيء يسير من الأمم المتحدة. و أستمر الحال على ذلك وبعد نجاح كلينتون في نوفمبر 1992 بالانتخابات الأمريكية و فجأة و بعد شهر واحد من نجاح كلينتون، قرر بوش الأب إرسال 32 ألف جندي إلى الصومال واحتلت ميناء مقديشو (كنت حاضرا في الإنزال) و حضر آلاف الصوماليين لتسليم سلاحهم و لكن الأمريكان رفضوا بحجة أنهم جاءوا للمساعدة في توزيع الغذاء و ليس لنزع السلاح. يا للهول 32 ألف جندي لتوزيع الغذاء!

و بعد خمسة أشهر من الإنزال الأمريكي أي في عهد كلينتون في مايو/آيار 1993، سحب غالبية الجيش الأمريكي و بقى قسم قليل سلمت قيادتها للأمم المتحدة ولكن بشرط أن يكون ممثل الأمم المتحدة هو الأدميرال جوناثان هاو و ليس عصمت الكتاني الذي كان يكرهه عيديد لسبب لا أعرفه. ولكن جريدة (بلديق) أي جريدة الجنرال عيديد قد نعتته وقتها بأنه كردى وكأنه عيب أن تكون كرديا و مازالت احتفظ بهذه الأعداد من تلك الجريدة وعلى ما يبدو أن الأمريكان كانوا وراء هذا الموضوع. وتوطدت علاقتي بالجنرال هاو وكان صادقا للغاية عند النقاش في كثير من الأمور.

و في الثالث من أكتوبر/تشرين أول، 1993 قتل عيديد 18 جنديا أمريكيا، ونتيجة لذلك انسحبت أمريكا من المنطقة و تلتها الأمم المتحدة و باب التشابه هنا أن الجمهوريين قرروا إرسال قوات إلى الصومال بعد شهر من فوز الديمقراطيين والذين رفضوا الفكرة من قبل.

وفى تلك الفترة العصيبة جلبت أمريكا إحدى ساحراتها إلى مقديشو لحل المشكلة ألا و هي ابريل جلاسبى (يا سبحان الله،التاريخ يعيد نفسه ولا يوجد جديد تحت الشمس) وبما أنني كنت ممثلا لمنظمة الأغذية و الزراعة في الصومال وكان دي مستورة (ممثل الأمم المتحدة في العراق حاليا) ممثل منظمة اليونيسيف وكنا نحضر الاجتماعات الدورية في مكتب ممثل الأمين العام و كانت ابريل جلاسبى تحضر معنا تلك الاجتماعات،كنت أتمنى آنذاك أن أسألها عما كان يقال عن إعطائها الضوء الأخضر لصدام كي يغزو الكويت، ولكن المهنية كانت تتغلب على فضولي.

في أثناء فترة سياد برى، بنا الأمريكان سفارة كبيرة جدا على أرض واسعة و أحيطت بجدار ضخم حيث أستعمل فيما بعد كمعسكر كبير للقوات الأمريكية و التركية و عدد من المنظمات الأممية (وكانت شبيهة بالمنطقة الخضراء حاليا في بغداد). وكممثل للفاو، فإن مكتبي و مخازن المكتب و الحرس الخاص كانوا في جراج كبير مجاور للسفارة البريطانية السابقة في وسط مقديشو و بقيت فيها سنوات الحرب الأولى (وبسبب موقعي بوسط المدينة كنت على علم بالحوادث التي تقع حتى قبل علم قوات التحالف بها).

لقد ترك الأمريكيون المرارة في فم الصوماليين مرات عديدة، ففي عام 1944 رفضوا فكرة الصومال الموحد وساعدوا سياد برى بكل قوة أثناء حكمه التسلطي، ثم انزلوا القوات بعد سقوط برى ولكن لم يجمعوا السلاح، و أخيرا ساعدوا إثيوبيا على احتلال الصومال وأخيرا فشل التدخل الإثيوبي..هذا هو مجمل الدور الأمريكي في هذا البلد.

زار بوش الأب الصومال العام 1992 يوم الكريسماس – عيد الميلاد- والتقيت به وقتها، وكنت كغيري لدينا تصور وآمال حول جدوى التدخل الأمريكي ونراه أمرا جريئا، ولكن خاب أملنا وكثيرا ما أقارن تصوراتنا وقتها بالحال الذي آل له هذا الشعب المسكين، تماما مثلما كنا نظن بالحرب الأمريكية على العراق وخاب ظننا أيضا.

القرصنة و الصومال:ليست وليدة اليوم

لقد استهجن العالم عمليات القرصنة الأخيرة في مياه المحيط الهندي المقابلة للحدود الصومالية، و كثيرا ما يذكر في الأخبار أن القراصنة هم رجال البحرية الصومالية السابقين، وكما أرى على شاشات التلفاز فإن القراصنة أكثرهم شباب بينما انتهت البحرية الصومالية تماما منذ عقدين من الزمان، وبالتالي لا يمكن أن يكون هؤلاء من البحرية القديمة.

إن القرصنة و السرقة و النهب في المياه الإقليمية أو أعالي البحار المواجهة للصومال لم تبدأ منذ سنة أو سنتين كما يكرر البعض، بل إنها بدأت منذ سقوط نظام سياد برى؛ ففي ظل الفراغ السياسي في الصومال و سقوط الحكومة تُركت المياه الإقليمية لهذا البلد عرضة لأكبر عملية نهب من قبل بواخر (معامل) صيد الأسماك في دول كثيرة، منهما بواخر اليابانيين و الكوريين و عدد من الدول العربية و دول أخرى.

وكنت شخصيا مسئولا عن الزراعة و الأسماك في ذلك البلد بعد سقوط سياد برى و إلى انسحاب الأمم المتحدة أواخر عام 1995.كنت أحلق فوق المياه الإقليمية الصومالية و أرى عشرات السفن تسرق موارد الشعب الصومالي في وضح النهار وفى مناطق قريبة جدا من الشواطئ الصومالية و لم يردعهم أحد، لا دول الجوار ولا الجامعة العربية و لا حتى الأمم المتحدة، بل وتم إبلاغي شخصيا أن أغض الطرف عن هذا الموضوع، أي أن أقوات وموارد الصوماليين كانت تُسرق في صمت لمدة عشرين سنة.

وهذا بخلاف البيئة والثروة السمكية التي تأثرت- وبالتبعية يتأثر الانسان بها- بسبب تفريغ العديد من السفن من جنسيات مختلفة للنفايات على سواحل الصومال..هذا ما كان يحدث لعشرين عاماً وكنت وغيري نراه مرأى العين.


جمهورية أرض الصومال (شمال البلاد)

كما ذكرت سابقا فإن الصومال البريطاني (أرض الصومال)و الصومال الإيطالي قد اتحدا في عام 1960 في دولة واحدة هي الصومال الحالية بعد استقلالها، و هنا جدير بالذكر أن الحالة الاجتماعية و الثقافية في الصومال البريطاني كان أفضل مما كان عليه الحال في الصومال الإيطالي، وقد كان الصوماليين الشماليين وراء عملية الإتحاد إلا أنه على ما يبدو قد دخلوا في شراكة غير متكافئة و التي انتهت بجريمة تدمير الشمال عام 1982.

و عند سقوط برى، سنحت الفرصة للشماليين في تنظيم أنفسهم و تشكيل (أرض الصومال)، وقد حظوت بحضور عملية رفع علم أرض الصومال في هرجيسا في عام 1991، و بالفعل هناك فرق شاسع بين ما هو موجود في الشمال و الجنوب. إذ أن العاصمة هرجيسا كانت مهجورة منذ عام 1982 و حتى 1991. و أتذكر جيدا عند تحليقي فوق تلك المدينة الكئيبة أنني لم أرى سقفا أو بابا أو شباكا ...نعم ؛فالمدينة كانت مدمرة تماما.

و قد عاد بعض اللاجئين من إثيوبيا و كانوا يعيشون بين حوائط بيوتهم السابقة بلا أبواب تحميها، وكمثال فقط لتصوير الحالة المفجعة التي وصلت لها المدينة: حدث أن كانت الضباع تختطف المواليد الصغار من أمهاتهم ليلا (يوجد عدد كبير من الضباع في وسط المدينة والتي كان ينتشر فيها بشكل كثيف قوات سياد برى).

وأما "هرجيسا" فهي الآن منطقة عامرة ومتطورة وأمينة في تلك البقعة من العالم، ومع الأسف لم يعترف بها رسميا من قبل أي دولة، رغم أنها كانت منطقة ذات سيادة حتى العام 1960 واختاروا وقتها الاتحاد طوعا مع الجنوب.

الصومال إلى أين؟

تركت الصومال يوم الحادي والثلاثين من يوليو/ تموز العام 1996 وهو نفس يوم وفاة الجنرال عيديد.. وأفكر بكثير من الأسى في حال الصومال الآن، وغالب ظني أن الحل الذي قد يختصر المعاناة الحالية لأهل هذا البلد هو فيدرالية تضم أقسامه الخمسة ويترك للشعب الصومالي الخيار في الاتحاد لاحقاً..

ولم لا؟ فالصومال ينطبق عليه المثل القائل "ما ياخدك إلى المر هو الأمر" وإذا تعذر ذلك في الوقت الآني فعلي الأقل يتم الاعتراف بما هو واقع حالياً، وهو دولة "أرض الصومال" فهي الأكثر استقرارا من بقية المناطق، وربما يقلل هذا الاعتراف من الجهد المبذول عند محاولة حل مشكلة بقية مناطق الصومال.

ويعتقد بعض الكتاب أن الدولة المركزية كافية لاستقرار أي بلد، لكن التاريخ أثبت أن ذلك ليس ضامنا بمفرده لتحقيق السلم والأمن الداخلي، كما أن الأولى والأقرب للإنصاف أن تعترف الدول بخيارات الأقاليم في شكل علاقتها معا ولا تفرض تصوراتها عليها.

[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.