سليم عزوز ولأني أعتدت ان أشرككم معي في السراء والضراء وحين البأس، فها أنا ذا اعترف لكم بأنني أكتب هذه السطور، وأنا مكتئب، لأسباب لا اعلمها، وقد أرجعتها الى حالة العجز العربي،
في رد الفعل المتهافت على العدوان الإسرائيلي على أسطول الحرية.. لكن بعد تفكير عميق اكتشفت انه لا جديد هنا، فمنذ ثلاثين سنة والحكام العرب في حالة انبطاح مستمر، ولم يملوا، أو يتململوا.
لدي قناعة بأن مثلي لا يمكن أبدا ان يموت من الاكتئاب، وما دام الأمر كذلك، فلا عليكم، فكله يهون ما دمت على قيد الحياة أنكد على الخلائق، وان كانت حالتي لو وزعت على الأرض كلها ما بقي إنسان واحد خال من الاكتئاب .
إلا الرائد متقاعد صفوت الشريف الذي كان هو المقرر الدراسي في الأسبوع الماضي انتقل بين الفضائيات، ومن 'روسيا اليوم'، الى 'المحور'، مرورا بعدة فضائيات أخرى.
وانتظرت وأنا أتابع حالة الانتشاء التي بدا عليها، ان يسأله احد السؤال المهم، الذي اعتقد ان كثيرين انتظروه وهو عن نوع الصبغة التي يستخدمها، وكريم شد الوجه، الذي يستعمله ليبدو شبابا لم يدخل دنيا بعد؟
لكن أحدا من الذين حاوروه، ومن بينهم هناء السمري، لم يوجهوا له هذا السؤال المحوري، والذي هو أهم من خطة الحزب الحاكم، وسعيه لأن تكون انتخابات مجلس الشورى 'نزيهة'، فشعرت بخيبة الأمل..
يبدو انه كان أسبوع خيبات الأمل، حتى ظننت ان المبتهج الوحيد فيه هو صفوت الشريف.. للتذكرة فقد ذكرت لكم من قبل ان 'نزيهة' هذه سيدة منحرفة وعرفت 'بالمشي البطال' وهي 'رد سجون'، لأنها تعمل صديقة للطلبة!
يوم الاثنين الماضي، استيقظت من نومي لأكتب مقالا أسبوعيا لجريدة أخرى، ولم اهتم بالنظر الى التلفزيون، فقد كنت على يقين من انه لا جديد يومذاك تحت الشمس، وربما كنت أوطن نفسي على عدم انتظار إطلالة جمانة نمور.
فقد قيل انها وأربع مذيعات أخريات، من بينهن لونة الشبل، قدمن استقالتهن الى الإدارة، وقالت احدى الصحف المصرية الحكومية ان المذيعات الخمس ارجعن استقالاتهن الى علاقة 'الجزيرة' بتنظيم القاعدة، ولم يكن هذا صحيحا.
فالمشكلة ترجع الى تعليمات الإدارة فيما يختص 'باللبس.. المذيعات الخمس يبدو أنهن مللن الحشمة، و يعتقدن أنهن بتن 'مراكز قوى'، وان بمقدورهن ان يفرضن شروطهن على القناة، ولو كنت مكان وضاح خنفر المدير العام لقلت لهن: الباب يفوت جمل، ولأمرت بتحطيم 'دستة من القلل القناوي' خلفهن ابتهاجا بذلك.
كل الذين تركوا 'الجزيرة' أصبحوا نسيا منسيا، إلا عمرو عبد الحميد، مدير مكتب 'بي بي سي' في القاهرة، والذي يعمل في ظروف قاسية، وفي مكتب شبيه بحجرة الفئران، ومع ذلك يؤمن بأن 'الشاطرة تغزل برجل حمار'.. ويجمعنا أنا وهو الإعجاب بكتابات توفيق رباحي.
بعد منتصف النهار اخبرني صديق بما جرى فجرا مع أسطول الحرية، هرعت الى 'الجزيرة'.. لأقف على الخبر الأليم، والعجز العربي البادي..
أسفت لأداء اهل الحكم في مصر، الذين تأخروا للخلف وقدموا حسام زكي المتحدث باسم وزارة الخارجية.. لم اشعر بالحرج ولكني شعرت بالغضب.. فهؤلاء قوم قزموا البلاد، لتصبح على 'مقاسهم'..
وقد اختفى النظام السعودي أيضا في ظروف غامضة.. وكان أمير قطر اول من ندد بالجريمة، واعتقد ان الإعلام الرسمي يلملم الان خيبته الثقيلة، ويتحرك للهجوم على قناة 'الجزيرة'، لأنها كشفت المواقف المتهالكة، و يستعد 'لفرش الملاية' لأصحابها في الدوحة..
الذين ينافسون مصر، ويقومون بدورها، مع ان مصر هي التي تركت الملعب، وتنازلت عن دورها طواعية.. لكنها ستكون محاولة لستر العورات التي تبدت حتى رآها الجميع.
في قبضة فيروز لعلها 'فيروز زياني' التي استضافت المتحدث الرسمي باسم الحكومة الإسرائيلية 'ليهرتل'، وقد وقع في قبضتها، فلم يتمكن من ان يقنع المشاهدين، بسلامة موقفه..
كانت أسئلة 'فيروز' حادة وسريعة وواضحة، وكان هو يسعى لان يلف ويدور، و'يلت ويفت'، فإذا به يبدو كفأر وقع في شبكة صياد محترف، فتصرف على انه متحدث باسم عصابة لا حكومة، وقال ما معناه اننا سنفعل هذا مع أي احد يعادينا.
قال رئيس وزراء تركيا، ان ما حدث هو إرهاب دولة.. وقد وقفت على الإرهاب لكني لم اعثر للدولة 'على جرة'.. هذا بعث تركي جديد، ورجب طيب اردوغان بدا هو المتحدث الرسمي باسم الأمة والمعبر الحقيقي عن نبض الجماهير، بعد ان تخاذل حكامها خوفا وطمعا..
حتى القذافي اختفى وهو المهتم بدقائق الأمور وبما كانت تذيعه فضائيات بلاده 'الساعة' و 'الليبية'، والمتابع لليلى الشايب في 'الجزيرة' وال 'بي بي سي'، فيتوجع وجدانه، ظنا منه ان الدافع لظهورها هنا وهناك هو 'أكل العيش'، ولم يكن يدري ان شقيقتها هي التي تعمل في 'بي بي سي'، وعندما علم استراح وجدانه الموجوع..
ها هو يتوحد مع النظام السعودي في الغياب.
قدر الشعوب العربية، ان يعبر عنها في الملمات من ليس منها.. ففي احتلال العراق كان الزعيم الفنزويلي هو المعبر عنها، وفي جريمة الاعتداء على أسطول الحرية كان رجب طيب هو صوت العرب من الخليج الى المحيط.
لقد استمعت لأكثر من صوت عبر الفضائيات يقول ان إسرائيل قد تعرت أمام العالم بما فعلت، كأنها لم تتعر من قبل، وهي نفس العبارة التي قيلت عندما جرى الاعتداء على غزة..
في كل مرة نقول ان إسرائيل تعرت أمام العالم، والعالم لا قيمة له في نظر إسرائيل، لأنه لا يعمل حسابا إلا للقوي.. الحكام العرب هم فقط الذين يهتمون بسمعتهم أمام العالم ويريدون ان يعرف عنهم أنهم طيبون للغاية.. هم أسود علينا .. وفي الحروب يختفون في انتظار أخذ الإذن برد الفعل.
لقد وجدنا السلوى في موقف الأتراك حكومة وشعبا.. في مصر حاصر أهل الحكم رد الفعل الشعبي بقوات امن تكفي لتحرير سيناء بدون اتفاقيات مهينة.. وعندما أذاعت الفضائيات صور الأسطول، لحظة العدوان الإسرائيلي كان الأتراك والجزائريون هم الأشجع في المواجهة.
ربما استشعر القوم عندنا الحرج، ووجدوا ان مصر اكبر من ان يعبر عنها في مثل هذه المواقف متحدث في وزارة الخارجية، فكان قرار فتح معبر رفح الى اجل غير مسمى..
او بالأحرى حتى تحرض السلطة الفلسطينية موتور يطلق النار على جندي مصري، فيهب الإعلام الحكومي على قلب رجل واحد في مواجهة الفلسطينيين الذين عضوا اليد التي امتدت لهم بالإحسان، وعلى اثر هذا وباسم 'السيادة الوطنية'، حماها الله، يتقرر إغلاق المعبر من جديد.
حركات مكشوفة، ومحفوظة،ولا احد يهتم بالتجديد، لعدم الاستعانة بمحترفين في كتابة السيناريو، والتعامل مع هواة، وهؤلاء الذين يُستعان بهم هم من روجوا في السابق لقول باطل بأن فتح معبر رفح يتناقض مع اتفاقية المعابر.. ها هم يفتحون المعبر بدون إذن من مجلس الأمن.
أرض جو
يوم الثلاثاء الماضي أذاعت الفضائيات خبر مقتل الرجل الثالث في تنظيم القاعدة مصطفى أبو اليزيد.. فقلت قتل في اليوم الخطأ، فالفضائيات مهتمة برد الفعل على الاعتداء الإسرائيلي على أسطول الحرية، ومصر مشغولة بانتخابات مجلس الشورى.
قناة 'المحور' أعطت درسا في الحياد الإعلامي، فإذا كانت تهتم ببث وقائع المؤتمر العام للحزب الحاكم في كل عام، فقد نقلت وعلى الهواء مباشرة وقائع الانتخابات التي جرت في حزب الوفد، وكانت نتيجتها سقوط رئيسه محمود أباظة، ونجاح سيد البدوي صاحب قناة 'الحياة'.
رفعت السعيد رئيس حزب التجمع 'أخذته الجلالة'، بفعل درس حزب الوفد، فقال لبرنامج '48 ساعة' على 'المحور' ان المعارضة قادرة على الدوام ان تعطي دروسا في الديمقراطية للحزب الحاكم.
فبالانتخابات تغير قياداتها، في حين ان قادة الحزب الحاكم معينون في مواقعهم.
على الرغم من تأكيد انتصار نسيم رئيس اللجنة القضائية المشرفة على انتخابات مجلس الشورى في مصر، ان لجنته هي صاحبة القرار.
فقد ثبت على ارض الواقع ان وزارة الداخلية هي التي تتحكم في الموقف من الألف الى الياء، وقد رفض ضباط الشرطة التعامل مع التصاريح التي وقعها سيادته لمندوبي الفضائيات.
احتشد تلفزيون الريادة الإعلامية ليؤكد على ان انتخابات الشورى ستكون نزيهة وشفافة كما وعد الرئيس مبارك في عيد العمال، لكنها كانت مسخرة من العيار الثقيل.
بشكل سيدفع السيدة 'نزيهة' الى إقامة دعوى قضائية ضد القوم لاتهامهم بالإساءة إليها لذكر اسمها مقرونا بما جرى في هذا اليوم الحزين الذي وقفت فيه على انه لا أمل في التغيير عبر صناديق الانتخابات.. وإنما الأمل في عزرائيل، او صاعقة من السماء تجعل عاليها سافلها.
اللجنة الانتخابية بمبنى التلفزيون هي الخاصة بالتصوير الفضائي، حيث كان ضباط الشرطة ينصحون مندوبي الفضائيات بالذهاب إليها، لأنه تم تخصيصها لزوم التصوير.
وكلما وجد المسئولون بالمبنى كاميرا منصوبة هبطوا من عليائهم مع وفد من الحاشية للإدلاء بأصواتهم.. أما دور الشرطة في اللجان الأخرى فكان للحفاظ على العملية الانتخابية من 'التجريس'.
مع ان الفضيحة كانت في الأرقام التي حصل عليها الذين فازوا، فوزير الأوقاف مثلا حصل على 285 ألف صوت، والناجح في الدائرة الرابعة بمحافظة المنيا حصل على 238 ألف صوت، وهكذا.
في حين ان فتحي سرور رئيس مجلس الشعب، وفي ظل الإشراف القضائي المنقوص لم يحصل سوى على سبعة آلاف صوت، واعلى رقم حققه مرشح في هذه الانتخابات هو 37 ألف صوت حصل عليها مرشح الوفد محمد عبد العليم..
وإذا كنا في السابق نقول ان الموتى، وسكان جهنم على وجه التحديد، ينتخبون مرشحي الحزب الحاكم، فكشوف الانتخابات زاخرة بأسمائهم، فان هذه الأرقام الخرافية، لا يمكن الحصول عليها إلا بالاستعانة بالجن والعفاريت.
ومؤكد ان تعدادهم في مصر لا يكفي لتكون النتيجة على هذا النحو، فكان القرار بالاستعانة بشياطين من دول الجوار.
لو ان مذيعات الجزيرة الخمس احتشدن ضد القرار المتعسف بوقف برنامج ' أكثر من رأي'، كما يضغطن للتحلل من قرار فرض الحشمة، لما استمر وقف البرنامج حتى الآن.