محافظ أسوان يؤكد على أهمية التلاحم والتماسك بين الجهود التنفيذية الجارية    وزير الدفاع يوصي رجال القوات المسلحة بالحفاظ على أعلى درجات الاستعداد القتالي لتنفيذ جميع المهام    رئيس جامعة كفر الشيخ يفتتح مهرجان الأنشطة الطلابية الرمضانية بجامعة كفر الشيخ الأهلية    السيسي يستقبل رئيس مجلس إدارة شركة GCL الصينية    تراجع سعر اليورو اليوم الأربعاء 25 فبراير 2026 أمام الجنيه بالبنوك    النائب مصطفى سالم: الدولة تحتاج موارد والمواطن يجب أن يطمئن أن سكنه ليس عبئا    وزير الاتصالات يشهد توقيع عدد من الاتفاقيات لتعزيز الاستثمار وتحسين جودة الخدمات    جلسة الأربعاء توسع نزيف الخسائر في البورصة    وزير الخارجية يؤكد دعم مصر الكامل لجهود تحقيق الأمن والاستقرار في جنوب السودان    مسيرات روسيا تستهدف البنية التحتية الأوكرانية.. وكييف تشن هجوما مضادا (فيديو)    صراع الصدارة، مباريات بيراميدز المتبقية في الدوري المصري    الإسماعيلي ينعى اللواء إبراهيم إمام مدير النادي السابق    الناس كلها حزينة.. انهيار وبكاء أثناء تشييع جثمان فتاة بورسعيد المتوفية بمنزل خطيبها    المشدد 10 سنوات للمتهم بتزوير المحررات الرسمية في روض الفرج    دفاع فرد أمن «كومباوند التجمع» يطالب بأقصى عقوبة للمتهم وتعويض 10 ملايين جنيه في واقعة اعتداء    سفارة مصر باليونان تكشف أسماء الناجين من حادث غرق مركب الهجرة غير الشرعية    حقيقة ادعاء سائق بدفع «فلوس» لعناصر تأمين الطريق لتحميل أجانب بالأقصر    «لفقولي قضية في المرور».. الداخلية تكشف حقيقة ادعاءات مواطن بالفيوم    شيري عادل تخطف الأنظار بأداء مذهل في الحلقة السابعة من «فن الحرب»    الليلة.. "مسيرة الحصري" في أمسية رمضانية بقصر الإبداع الفني    أمين البحوث الإسلاميَّة: امتداد السند وصولًا إلى الإمام الطيِّب شاهد على رسوخ الأزهر    نائب رئيس حزب المؤتمر: «صحاب الأرض» نموذج للدراما الوطنية الداعمة لقضية فلسطين    مي عمر تفقد والدها في الواقع بعد ساعات من مشهد رحيله في "الست موناليزا"    وزيرة الإسكان تبحث إجراءات تشغيل "حديقة تلال الفسطاط"    محافظ القليوبية: نشهد طفرة في القطاع الصحي غير مسبوقة    أردوغان يعلن بدء التحقيق بسقوط مقاتلة إف-16    الصيام المتوازن للمرأة العاملة، نموذج غذائي يمنع الإرهاق في العمل    السيطرة على حريق بمنزل دون إصابات بشرية في طما بسوهاج    الخارجية تتابع بشكل مستمر احتياجات وشئون المصريين بالخارج    سبورت: تحركات من برشلونة للإبقاء على راشفورد    الرعاية الصحية تطلق حملة لحماية مرضى السكري من مضاعفات القدم السكري بجنوب سيناء    محافظ القاهرة يطلق فعاليات «أبواب الخير» بالأسمرات لتوزيع 40 ألف كرتونة    25 فبراير 2026.. الذهب يرتفع 40 جنيها وعيار21 يسجل 7000 جنيه    موجة برد تضرب الشرقية.. ورفع درجة الاستعداد لمواجهة التقلبات الجوية    «مديرة المبادرات الصحية»: «المقبلين على الزواج» تطلق حزمة فحوصات لضمان صحة الأجيال| فيديو    اتصال هاتفي بين وزير الخارجية ووزيرة خارجية الفلبين    بمقولة الوطن باق والأشخاص زائلون، علاء مبارك يحيي ذكرى وفاة والده بكلمات مؤثرة    الطفولة والأمومة: خطة متكاملة لحماية الأطفال من المحتوى الضار إلكترونيا    كله هيصرف.. وكيل تموينية قنا يطمئن مستحقي منحة رمضان    جوتيريش يعلن تعيين مبعوث جديد للأمم المتحدة إلى السودان    وزير التعليم العالي: الدولة تدعم تطوير الجامعات التكنولوجية    رئيس وزراء باكستان يجري محادثات مع أمير قطر في الدوحة    بث مباشر مباراة النصر والنجمة اليوم في الدوري السعودي.. الموعد والقنوات الناقلة والمعلق وتشكيل العالمي    الجناح الناعم ل«تنظيم الدم».. كيف كشف «رأس الأفعى» استغلال الجماعة الإرهابية للنساء؟    عدوى وجفاف.. القصر الملكى النرويجى يعلن أخر تطورات الحالة الصحية للملك    وزير الصحة يبحث تفعيل تقنية الروبوت الجراحي لتعزيز المنظومة الطبية..والبداية من «معهد ناصر»    بشرى: المرأة قوية ولا تنتظر رجلًا ليقرر استقرارها    تصريح صادم من «ترامب» حول العاصمة الأمريكية: «خالية من الجريمة»    يارا السكري: مشهد "موت أيمن" في "علي كلاي" الأصعب بالنسبة لي    إدارة الأهلي تتحرك مبكرًا لصفقات الموسم الجديد قبل انطلاق الميركاتو الصيفي    رغيف واحد أفضل من عبادة سبعين عامًا.. قصة من أسرار الصدقة    حكم إلزام الطفل بصيام رمضان.. وما السن الواجبة لأداء الفرض؟    مع سابع أيام رمضان.. موعد أذان الفجر اليوم الأربعاء 25فبراير 2026 في المنيا    أمين البحوث الإسلامية يهنئ أحمد الطيب بالموافقة على إنشاء كلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها بالقاهرة    ماروتا: غير صحيح اتفاق إنتر مع سيميوني    كبار القراء ونجوم دولة التلاوة يحيون سابع ليالي رمضان بتلاوات ندية وابتهالات روحانية عطرة    الزمالك يوضح سبب استبدال عمر جابر في مباراة زد بالدوري    حرس الحدود يفوز علي إنبي بالدوري    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رواية "ملوك الرمال" / مؤيد البصام
نشر في محيط يوم 24 - 10 - 2009


ملوك الرمال.. سرديات علي طريق العالم المدني

مؤيد داود البصام
غلاف
استمرت الرواية خلال عقود يتسيد بناءها السردي، المدينة وإنسان المدينة، وان ظهرت أعمالا اتسمت بروح الطبيعة والريف كروايات إميل زولا أو الصاوي في ثلاثيته، وطه حسين وأخرون، وكتب جاسم الهاشمي ووارد بدر السالم عن إنسان الأهوار ومناطق الأهوار وكذلك محمد شاكر السبع، وعن الريف المصري، وما كتبه تولوستوي، إلا أن هذه الروايات وان اتسم بعضها بالسرد عن الريف كليا، وأطلق عليها الرواية الطبيعية، ولكنها بشكل أو أخر ترتبط بالمدينة، وهو ما جعل السيادة للمدينة دون منازع حتى بعد ما ظهرت أعمال إبراهيم الكوني الذي كرسها، للكتابة عن الصحراء وأهلها وكل ما يعنيها، فخرق البعد الذي تأسست عليه الرواية، ولا يفوتنا ما كتبه اكزوبري في وصف الصحراء من علي ظهر الطائرة، وما نقله لنا من بهجة رومانسية، في لحظة الغروب والشروق علي رمال الصحراء.
ولكن علي بدر الذي كرس جملة أعماله الروائية للتحدث عن المدينة وابن المدينة، والصراع الفكري والاقتصادي والاجتماعي، وما تمخض عن هذه الصراعات في تركيبة المجتمع العراقي، وتأكيده في كل أعماله علي الهوية الوطنية للإنسان العراقي، بغض النظر عن الاختلافات العرقية والدينية والطائفية، محاولا أن يخلط الخيال بالواقع، لإبراز حالة التوحد التي يعيشها الإنسان العراقي، والتمزق حالة تأتي من خلال ضغوطات خلفية، ولهذا ابرز الاهتمام بالماضي كحالة مترسخة في ذهن الفرد العراقي، كما نجده في رواية "شتاء العائلة" وتمسك العمة بادخار المقتنيات من الأفرشة، والملاعق والسكاكين.....الخ التي تشعرها بالارتباط بالماضي، وفرضت العزلة علي نفسها لتستمر في العيش مع ما تحب، حتى يتكشف لها أن هناك عالماً أخر يتحرك وهي ساكنة، وليس أدل علي ذلك من إيقادها الشمعدانات، مع وجود الكهرباء، ويتجلى هذا النسق الذي يؤكد عليه برفض الهوية الفرعية والتمسك بالهوية الأم، في رواية "حارس التبغ" التي تعد هي ورواية "بابا سارتر" أوضح معني علي تكريس أعماله في بحث الهوية الوطنية للإنسان العراقي، وبالذات الشخصية العراقية المتخلصة من روح البداوة والريف، ولها بنائها الحضاري، وتحليل ظواهر أدعياء الثقافة، من خلال خلق نماذج مقاربة للواقع لوضعها تحت المجهر، والسخرية منها، لتعريفها بان الأخر مدرك هزالتها ودعائها.
وفي مقابلة مع ايمن عصفور في صحيفة العرب القطرية، يتحدث علي بدر، عماذا يريد في سردياته "ان الهويات القاتلة التي أحدثت الحرب الطائفية في العراق هي اختراع، وهي مقتربات سردية، هذه الهويات ليست جوهرا ثابتاً مطلقا، وهي ليست معطي، بل يمكننا الدخول فيها والخروج منها بصورة مطلقة الاعتباطية"، بهذه العبارات الأنفة يمكننا فهم سرديات البدر، والدخول إلي عالمه الذي استخدم فيه التقنيات الموصلة لما يريد، إلا انه في روايته الأخيرة "ملوك الرمال" يتجاوز مفاهيمه المدنية في بنائه السردي، الذي يعتمد كما اشرنا علي الصراعات الفكرية والاقتصادية، ويمظهرها علي البنية الاجتماعية كأشكال بصورها التي تظهر فيها كحراك بين أفراد في نزاعات طائفية أو عرقية أو دينية، و يعتبرها خارج إطار الشخصية في بنائها الأساس، ولهذا اختار في معظم رواياته شرائح من طبقات معينة، ويركز علي أشخاص من الوسط الثقافي علي مختلف أنساقه، لسبر أغوار طبيعة الفرد العراقي والمؤثرات التي تقع عليه وتصوغ حياته وطبيعته النفسية، ولكنه في رواية "ملوك الرمال" يتجه لرؤية الصراع القائم بين البداوة كواقع موجود قبل ظهور المدنية وله تراثه وتركيبته الخاصة به، وبين المدينة، في بنائها الحديث، وتعارضاتها مع البداوة، كمفهوم وأساس لحياة متطورة ومتغيرة، يعمل فيها الإنسان لقهر الطبيعة لصالحه، بينما يستمر البدوي في مصالحة الصحراء .
النقاء في صراع الوجود
من اجل أن يظهر صورة الصراع بالوجه الذي يتحقق فيه الضد، بكل أنساقه التي يجب أن يكون عليه، ويبرز الفعل لتحقيق نهاية الحدث الدرامي، المشكل للرؤية المستقبلية، علي ضوء محمولات النصر وإثباته بظهور حالة علي حالة، لجأ إلي عزل شخوصه عن أي تماس بين حياتهم الصحراوية وبين المدنية لخلق حالة النقاء الذي يجب أن يتحقق لإيجاد مقومات هذا الصراع "بهذا الصراع الخفي بين الطبيعة التي كان يمثلها منور وبين مقاومة الطبيعة التي كان يمثلها الضابط" ص37 - الرواية، وهو الصراع الأساسي الذي بنت عليه الحضارة ووجودها وانتصارها، وان رمز إلي الماء والنهر كبعد علي اختلاف الوجهين، في نهاية الرواية، بمخيال لأجل تكثيف الحدث وإعطاء بعده الدرامي، " وجعلنا من الماء كل شئ حي "، كما أوحي لنا ببكاء جساس وقوله "لو كان عندنا اللي عندكم ما تذابحنا " - ص133، إلا انه أراد الإيحاء بفكرة حركة جريان الماء التي تحمل ديالكتيك الحياة في تبدلاتها، وسكونية الحياة في البادية، وعلي الرغم من اعتراف الراوي بان البداوة هي الأكثر تأثيرا في حياة أبناء هذه المنطقة من التطورات الحضارية، وتأثيرها في تاريخ البشرية، "إنها خزان التراث البشري كله، والتي تنتج الأديان والعلوم والأفكار، إنها الصورة الأولي والميثولوجيات التي شكلت المفاهيم، والأخيرة هي التي شكلت عالمنا الذي نعيش فيه علي نحو إستعاري"، ص115، إلا انه ينتصر لتأثير المدنية، حتى عندما يطلق سراح جساس، وهو يري ما تحدثه التطورات الحضرية من دمار في بلده.
تتحدث الرواية عن وحدة عسكرية من ثلاثة أشخاص برتب عالية، تعرضت إلي كمين علي يد مجموعة من البدو في الصحراء الغربية، المتاخمة لصحراء السماوة، ومن ثم صدور أوامر لأقرب وحدة لمعالجة الأمر، أما بجلب مرتكبي العمل بقيادة البدوي جساس من قبيلة جدلة، او القضاء عليهم، وأساس البنائية التي تحكم السرد في الرواية، متمثلا بالصراع بين البداوة والحضارة كما سبق الإشارة إليها، بين إنسان البادية المتمثل بمنور وجساس وابن المدينة المتمثل بالضابط رعد والراوية، وان تحول الصراع بعد مقتل أو اختفاء الضابط علي يد جساس إلي الراوي، إلا انه يحسم الصراع عندما يصل لنقطة" فبماذا تجيب حياتي أمام هذه الحضارة التي تغرب، وهذه الصحراء التي تنهض" ص135، ليبرر نهاية الحدث في الرواية.

والرواية تبدأ عندما تصل الوحدة إلي ارض المعركة ويكتشف الراوي جهله بالصحراء وحياة البداوة إلا مما سمعه "في الواقع لم أكن اعلم شيئا عن الصحراء ذلك الوقت، ولا اعلم أي شئ عن البدو الذين علينا ملاحقتهم "،ص25، يكتشف الراوي عمق الفجوة بين الإنسان البدوي والإنسان المدني "كان النقيب يحاول أن يقهر الطبيعة بقراراته وأوامره، وكان منور بشكل ما، يسخر من هذا الضابط الرياضي، ابن المدينة بعضلاته المفتولة وشواربه المنسقة وأسلحته الفتاكة وهو يصبح ألعوبة بيد هذه الطبيعة القاهرة التي يسخرها هنا بنو جدلة لخدمتهم ).ص37، يقتل أعضاء الوحدة الواحد تلو الأخر بغارات مفاجئة من قبل البدوي جساس ومجموعته، ويكتشف النقيب أمر الوحدة متأخرا خيانة دليلهم البدوي من عشيرة بني جابر الموالين للسلطة والمتناحرين مع عشيرة بني جدلة، وينتقل بنا علي بدر بحركة سريعة في أرجاء الصحراء، لمطاردة جساس من قبل النقيب المكلف بالمهمة ومجموعته، ثم تتحول بعد مقتل المجموعة إلي الجندي الوحيد الذي نجي وهو الراوي، ويروي لنا تحولات مسيرته عبر الصحراء ووصفه لها، وكيفية العيش فيها، والنقطة المهمة التي يكتشفها، أن الصحراء "الماضي والمستقبل يمكن أن يكونا هنا في الصحراء في وقت واحد، لأنه لا تعاقب هنا مطلقا، في المدينة تري الماضي مرسوما علي الجدران المتأكلة" ص40، وخلال رحلته وهو يجوب الصحراء يدرك الإجابات علي أسئلته التي بدأها، إلي أن يتمكن من اسرجساس بواسطة قبيلة بنو جابر المتحالفين مع الحكومة والجيش، ولكن الصراع في أعماقه، بين المعرفة والتجربة توصله للحسم والاختيار، بعكس ما جاء به من انطباعات.
صور الصراع
تعتمد بنائية أعمال علي بدر الروائية علي كشف زيف العلاقات في المدينة، والسخرية من أدعياء الثقافة، والتأكيد علي وحدة الشخصية العراقية في بنائها العام، وتعددها وتشظيها في خصوصياتها، ويتخذ من الأسلوب البوليسي لتتبع الأحداث والإثارة المسار الرئيسي في العملية السردية، ولهذا فان أعماله السابقة هي تصادم وصراع بين أفراد وشخصيات تظهر كفقاعات دون أن تؤثر في المجري العام، ويضع السخرية كهامش نقدي وليس البناء الأساس، أما في روايته "ملوك الرمال" فان الصراع يدور بين مفهومين، ومجتمعين، وفلسفتين للحياة وبناء اجتماعي متغاير ومتباعد كليا في نسق المعيشة والمفاهيم والعادات والتقاليد، وهو المسار الذي تتخذه الرواية، "أما طرد بني جدلة من الصحراء فهذا مثل طرد الرمل من الصحراء "، ص91 . والراوي يدرك هذه الحقائق عندما تبدأ يعيش الحقائق علي ارض الواقع التي هي غير الآراء والأفكار التي تنميها المدنية في عقل أبنائها، ويدرك أن الحرية في المدينة من اختراع الإنسان متزامنة مع اختراعه القيود والسجون وتكميم الحريات، وابتداع أساليب استلاب الإنسان واستغلاله وقهره، لمصلحة أفراد منتفعين بقهره وقهر الطبيعة، في الوقت الذي يمتلك البدوي حريته من طبيعته الحرة في تأمل الطبيعة والانسجام معها كما هي ببرائتها وعنفوانها وما تمنحه من طيبة وشرور، فهو لا يتصارع معها وإنما يتجانس معها "يجد حريته في الاستجابة لها لا في معاندتها، انه لا يخلق شيئا ممانعا أو مضادا مثل سكان المدن الذين يخلقون كل شئ لقهر الطبيعة" ص41 .

صراع الاضداد
إن رواية "ملوك الرمال"، المسرودة في مئة وأربعين صفحة من القطع المتوسط، والتي قسمها إلي ثمانية وسبعين فصلا، لم يضع لها عناوين وإنما أعطاها أرقاما، تمثل عبورا جديدا في الرؤيا الفلسفية لدي علي بدر، وان استمر علي نفس النسق في بنائيته السردية، باستخدام الحدث البوليسي في المطاردة، والوصف الدقيق لعين الكاميرا لكل ما يصادفها بأدق التفاصيل، ويحلل شخصياته علي ضوء رؤية نقدية تأخذ الجوانب النفسية والاجتماعية لها، ومؤثرات البيئة والثقافة السائدة، ويخلط بعض الشخصيات بين الواقع والمخيال، إلا انه بأسلوب سردي ممتع يمنح لها وجودا واقعيا، ولهذا فهو في تخيلاته لا يبعدنا عن الواقع إنما يشدنا إليه، ويستمر أسلوبه الغنائي الذي يستخدم اللغة بجمل ومفردات تحمل المتلقي علي الاستمتاع والنشوة، وتحدث عنده التأمل والدهشة، فهو ينتقل في هذه الرواية من صراع الأفراد إلي صراع الأفكار والمفاهيم والعلاقات الإقتصاية والاجتماعية.
ممن بداية الرواية يضعنا علي بدر في صلب الحدث من خلال الوصف الذي يتحرك ضمن إلية استدراج القارئ لمعرفة ما خلف هذا التشويق، وهو بهذا ينجح في كل أعماله من جر المتلقي للمتابعة بشوق، بلغة سلسة وشاعرية، فيصف المكان من كل جوانبه ثم ينتقل إلي الأشخاص، وبعد أن يستكمل توضيح الأبعاد التي وضعها لشخوصه، ينتقل إلي التشويق بان يجعل الفعل ضمن نطاق الغموض لملاحقة اللعبة البوليسية في كشف السر، بأسلوب الريبورتاج الصحفي المتسم بتكوينه الأدبي المشوق، بخلاف التقارير الصحفية التي تكون عادة جافة لمباشرتها، ولغتها التقريرية، بني الصراع الأول سرديا بين الضابط رعد والدليل للوحدة القتالية التي ذهبت لتنفيذ المهمة من قبيلة بني جابر"منور" ولكنه كما هو أسلوبه في اغلب أعماله يجعل الصراع الرئيسي الذي أوهمنا به في البداية، يتراجع إلي صراع ثانوي وينبثق من خلال السرد الصراع الرئيسي والذي تتركب عليه ثيمة العمل، كما نجدها في روايات همنغواي، اذ تبدا بحدث ينبثق منه حدث، لتتحول الأحداث إلي جهة أخري .

ويمكن ملاحظة بنائية الشخصيات من خلال الوصف الدقيق الذي يقدمه والذي لا يخلو من القصدية، فهو يصف الضابط رعد كما يصف آلة الحرب، بطائراتها ودباباتها وجنودها والصخب الذي يرافقها، فيعطي للرهبة بما تحمله الحضارة من قوة وجبروت، فالضابط رعد مفتول العضلات ورياضي ومعتد بنفسه "كان يثب من مكانه أمامنا بالقوة ذاتها التي رأيناه فيها وهو يهرول في القاعدة ويحمل بندقيته وقفازاته "، ص42 . الوصف الذي يجعلنا نتصور ما تعنيه المدينة وكيف تربي إنسانها، بينما يصف منور البدوي ما يشبه الغزل، "كان وجهه الغريب والأسمر الصافي وهو ابن العشرين غريبا علي أبناء المدن، كان بنصفين، نصف وجهه قاس جدا ومخادع وماكر، والنصف الأخر بالغ الرقة والجمال حتى لتغدو ابتسامته التي يستأثر بها هذا النصف، أنثوية، وهناك خصلة من شعره الأسود الفاحم تنحدر علي جبينه، وكان يطوح بها وهو يتكلم كما لو كان يتكلم معنا صبي مستاء" ص41 .
ويستمر في بناءه السردي بناء علي الدلالات التي يقدمها في الاختلاف بين البادية والمدينة زمانا ومكانا وبشرا، ويقارن بين اللاجدوي في كل ما يحدث وكأنه عبثا يشبه أفلام السينما، وهو ما يحقق الطروحات السابقة التي بناها علي الأفراد ليسحبها علي المؤسسة الحاكمة، والتطورات التكنولوجية العالمية فبدلا أن تكون لصالح الإنسان، تتحول إلي غول ينهش وجود الإنسان وما قام به من تطورات لفقدانها الروح التي تقود هذا البناء، بينما تستمر الروح التي خلقت أوائل البحث عن الحقيقة، "إنها رمال ذهبية وأحجار ثمينة وآثار ثمينة وآثار سومرية وبابلية قديمة، وهناك في الطرف القصي يأتي إبراهيم وكنزه الأسطوري الذي دحر بروحانيته الشرقية الكون كله، انه صاحب هذا الكنز الروحي العجيب الذي لم يشوهه ماضي الحضارة الطويل والخالي من التناغم الداخلي، انه إبراهيم في صحرائه التي حققت لنا كونا كاملا، وعالما روحيا منسجما بلا فساد، ولا رتوش، ولا عيوب من أي نوع كان، أما البدوي فهو هذا المتوحش الطيب، سليل ذرية إسماعيل، والتراث البابلي والسومري، هذا الكائن في الصحراء، الذي وجوده هو غزل برئ، وأرضه جنة عدن حقيقية" ص135-136.
هذا الفراغ الهائل في جدب روح إنسان المدينة التي يبوح بها الراوي حينما يجد نفسه وحيدا في الصحراء بعد مقتل جميع أفراد الوحدة، ليبحث كسائر أبناء المدن في الاعتماد علي الأخر قبل أن يفكر بحلول أو إيجاد الحل بالاعتماد علي ذاته، لكنه يطوع ذاته بعد ان يختبر وجوده في هذا الوجود المترامي الأطراف، بلا حدود، أو يضع أقدامه علي موقع استقرار وملكية مكان محدد.
الاستنتاج
رواية " ملوك الرمال" الاسم يوضح إعجاب الكاتب وانحيازه النهائي إلي هذه البقعة من الأرض، ويحسم موقفه للمكان "غير أن وجودي بها أشعرني بأنها عالم مكتنف بالغموض، ومحاط بنوع من الجمال العصي علي الوصف، نوع من الفردوس الذي كان غامضا نسبة لي، ولأمد طويل " ص135، ولكنه لا يستطيع التخلص من ارتباطه بمفاهيم المدينة، عندما يقرر جر جساس لتسليمه إلي السلطات، إلا عندما يري بأم عينيه ما يحدثه الممسكين برقبة الحضارة وما يفعلونه ببلده من دمار وتخريب، وكل ما يعملونه هو بإرادتهم وبفعلهم، فهم من أبدع الحروب وهم من يقودونها وهم يخربون ما أنتجوه ويسحقون من يقف ضد مصالحهم الخاصة، فيحدث الارتداد ليطلق سراح جساس.
إن الأبعاد الفكرية التي اشتغل عليها علي بدر منذ البداية في سرده قدمت عملا رائعا، يحمل طاقة تعبيرية جاءت منسجمة بالتدرج في الانحياز الفكري والفلسفي، والتحول في المفاهيم من خلال الوعي بذات الأشياء من دون الوقوع في أسر الآراء المسبقة، وقاد عملية التحول بلغة أسرة، وعلي الرغم من خلط البدر الواقع بالتخييل إلا انه ذو قدرة علي جعل المتلقي ينشد ويستمتع ويتناغم مع الوصف للطبيعة والأشخاص، فيجعل من المخيال واقعا، وممارسته أسلوب اللعبة البوليسية في تحريك الأحداث، تبرهن عن قدراته التي تأخذ موقعها في البناء السردي الذي تسير مع الطروحات الفكرية والآراء بكل جدارة، إلا إني ما لم أتوصل إليه في التفسير، أن علي بدر في كل أعماله أتقن الصنعة وقلما يقع في فخ الفجاجة والمباشرة والجنس لأجل الجذب، والسؤال ما الذي يدعوه للكتابة عن مشاهد جنسية، في الوقت الذي لم تكن الرواية بحاجة لها في سياقها العام، وكان من الممكن أن يجعلها حلمية، ويبعدها عن سياق الواقع، كما سبق له في أعمال سابقة، لأنها لم تؤثر علي البنائية السردية، بل أضعفة الجزء الأخير من الرواية وما جعل الرواي تستعد قوة اندفاعها في البداية، موقف الراوي الأخير، ولو رفع المقطع ال "72و73" لما اثر علي سياق الرواية وإبداعها ونضوجها.

** منشور بصحيفة الزمان في 23/10/2009


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.