ماذا لو انهدم المسجد الأقصى اليوم؟ هل سيكون من الطبيعي تقبل فكرة أن تكون بيانات الشجب والإدانة التي اهترأت في أفواه مردديها، هي ردة الفعل المناسبة للفعل المشين؟ الإجابة بالغة الصعوبة بالتأكيد، رغم أنها تتلخص في كلمة واحدة مكونة من ألف ولام وأربعة حروف: الجهاد. لماذا؟.. لأن "الجهاد" وحده يكون مفروضًا على كل مسلم ردًا على عدوان صهيوني متوقع بين لحظة وأخرى ضد ثاني أهم رمز ديني- بعد الكعبة- بالنسبة لنحو مليار مسلم. وإنه لمن السخرية المريرة أن دعوة كتلك، في وقت كهذا، لابد وأن تواجهها الأبواق الرسمية في كل مكان باتهامات من عينة (تقول جهاد.. يبقى أنت أكيد إرهابي) .. وهى بالطبع اتهامات لا يراد من مروجيها سوى إخفاء عجزهم السياسي، ومحاولة طمس حقيقة واضحة كالشمس، وهى أن عدوانا ذي طابع ديني قد بات وشيك الوقوع ضد المسلمين وأن الرد عليه لن يكون سوى على الخلفية ذاتها، ولا بدائل أخرى لا سياسيا ولا دبلوماسيا. ولمزيد من تعرية هذه الحقيقة دعونا- على سبيل المثال- نستدعى مشاهد تلك الحملة الشرسة التي تعرضت لها مصر أوائل العام الحالي، فور وقوع الحادث الإرهابي الشهير بمدينة نجع حمادي، والذي راح ضحيته أشقاء من الأقباط المصريين بيد مجرم آثم بكل المقاييس. والمثير للدهشة البالغة هنا أن أولئك الذين قادوا هذه الحملة ضد مصر، سواء كانوا منتمين لمؤسسات رسمية أو منظمات حقوقية مستقلة، كلهم منتمون بدورهم لمجتمعات غربية "علمانية"، لا تزيد علاقتها بالدين عن علاقة كاتب هذه السطور باللغة الصينية (!!).. وحيث تفجرت ولم تهدأ بعد، تصريحاتهم النارية المناصرة لأقباط مصر ضد (العدوان الغاشم والشامل) الذي يشنه عليهم الإرهابيون من المسلمين، وقد طالت الاتهامات ذاتها الحكومة المصرية لدعوى أنها المضطهد الأكبر للأقباط! مشهد آخر نستدعيه لنسقط به آخر الأقنعة الزائفة حتى تتعرى الحقيقة كاملة، ولنتخيل معًا أن "الفاتيكان"- المدينة المسيحية المقدسة- قد تعرضت اليوم لعدوان إرهابى من أية جهة متطرفة تزعم انتمائها للإسلام .. أَلن تنتفض أوروبا كلها سياسيا وعسكريا ثأرا لأهم رموزها الدينية وعقابا للمعتدين وغزو بلادهم، وربما البلاد التى بجوار بلادهم؟؟ أَلن نرى الرئيس الأميريكى "أوباما" يستعير التعبير الشهير لسلفه "بوش" معلنا "حربا صليبية" جديدة ضد أعداء الرب؟؟ إن نموذج لرد الفعل هذا ليس ببعيد عنا، بل هو قائم بالفعل وقد جسدته الولاياتالمتحدة فى كل من "العراق" و"أفغانستان".. والمعروف أن الحرب على خلفية دينية يطلق عليها "الجهاد" من منظور إسلامى، إذن: لماذا يكون "الجهاد" حلالا للغرب عندما يتصدى لمن يحاول الاعتداء على ما يراه مقدسا، بينما يكون حراما على الشرق إذا فكر فى الدفاع عن مقدساته؟؟ هذا هو السؤال .. وهو أيضا إجابة ما طرحناه آنفا، أما الحقيقة فهى واحدة دائما.
* كلمة أخيرة: من يزعم أن ضياع المسجد الأقصى أو مسئولية الدفاع عنه تقع على عاتق "الفلسطينيين" وحدهم، تماما كمن يرى أن مسئولية الدفاع عن الكعبة المشرفة ضد أي عدوان هى مسئولية "السعودية" وحدها، تماما كمن يزعم أن مهمة الدفاع عن "الفاتيكان" يقع عبؤها على "إيطاليا" .. وكله محض هراء.