رئيس المحطات النووية ومحافظ مطروح يبحثان دعم مشروع الضبعة    رئيس مياه القناة يشدد على استغلال الأصول غير المستغلة وتقليل تكلفة التشغيل    زلزال بقوة 5.2 ريختر يضرب شينجيانج شمال غربي الصين    أوربان: الأوروبيون سيضرون أنفسهم بتقديم 800 مليار يورو لأوكرانيا    المتهم بقتل حماته يمثل جريمته في مسرح الجريمة بطنطا    حسن مصطفى: منتخب مصر قادر على فرض أسلوبه أمام كوت ديفوار    بيان الجابر وباسندوة: بوصلة سياسية لتعزيز الدولة واستقرار اليمن    بينهما طفلان، ارتفاع عدد ضحايا حادث موكب الزفاف في المنيا إلى 4 وفيات    بناءًا على توجيهات محافظ المنيا.. نائب المحافظ يزور مستشفى صدر المنيا لمتابعة حالة المصابين    طلاق نيكول كيدمان وكيث أوربان رسميا بعد زواج دام 19 عاما    صدور «ثلاثية حفل المئوية» للكاتبة رضوى الأسود في معرض القاهرة للكتاب 2026    أحمد مكي يتصدر تريند مواقع التواصل الاجتماعي.. لهذا السبب    إصابات بالاختناق خلال اقتحام الاحتلال بلدة عقابا شمال طوباس    إعلام: فنزويلا والولايات المتحدة تجريان محادثات لتصدير النفط الفنزويلي إلى أمريكا    تير شتيجن يغادر معسكر برشلونة فى السعودية للإصابة    الأسهم الأمريكية تعزز مكاسبها قبل ختام التعاملات    مقتل شخص خلال احتجاجات لليهود المتشددين ضد التجنيد    محافظ مطروح يهنئ الأخوة الأقباط بعيد الميلاد المجيد    جمعة: منتخب مصر «عملاق نائم»    يوفنتوس يكتسح ساسولو بثلاثية في الدوري الإيطالي    تقارير: يونيفرسيداد يحدد سعر بيع «هدف الأهلي»    كأس عاصمة مصر - تعادل الاتحاد السكندري وزد في صراع خطف وصافة المجموعة    تقرير: عموتة والشعباني ضمن المرشحين لتدريب منتخب تونس    محافظ الغربية يشارك في قداس عيد الميلاد بكنيسة ماري جرجس بطنطا    وزير الزراعة: مضاربات في السوق على أسعار الكتاكيت.. والارتفاعات غير مبررة    وزير الزراعة: أسعار «الكتاكيت» مبالغ فيها.. وأتوقع انخفاضها قريباً    ارتفاع عدد ضحايا حادث موكب حفل الزفاف بالمنيا إلى 3 وفيات و16 مصابا    أسماء ضحايا حادث تصادم ميكروباص بسيارة موكب زفاف في المنيا    متحدث الري يكشف تفاصيل حملات إزالة التعديات على مجرى نهر النيل    خطاب التماسك الوطني.. ماذا قال الرئيس السيسي في الكاتدرائية؟    ستارمر: تحالف الراغبين يعتمد إطارًا لنشر قوات دولية في أوكرانيا بعد السلام    وفاة المطرب ناصر صقر بعد صراع مع السرطان    تعليق مفاجئ من مصطفى كامل على مشاكل النقابة الأخيرة    ضحك وإشادة من خالد جلال على مشهد ارتجالي طريف في كاستنج.. فيديو    رئيس الوزراء: اجتماع الأسبوع المقبل لمتابعة صعوبات تسجيل الوحدات البديلة للإيجار القديم    الأرصاد: غدا طقس دافيء نهارا شديد البرودة ليلا.. والصغرى بالقاهرة 12    فريق إشراف من الصحة يتابع سير العمل بمستشفى حميات التل الكبير بالإسماعيلية    محافظ القليوبية يعقد اللقاء الجماهيري بالقناطر لحل مشكلات المواطنين    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    هل يجوز الحلف بالطلاق؟.. أمين الفتوى يجيب    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    شركة "بي بي" تؤكد التزامها بتعزيز استثماراتها في مصر وتسريع خطط الحفر والإنتاج    إصابة 3 أشخاص في انقلاب سيارة ملاكي أعلى محور حسب الله الكفراوي    خاص: حكاية " الليثي" قاتل والده بقنا.. الإدمان رفض ان ينتهي بجولات "الدعوة" والتردد على" العباسية "    المخرج رامي إمام ضيف برنامج فضفضت أوي الليلة    محافظ أسوان يشيد بنجاح 6 تدخلات قلبية فائقة بالدقة بمستشفى النيل بإدفو    طريقة عمل الأرز المعمّر، الحلو والحادق طبق مصري بنكهة البيت    طلاب التربية العسكرية بجامعة كفر الشيخ يواصلون مشاركتهم بحملة التبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    وفاة المخرج المجري بيلا تار عن عمر 70 عامًا    وفد من «مستقبل وطن» يهنئ كنيسة العذراء بالتل الكبير بعيد الميلاد المجيد    برلمانية: ملفات الصناعة والتجارة على رأس الأولويات لتحقيق التنمية    تحت رعاية مصطفى مدبولي.. «أخبار اليوم» تنظم معرض الجامعات المصرية في السعودية    4 أطعمة تحتوي على أحماض أوميجا 3 الدهنية    المهمة الخاصة ورحلة الحياة ..بقلم/ حمزة الشوابكة.    محافظ الغربية: استعدادات شاملة لاستقبال عيد الميلاد المجيد ورفع درجة الجاهزية بمحيط الكنائس    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    الجزائر والكونغو الديمقراطية في مواجهة نارية.. من سينتزع بطاقة دور الثمانية؟    الجزائر في اختبار صعب أمام الكونغو الديمقراطية.. من سينجو ويبلغ دور الثمانية؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بعد غياب 20 عاما.. ''أديب الشباب'' يخرج من عزلته - (تحقيق)

طوال سنوات مضت، ظل اسمه يتردد في الأذهان، يظهر كشبح من خلال عبارات تأبى على الطمس أعلى جدران القاهرة، وأشرطة مباريات كرة القدم التي تحمل جزءًا من روحه، فيما يتندر أولئك الجالسون على مقاهي وسط البلد عن ذلك الذي أفنى عمره في الدعاية لأعماله، بينما بات في طي النسيان. حاولنا التنقيب خلف سيرته، البعض أكد أنه رحل عن عالمنا وآخرون حاكوا حوله الخيالات، بينما تمكنا من الوصول إليه، والبحث في مسيرته المضطربة من الشهرة للخفوت. كيف نسج عالمه الخاص ولماذا غاب فجأة عن الأنظار؟. تتبعنا خطوط سار عليها منذ 4 سنوات مضت، لم تسنح الفرصة للقاء، تواصلنا مع من حوله، من عاصره، ومن أشاد به، ومن انتقده، ثم فتح إلينا الأبواب أخيرًا، وسمح لنا باللقاء، وجدناه وأفكاره متناثرة، يود الكتابة من جديد، يلعن ظلمة بيت هو ساكنه، خائفُ مُضطرب من كل شيء، تعذيب السجن أثر في وجدانه، وهزّ كرامته، اتخذ ركنًا قصيًا، لم يختر شيئا وأجُبر على حياة يعيشها هو، فيما يتحدث الجميع عنه، هو حالة لم تتكرر، طغت على ألسنة مواطنين عاصروه.. الآن وبعد غياب دام سنوات "أديب الشباب" يعود من جديد.

شقة صغيرة في علية ذاك العقار القديم، صالة تُقابلك ثم غرفتين صغيرتين، ودورة مياه محدودة، مطبخ تحولت منضدته إلى مكتب متواضع، علبة تغرق بداخلها عددًا من أقلام الجاف ذات ألوانٍ عدة، جُدران انفض الطلاء من عليها. المكان مُظلم، اللهم سوى نور إضاءة "السهراية" البسيط، شخصُ يُمدد جسده على ذلك السرير المتهالك الذي لم يجد له مقرا سوى تلك الصالة. آيات من القرآن تنساب من راديو فقير مُعلق بمسمارٍ صُلبِ على أحد الجدران، وصوت أزيز مروحة السقف يدوى، إلا أن الأزيز توقف فجأة، لتسقط المروحة على رأسه فيما هو نائم، هبّ "عفيفي" فزعًا من نومه، وجد نفسه غارقًا في دماؤه، يتحدث قبل أن يشير إلى تلك الندبة التي تعلو جبهته. وبدأ "عفيفي" في كرّ خيط ذكريات بدأ مع منتصف السبعينات ودام أثره طويلا.
ما أن ينتهى محمود عبد الرازق عفيفي، من طباعة إحدى مؤلفاته، حتى يهِم صوب صديقه الوحيد بشارع محمد مرسي بمنطقة الإمام الشافعي، يطرق على باب منزله، فيعرف "حسني شاهين" من تلك الطرقات أن أديب الشباب انتهى من كتاب جديد، يجمع قطعاً من الفحم، يتجه الاثنان صوب أحد الأماكن الاستراتيجية التي يلتفت لها الناس دومًا، يُخطط ب "الفحم" عنوان الكتاب الجديد، ثم يُذيل أسفله بتوقيع "أديب الشباب"، ولا ضرر من إضافة بعض الجمل الطريفة لجذب الانتباه "أحذر الفتيات من قراءة مؤلفاتي". لم تكن تلك الوسيلة الوحيدة لتسويق أعماله "كنت بلزق اعلانات على الأتوبيسات.. أنا طفحت الدم"، وسائل عدة اكتسب بها أديب الشباب شهرته، قرر فجأة اللجوء إلى هذه الطرق، بعد أن تجاهله الصحفيين "كنت ببعتلهم على طول مؤلفاتي عشان يكتبوا عنها، لكن مكنش فيه حاجة بتنزل، وكأنهم شغالين مع المباحث".
حسن شاهين

أينما تذهب تجده تجاهك، تلك كانت رسالته، لم يختر فقط أن يظهر على الحوائط أو أسفل الكباري، خاطب كل الشرائح، غازل البنات والصبية. محبو السينما ومريدو السياسة. حتى الكرة كان لاعبا محوريا في دنياها.
في صباح الرابع من أغسطس 1985، كان حرافيش الكرة يتجادلون فيما بينهم قبل ساعات من لقاء القمة بين الأهلي والزمالك في مباراة دور ال8 لكأس مصر، تلك المباراة التاريخية التي خاضها ناشئو القلعة الحمراء أمام غريمهم التقليدي مكتمل الصفوف، بعد قرار من كبار الأهلي بالعكوف عن المشاركة تضامنا مع محمود الجوهري المدير الفني وقتها، وبينما يتلو المذيع إبراهيم الجويني أسماء لاعبي الفريقين واحدًا تلو الآخر وسط صيحات الجمهور كان هو في ملكوته، يعد العدة كي يظهر في الكادر، لا يُبالي بفرحة المشجعين أو حنقهم، ففي الدقيقة 65 من زمن اللقاء يجري كوارشي لاعب الزمالك فرحا بهدف التعادل الثاني، كان هو يمد ذراعيه بأقصى ما يستطيع فتظهر في الخلفية تلك اللافتة معلنة عن وجوده "أديب الشباب.. محمود عبد الرازق عفيفي".
كانت كل خطوة في طريق "عفيفي" محسوبة، لم يكن الأمر اعتباطيا، أراد الشهرة فأعطاها كل وقته، في ركن قصي أسفل مدرجات استاد القاهرة كان "أديب الشباب" يُخبئ أدواته اللوجيستية "كان معايا كام خشبة وحديدة بثبت بيهم اليفط، وشايلهم في مكان أمان عشان ميرخموش عليا في التفتيش في الداخلة والخارجة"، ومع صافرة المباراة يطل الرجل بعنفوانه كي يعلن للجماهير الغفيرة أنه بينهم لا يتزحزح "مندوبين الإعلانات كانوا بيتجننوا مني عشان يافطتي بتاكل الجو منهم".
يعبث سمير الشقيق الأصغر ل"عفيفي" في لحيته الكثة، يقلب النظر في سقف الغرفة، ثم يقول بأسى "مبقتش أسأل عن أخويا زي الأول" رغم أن ما يفصله عن منزل شقيقه بضعة أمتار قليلة، تتبدل ملامح وجهه وهو يتذكر أمجاد شقيقه وهوايته الأبرز بالكتابة على الجدران "زمان كنت بسافر الكويت، وهناك كانوا مشغلين ماتش الأهلي والزمالك، ولقيت بالصدفة فى المدرجات يافطة متعلقة مكتوب عليها أديب الشباب "قلت فى نفسي: يا أخى هو انت ورايا ورايا" يقولها بوجه تكسوه البهجة.

شقيق أديب الشباب يتحدث لمصراوي
في بداية عمله الصحفي حاول حلمي النمنم، وزير الثقافة الحالي، أن يتتبع خطى ذلك الذي غطت كلماته جدران العاصمة، فيما وجدها بارزة في مداخل محافظات الجمهورية أيضا، بينما يرى أنه لم يعمل أحدا على تقييم كتاباته ومؤلفاته بشكل واقعي "كان اسمه طول الوقت مقترن بالطرافة.. مظنش حد اتعامل معاه كأديب بجد"، يُضيف النمنم في تصريحات خاصة لمصراوي.
لم يقتصر الأمر عند حدود اللافتات، فكر "عفيفي" ودبر، لفتت أنظاره تلك الحمائم التي تطير في بداية كل مباراة في سماء الاستاد، واستلهم منها فكرته النيرة؛ كطفل صغير أحضر مجموعة من "البوص" وخيط "الدُبارة" وصنع طائرة ورقية مغطاه بكيس بلاستيكي شفاف أبيض اللون، تعلوها جملة واحدة خطها صديقه باللون الأحمر "أديب الشباب"، وراح يرفرف بها في سماء استاد القاهرة "فكرت إني لو قطعت الخيط هتقع في أرض الملعب والمخرج هيجيب عليها الكاميرا.. بس نأبي طلع على شونة؛ الطيارة خدها الهوا وطلعت برة الاستاد"، لا يزال "عفيفي" محتفظا بصورته حاملا الطائرة المقطوعة وهو لا يتمالك نفسه من الضحك، لتذكره بأيام خلت كان فيها ملأ السمع والبصر.
صندوق كرتوني صغير، يُلملم فيه "أديب الشباب" ماضيه، ما بين قصاصات جرائد لخطابات القراء تشكو من "مُلوث الجدران"، صور تعود إلى سنوات الصبا، قصص الرومانسية التي خاضها داخل الجامعات، كارنيهات كلية الحقوق التي لا زال يحتفظ بها، مقتطفات لحوارات صحفية، مكاتبات خاصة بعمله وكروت دعاية لانتخابه رئيسًا للجنة الثقافية بكلية الآداب –قسم اللغة العربية- التي انتسب لها لاحقا "أخي الطالب.. صوتك أمانة لا تعطيه إلا لمن يستحقه.. وأخيك الطالب محمود عبد الرازق عفيفي جدير بحمل هذا اللقب وتحمل المسئولية والأمانة التي ستُلقى على عاتقه"، قبل أن يستوقفه كارنيه يحمل هويته وقت أن كان موظفًا مدنيًا ممهوراً في أعلاه عبارة "الرابطة العامة لموظفي وزارة الداخلية"، ورقم 7614 لملف العضوية لأديب الشباب.
كارنية الرابطة العامة لموظفي وزارة الداخلية

في أحد صباحات العمل الرسمية من عام 1979؛ همّ محمود عبد الرازق عفيفي إلى عمله كالمعتاد، داخل مبنى وزارة الداخلية، كان له مكتبًا خاصًا، لافتة خشب صغيرة على مكتبه تُعرف الوافد إليه من هو "محمود عبد الرازق – باحث قانوني"، إلا أن أيام عمله بمقر الوزارة بلاظوغلي، لم تستمر، لغضبه من فساد زملاؤه من الموظفين "نقلوني الإدارة العامة للشئون الإدارية بالدراسة"، لكنهم ما لبثوا أن أصدروا له قراراً بالنقل مُجددًا، وهذه المرة إلى الوادي الجديد "رفضت أنفذ القرار"، سجالات وجدالات ومشاجرات ومكاتبات بكلمات من الرصاص وبلغة أدبية رشيقة وبديعة، من أديب الشباب إلى وزير الداخلية ورئيس الجمهورية، حتى انتهت بمكالمة هاتفية له من مسئول بالوزارة "أقعد في البيت يا محمود لحد ما الدنيا تهدى، ومرتبك هيوصل لحد باب البيت"، واستتب الأمر، لكن ذلك أيضا لم يدم طويلا.
في هذه الأثناء كان أديب الشباب يمارس مهامه اليومية بتسويد الجدران وطباعة كتبه. في مطبعة النصر بشارع الجيش كان الحاج "البكري عبد العزيز" يفتح ذراعيه لأديب الشباب، يطبع لديه 5 آلاف نسخة لكل كتاب، فيما يتولى باعة الجرائد في الميادين العامة مهمة التوزيع ويتابعهم "عفيفي" عن كثب "وعملت شكر للأهرام والجمهورية عشان ساعدوني في توزيع كام كتاب" يتذكر عفيفي التفاصيل كأنها الأمس.
في الصفحة السادسة من كتابه "حكاوي الغواني"، وبعد حديث عما أسماه "تطور التفكير الجنسي عند المسلمين والمسيحيين" تبزغ صورة أديب الشباب على صفحة كاملة في إعلان مذيل بلقبه واسمه وعنوانه بمنطقة التونسي بالإمام الشافعي، ومرفق رقم تليفون أرضي وكأنه يشير إلى قُراءه أن كاتب السطور تحت الطلب، لا يبخل على متابعيه بالنقاش أو المشورة.
"هو ظاهرة في الوسط الثقافي بلا شك" يقول الكاتب حلمي النمنم، وزير الثقافة لمصراوي، في إشارة إلى أديب الشباب، موضحا أن ظهور "محمود عبد الرازق عفيفي" كان مثارا لحديث الجمهور من العامة وكذلك المثقفين، غير أنه يعتبر المجهود الذي بذله "الكاتب اللغز" حينها لم ينتج عنه أي أمارة إبداع "الفلوس والوقت اللي ضيعهم كانوا ممكن يساهموا في تطوره، لكن يبقى مجرد شخص محدود الموهبة كان يتعجل الشهرة بشكل ملفت للغاية".
لا يمل عبد الرازق عفيفي من السرد في موضوعات غير مترابطة، يدخل من موضوع لأخر، في أقل من 10 صفحات يروي قصص حبه التي لا تنتهي بدءًا من الطفولة مرورا بالجامعة وعشقه لفتاة فلسطينية وليس انتهاءً بزعمه لعلاقات تصورها مع فنانات كشيرين سيف النصر وفيفي عبده وليلى علوي، ومع كل قصة يغوص الأديب بخيال جامح، خفيف الظل، لا يخلو من بحث عن مركز الأضواء، يقول في حوار صحفي "منى عبد الغني والشرطة والأزهر يطاردونني"، ويرسل إلى الكاتب الصحفي عبد الوهاب مطاوع رسالة ساخرة عبر بريد القراء بالأهرام نصها "شوف لي عروسة من أسرة متوسطة، لا تعمل، بيضاء لا شية فيها".
"ظاهرة موجودة في كل الأزمان" هكذا يصنف الدكتور محمد بدوي أستاذ النقد الأدبي بجامعة القاهرة، محمود عبد الرازق عفيفي، مشيرا إلى أنه خير معبر عن ذلك الأدب غير الرسمي، الذي لا ترضى عنه السلطة/ المؤسسات (دينية/ أدبية/ سياسية). فأديب الشباب كما يراه "بدوي" بطل في دنيا الهامشيين الذين لا صوت لهم، أولئك القابعون خارج المتن، الباحثون عن تسلية بسيطة، فكاهة، شخص يتحدث مثلهم دون تقعير أو عبارات خلابة "اللي شبهه طول الوقت بيوصل للناس ع القهاوي وفي الأتوبيسات".
ويؤكد أستاذ النقد الأدبي أن كتابات أديب الشباب لم تكن ذات طبيعة ركيكة كما يحلو للبعض وصفها، وإنما كان صاحب قدرة كبيرة على السرد الشيق حتى وإن خلا من بناء تقليدي، ويتمتع بخفة دم ظاهرة، علاوة على أنه متأثر للغاية بصورة المثقف الكلاسيكي؛ ذلك الذي يتحدث في كل شئ "تلاقيه بيقول رأيه في الجنس والدين والفن والرياضة يمكن في نفس الصفحة".
في سن الخامسة والخمسين قرر ذلك الذي شابت رؤوس الفنانات من أجله –كما يحلو له أن يسرد في مؤلفاته- أن يركب قطار الزواج، داخل شارع صغير متفرع من سوق باب الشعرية طرق "عفيفي" الباب، مرتديا أزهى حُلة بدأ يحكي عن نفسه في فخر، كلماته التي تتناثر في الأفق، واسمه الذي طاف محافظات المحروسة وحفر في كل ركن، قبل أن تتلعثم في فمه العبارات وهو يقول "هما موقفني عن الشغل شويتين بس أكيد راجع.. وقريب جدا"، كان ذلك في مطلع عام 2006، مرت ستة أشهر وأكمل الرجل نصف دينه، غير أن الأحوال لم تتغير.
عندما يستريح ذهن أديب الشباب قليلاً، يحني رأسه للخلف بروية، يسرح بخياله في ذلك البيت الريفي، داخل مدينة بني سويف، تلك النسمات النقية، التي تدخل الورع في النفوس، في ذلك البيت، كان عُمر "محمود عفيفي" لم يتخط أربع سنوات، مات والده، فخيم الحزن على الأسرة، وقرر شقيقه الأكبر "محمد" اصطحابه معه إلى مركز الفشن ببني سويف، حيث يعمل مدرسًا هناك، فيما استقر الأخ الأصغر في الأسرة، وشقيقاته الاثنتان مع والدتهم بالقاهرة. لم يترك الصغير تلك البلدة قط، حتى انتهى انتداب شقيقه الأكبر "محمد" فكان لزامًا عليهما العودة، يقول "سمير" الشقيق الأصغر "ساعتها محمود رجع وكان في رابعة إبتدائي"، يؤكد "سمير" أن شقيقه لم يعد كما كان، كان مولعًا بالشهرة والتميز، يُرجع ذلك إلى أمرين لا ثالث لهما، ربما يكون الشيطان قد مسه في خلوة، أو ربما أصابه الإبداع في غفلة.
أديب الشباب مع والدته في حديقة الفسطاط
26 يوليو 2006، لا زالت زوجته "أمل" تحفظ يوم عُرسها جيدا، عقب الزواج أصر "أديب الشباب" أن يصطحبها إلى الإسماعيلية حيث جدران القطار لا تزال تحمل علاماته القديمة ومقولاته المحببة، انقضى شهر العسل، بل مر عام كامل، و"عفيفي" لا يغادر المنزل إلا لصلاة المغرب والعشاء، قلبه معلق بالإمام الشافعي، اكتشفت الزوجة من حكايات زوجها أن عودته إلى العمل بوزارة الداخلية في عداد المستحيل.
تعود القصة إلى العام 1998؛ حين رفض أديب الشباب، تنفيذ قرار نقله إلى الوادي الجديد، لم يذهب إلى عمله، وظل قابعًا بمنزله، يحصل على راتبه الشهري لمدة عام كامل، ثم انقطع الراتب فجأة، فلم يهتم "عفيفي" بالسؤال، ورفع قضية ضد وزارة الداخلية. وفي 2007 حصل على حكم من مجلس الدولة بقبول دعوته شكلا وموضوعا مع إلزام وزارة الداخلية بدفع مبلغ 40 ألف جنيه، إلا أن القرار لم يُنفذ حتى كتابة هذه السطور "رحنا كذا مرة والموظفين بيماطلونا على الفاضي"، تقول زوجته بصوت حزين.
صورة حكم مجلس الدولة "صورتين عليهم واتر مارك"
طوال ما يقرب من ال 18 عامًا لم يهتم أحدًا بالسؤال عن راتب "عفيفي"، حتى زوجته ملت من الروتين الحكومي. فمثلما اختفى "محمود عبد الرازق عفيفي" عن أعين متابعيه، ذابت "هويته" وسط دواليب الدولة، ظلت زوجته تبحث عن سند لحقه في معاش لكن رحلتها لا تُفضي إلى شيء. حاولت عقب الثورة أن تصدر له بطاقة رقم قومي فما كان منها إلا أن دونت في خانة الوظيفة مؤهله الدراسي في السبعينات "حاصل على ليسانس حقوق"، لكن "أديب الشباب" ظل متمسكا بحقه في الوجود، محتفظا ببطاقة شخصية قديمة صادرة في إبريل 1984، أوراقها الصفراء تقاوم الزمن، تعلوها عبارة "المهنة: باحث قانوني، محل العمل: وزارة الداخلية".
صورة 9 – كارت شخصى لأديب الشباب باحث قانوني بالداخلية
ذهبنا صوب مبنى شئون العاملين المدنيين بوزارة الداخلية بالدراسة، للتحقق من ملف عمل أديب الشباب، بالطابق السادس، قابلنا أحد الموظفين بإدارة إنهاء الندب بالوزارة، وطوال 4 ساعات بدأت رحلة الكعب الدائر، فمن إدارة السجلات، لقسم الدعاوى، إلى قسم الأرشيف، ثم العودة مرة أخرى للدائرة من بدايتها، وكلمات من الموظفين تقطع أمل الوصول إلى معلومات جديدة "يا أساتذة انتوا بتسألوا على حاجة من 20 سنة، صعب تلاقيها. أقولك: روح وزارة الداخلية في القاهرة الجديدة"، قابلتنا إحدى الموظفات، وافقت على البحث عن اسمه، فوجدناه أخيرًا "محمود عبد الرازق عفيفي أحمد"، مفصول من وزارة الداخلية منذ عام 2000، فيما تؤكد زوجته دومًا على عدم وجود أي خطابات رسمية من الوزارة وصلت إلى بيته تُفيد بفصله من العمل، خاصة أنه لم يُغير محل إقامته حتى الآن.
تعتمر جدران منزل "أديب الشباب" بصور الرؤساء عبد الناصر والسادات والسيسي، لكنه لا يعبأ بما يجري على الشاشات من مهاترات، يرى أن الأحوال لن تنصلح طالما أن الظلم والقهر قائمين، يحلو له متابعة الأفلام الوثائقية، وصراعات حيوانات الغابة على "ناشيونال جيو جرافيك"، لكنه لا ينسى أن يُعدل للرئيس خطاباته نحويا، يرتدي عويناته الطبية ويُمحص في القول "بتضايق إزاي ممكن خطاب للشعب المجرور فيه يتنصب.. ده غلط في 6 جمل آخر مرة".
صورة 10
بين الحين والآخر يحلو ل"عفيفي" تذكر أيام الأسى، لكنه يحكيها بطيب خاطر وبطريقة أدبية يفرغها على أوراقه: قبل نشر الشمس لخيوط أشعتها الدافئة على القاهرة، كان الصمت يسود مستشفى الأمراض النفسية والعصبية بالعباسية، وداخل أحد العنابر، يُقيم ما يقرب من 7 من المرضى، كان "عفيفي" ثامنهم، يُمدد جسده بأريحية، ويغط فى نومٍ عميق، فيما اتفق عدد منهم، على حمل "أديب الشباب"، عازمين على وضعه في أحد أركان العنبر، صُراخ "عفيفي" لم يتوقف، شعر بأن نهايته حُسمت، رفعوه فوق الأعناق وهم يهتفون "أنت ميت واحنا هنحطك ناحية القبلة، عشان تموت مرتاح".
4 مرات وطئت فيها قدما "أديب الشباب" أرجاء مستشفى الأمراض العقلية، الأولى حين قرر أن يُعاقب مديره في العمل بشكل يناسب خياله؛ فقلب عليه المكتب، كان ذلك في عام 1992، ولأن رئيسه في وزارة الداخلية صاحب نفوذ أضحى "عفيفي" محمولا داخل قمصان "المجانين" البيضاء بعد أقل من ساعة وسط صمت رفاق العمل، لكن الغريب أن وجوده داخل المستشفى لم يدم إلا لساعات "الدكتور قاللي أنت أعقل مني، وأمر التمرجية يرجعوني تاني الشغل، لسه فاكر زميلتي اللي زغرطت م الفرحة عشان رئيسنا الظالم" يحكي أديب الشباب، وفي خطاب يحمله عفيفي بين مقتنياته وجهت الأمانة العامة للصحة النفسية خطابا لمكتب الشئون الاجتماعية يفيد بأن المذكور دخل المستشفى مرتين الأولى في نهاية عام 2002 ولمدة ثلاثة أشهر والثانية في إبريل 2005 لمدة 70 يوم.
صورة 11
مرت 5 سنوات وعاود "عفيفي" أدراجه للمستشفى ذاتها ولكن هذه المرة اختار ألا يصطدم برئيسه في العمل وإنما بوزير الداخلية "كان بينشر ملابس داخلية مكتوب عليها شتايم لحبيب العادلي، ونزل في الشوارع يوزع ورق عليه شعارات ضده"، تحكي زوجته تفاصيل القصة التي عايشتها بنفسها "قعد في المستشفى 3 أسابيع.. بس بعدها شاف أسود أيام جوا سجن الفيوم"، ويضيف شقيقه "سمير": "إحنا قلنا دول أكيد أدوله حقن في مستشفى العباسية لحد لما أعصابه باظت".
في مكان ما على حدود محافظة الفيوم، يقبع مبنى عتيد، بداخله غرفة، تحوي ما تحويه من سرائر، تضم ما تضمه من أفراد، يلبسون جميعهم لباسًا واحدًا، الأزرق يكسوهم من أعناقهم حتى أقدامهم، تحت سقف غرفة واحدة، منافذها حديدية قاسية، تطغي عليها الكآبة، ويرسم دخان سجائر ساكنيها سرابًا وسطها. السجن مُظلم جدًا وقاس عليه، فهو أديب الشباب، إعلانات مؤلفات على جُدران القاهرة تتعثر فيها أينما كنت، ووظيفته داخل وزارة الداخلية أضفت عليه رونق صاحب السلطة، لكنه لم يكن كذلك، فغضبه الذي نفث في وجوه قيادات الشرطة، جعلته حبيسًا داخل سجن الفيوم. حاول السُجناء مرارُا وتكرارًا الاعتداء عليه بدنيًا ولفظيًا "كانوا بيكهربوني فى أماكن حساسة"، يروي محمود عبد الرازق عفيفي، ذلك الاسم الذي تمنى صاحبه أن يبزغ عاليًا، قبل أن تخسف به أقدام السُجناء وتعذيب الضباط، كرامته هُدرت، وفقد كل شئ، إلا طيبته وإنسانيته "أنا شفت العذاب فى السجن، كنت بضّرب على قفايا كل يوم، كانوا بيسلطوا المساجين يرخموا عليا"، حتى أنهم كانوا يمنعونه من الاستحمام. "رحت له زيارة، لقيت معاملتهم سيئة جدًا، بيعاملوه كأنه مجرم أو قاتل قتيل، كان في حالة من الانتقام"، تُضيف زوجته أمل قبل أن تسرد بُحزن "بهدلوه جدا، راجل طويل عريض بيتضرب على قفاه، شئ محزن". دخل "عفيفي" السجن بتهمة سب وقذف وزير الداخلية، كان ذلك فى منتصف 2009، حُكم عليه بالحبس لمدة عام مع الشغل والنفاذ، ومع الإفراج عنه، لم يذهب أديب الشباب إلى بيته مطلقًا.
صورة 14
كانت تعلم "أمل" أن زوجها سيعود، لكنه لم يأتِ أبدًا، لم تجد السيدة الوحيدة أمامها سوى اتخاذ سبيل البحث دون هوادة، ما بين المستشفيات والسجون وأقسام الشرطة للعثور على زوجها، فهي لا تملك دونه على سطح الحياة، تخرج من بيتها مع أول ضوء للنهار، وتعود ليلها مُثقلة بالهموم، وفي إحدى الأيام، ومع انتصاف الليل، رنّ هاتف المنزل، هرعت وأجابت على الفور، فكان مخاطبها من الطرف الآخر: "يا مدام فيه واحد عندنا في المستشفى جه تعبان وبقاله كام يوم هنا وبيقول إنك مراته".. في دقائق معدودة، استقرت أمل داخل إحدى غرف مستشفى الدمرداش، تتفحص زوجها، وجهه شاحب، وحالته رثة، وذهنه شارد، كان أكثر ما لفت انتباهها هو ارتداؤه لملابس السجن الزرقاء، عرفت من الطبيب المعالج أن زوجها أصيب بغيبوبة سُكر، وكان مُلقى بالشارع، قال لها الطبيب "ولاد الحلال جابوه لحد هنا، وقعد يومين وبعد كده لقيناه كاتب لنا رقم البيت".
لم يعرف أحدًا من هذا الشخص المجهول الذي وصل إليهم، تمتم "عفيفي" ببضع كلمات لخص بها ما تعرض له، كلمات مكسوة بكرامة مُهدرة وخاطر مُحطم "لقيت أمين الشرطة دخل الزنزانة وقالى انت خلاص إفراج، فرحت جدا، وبعد كده خدوني زي ما أنا فى عربية الترحيلات، عشان يخلصوا إجراءات إخلاء سبيلي من قسم الخليفة". زجوا ب "الأديب" داخل سيارة الترحيلات، ثم ألقوا به في غياهب الطريق، من شدة حيرته، أصابته غيبوبة السكر، فسقط مكان قدمه.
20 عاما و"عفيفي" في ردهات الحياة، مخفيًا قسريًا، حدود تحركاته صارت أمتارًا تُحيط بمنزله، لا يبتعد عن "الإمام الشافعي"، شعر "الأديب" بالزهو، عندما هلت بشاير ثورة يناير، بعدما صار اسم ظالمه "حبيب العادلي" على صفحات الجرائد، متهمًا بإهدار ما يقرب من 3 مليار جنيه "حسيت إن اللي حاربته طول عمري طلع صح.. والعدل بيتحقق".
صورة 12
لا يستقر الحال بأديب الشباب على منوال ثابت، تارة تأخذه السكينة ومرات تؤرقه الأوجاع، ترى زوجته أن تجربة السجن زادت من وساوسه، يشعر بالقهر، يرفض ملاقاة الأصدقاء أو الأقارب "خايف حد يتأذي بسببي"، يحدث نفسه كالملسوع "حاسس إني متراقب طول الوقت"، يقول إن الحياة غير عادلة، يحاول أن يجد في الصلاة مسكنا، ثم ينفض عنها وهو يتمتم "لا مش هصلي.. أنا زعلان من ربنا عشان مجبليش حقي"، في رمضان قبل سنوات راح يهمس في أذن زوجته بأنه يفكر في عدم الصيام لا لعذر مرضي وإنما ليقين راسخ داخله "أنا مش هصوم عشان ياما جوعت"، لكنه يعود أدراجه ممسكا بالقرآن مراجعا آياته ثم يدون تفسيراته الخاصة في كشكول صغير يلاصقه أينما جلس، ويقلب في كتابه "هذا قرآني" مسترجعا ذكريات لم تمت.
صورة 13 – هذا قرآني – غير موجودة
لا يعتبر د. محمد بدوي أستاذ النقد بجامعة القاهرة نهم أديب الشباب الشديد نحو الشهرة أمرا مستغربا "مفيش حد بيكتب أدب معندوش أمنية الشهرة، بس محمود عفيفي كان بيدور عليها بطريقته الغريبة وهو مكنش مهتم برأي النخبة فيه، لكن كان عايز اللي يشاوروا عليه الناس العادية اللي بيكتبلها ع الحيطان وفي الميادين".
"لقد أخلصت للأدب والفكر، نفسا وروحا، عقلا وجسدا، ولكن يا أسفاه من زمن علاه الجدب والقحط والضجر" عبارة ضمن حواشي الفصل الثالث من كتابه إجهاض الحرية تعبر عما كان يظنه "عفيفي" في نفسه بأنه عملاق في زمن الأقزام فيكتب في خلفية الكتاب "يا عقاد يا طه حسين يا زكي نجيب محمود: أصحوا من قبوركم، فقد بعثتكم صلصلة كلماتي. هل من مبارز؟"، وقد اتخذ من "دون كيشوت" معلما، فمع كل حكاية يروي صراعا خاضه بصدر مفتوح؛ تارة مع الأزهر ومرة في مواجهة وزارة العدل، ومرات ضد الداخلية وجنودها.
الفيديوجراف


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.