عرفنا أن المؤرخ العالمي ه.ح.ديلز حدثنا عن السيد المسيح كحقيقة تاريخية لاجدال فيها وأن السيد المسيح تحدث الحقيقة علي أن الله ليس إله اليهود فقط، وأن الله سبحانه وتعالي لم يبرم صفقات معهم. وقال المؤرخ العالمي أيضاً: إن السيد المسيح راح يعلم الناس أن الله ليس صاحب صفقات، وأن ليس هناك شعب مختار ولا قوم ينالون الحظوة في مملكة السماوات، وأن الله هو الأب المحب للأحياء أجمعين، وأنه كالشمس تماماً لا يستطيع أن يحبو أحداً دون غيره بحظوة، وأن الناس جميعاً إخوة- كلهم خاطيء ومذنب- وكلهم ابن محبوب لذلك الأب الإلهي، وأن يسوع ليصب في قصة السامري الطيب جام سخريته علي ذلك الجيل الطبيعي الذي نخضع له جميعاً، وهو تمجيدنا لقومنا والتقليل من نصيب العقائد الأخري والشعوب الأخري من البشر، ثم أنه في قصة العمال ينبذ ظهرياً ادعاء اليهود العنيد في أن لهم علي الله حقاً معيناً، وعلم الناس أن كل من أخذه الله في الملكوت حباه برعاية واحدة لا تفريق فيها، فالله لا يعرف تمييزاً في معاملته لعباده، إذ لا حد لطيبته وفضله، وهو يتطلب من الجميع قصاراهم كما يتجلي ذلك في أمثولة العملة المدفونة، وكما تعززه حادثة فلس الأرملة، وليس في ملكوت السموات امتيازات ولا تخفيض مالي ولا معاذير. ويقول المؤرخ الإنجليزي ه.ح.ديلز أيضاً: ولكن يسوع لم يقتصر فقط علي انتهاك وطنية اليهود القبلية الحادة- وهم كما هو معلوم شعب ذو ولاء قبلي- بل راح يزيح كل عاطفة قبلية ضيقة، تنطوي علي التجديد في ذلك الفيضان العظيم.. فيضان حب الله.. إذ لابد لمملكة السماء بأكملها أن تشمل عائلة أتباعه. والإنجيل يحدثنا أنه: وفيما هو يكلم الجموع إذا أمه وأخوته قد وقفوا خارجين طالبين أن يكلموه.. فقال له واحد هو ذاك أمك وإخوتك واقفون خارجاً طالبين أن يكلموك.. فأجاب وقال للقائل: »من هي أمي وهم هم إخوتي؟ ثم مد يده نحو تلاميذه وقال: ها أمي وإخوتي، لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأختي وأمي« (انجيل متي 21،64-05). ولم يكتف يسوع بتوجيه الضربات إلي الوطنية، وإلي رابط الولاء الطبقي باسم أبوة الله الجامعة وأخوة البشر جميعاً، بل كان من الواضح أن تعاليمه كانت تهاجم كل ما يحتويه النظام الاقتصادي من تدرج، وتنتقص كل ثروة خاصة وكل منفعة شخصية، ذلك أن الناس جميعاً ينتمون إلي الملكوت، وأن ممتلكاتهم جميعاً تنتمي إلي الملكوت، وأن الحياة البرة الوحيدة إنما تقوم في خدمة إرادة الله بكل ما تملك، وبكل أفئدتها، وظل يذم الثروة الخاصة مرة بعد مرة، ويذم الإبقاء علي كل حياة خاصة. وفيما هو خارج إلي الطريق، ركض واحد وجثا له وسأله: أيها المعلم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ فقال له يسوع: لا تزن.. لا تقتل.. لا تسرق.. لا تشهد الزور.. لا تسلب.. أكرم أباك وأمك. فأجاب وقال له: يا معلم هذه كلها حفظتها منذ حداثتي.. فنظر إليه يسوع وأحبه وقال له: - يعوزك شيء واحد.. اذهب وبع كل مالك وأعط الفقراء.. فيكون لك كنز في السماء، وتعالي اتبعني حاملاً الصليب فاغتم علي القول، ومضي حزيناً لأنه كان ذا أموال كثيرة.. فنظر يسوع حوله وقال لتلاميذه: - ما أعسر دخول ذوي الأموال إلي ملكوت الله! فتحير التلاميذ من كلامه، فأجاب يسوع أيضاً وقال لهم: - يا بني: »ما أعسر دخول المتكلين علي الأموال إلي ملكوت الله.. مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلي ملكوت الله« (انجيل مرقص: الاصحاح 71-52). لقد سار خلفه الحواريون والأتباع.. وبدأت تعاليمه تشق طريقها في دنيا الناس، ولم يكن بوسع اليهود أو غيرهم أن يطفئوا أنوار الهداية وعظمة ما يدعو إليه السيد المسيح. .. إنه يبشر الناس: - »طوبي للحزاني والمساكين والجياع«.
لقد كان السيد المسيح وهو يدعو الناس إلي الهدي والرشاد، كان ينشد حياة فاضلة من أجل حياة خالدة، ولكن اليهود ضاقوا ذرعاً بذلك وكرهوا انتشار دعوة السيد المسيح، كرهوا انتشار دعوة الحق والفضائل والنور، لأنهم يرون في أنفسهم أنهم أحق الناس أن يعيشوا برغد الحياة دون الناس، وأن الرسالات السماوية ينبغي أن تكون لهم وحدهم، وأن الله- سبحانه وتعالي- يجب أن يكون لهم وحدهم. والقرآن الكريم يعبر عن ذلك بقوله المعجز: »ولقد آتينا موسي الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسي بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوي أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون.
كان عيسي عليه السلام زاهداً في الدنيا، راغباً فيما عند الله.. محباً للناس.. إنه هو الذي تكلم في المهد صبياً دفاعاً عن أمه العظيمة حيث ولد بلا أب، وهو الذي جاء مع أمه ويوسف النجار إلي مصر صبياً هرباً من تعقب حاكم فلسطين له خوفاً من ضياع ملكه، فكان قدومه إلي أرض مصر قدوم خير وبركة وعطاء. وقد عاد إلي فلسطين بعد ذهاب حاكمها الطاغية، ليستمع إلي ابن خالته يحيي بن زكريا وهو ينادي الناس ويدعوهم ويبشرهم بقرب الملكوت ويقول: »أنا صوت صارخ في البرية.. قوِّموا طريق الرب«. وقد سُئل يحيي بن زكريا: - هل أنت المسيح الذي يبشر بمجيئه؟ فيجيب: »لست أنا المسيح.. أنا أعمدكم بماء، ولكن يأتي من هو أقوي مني.. من لست أهلاً أن أحل سيور حذائه«.
وهاهو السيد المسيح يعود إلي الناصرة بعد اعتقال يحيي بن زكريا، علي يد »هيردوس« ليوحي إليه من نيل ربه.. أن يبدأ رسالته العظيمة.. وأن يوقظ النفوس من سباتها، وأن يوجه الناس إلي دعوة الحب والسلام والبعد عن الضغينة والبغضاء، وأن يقتربوا من ملكوت السماء بأفعالهم النبيلة، والتخلي عن الجرائم التي تحول بين الناس وخالقهم العظيم. يقول كاتبنا خالد محمد خالد وهو يقارن بين رسالة محمد عليه الصلاة والسلام، ورسالة السيد المسيح عليه السلام. ونفس الصوت الذي سيستمعه (محمد) بعد ستمائة عام يرن في روعه رنين الصدق هاتفاً: - »يا أيها المدثر ثم فأنذر«.. نفس الصوت يرن الآن في روع المسيح: »أنت ابني الحبيب الذي به سررت للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد«. ليس هناك ذرة من ريب في صدق الحس الذي تلقي به محمد كلمات ربه، ولا ذرة من ريب في صدق الحس الذي تلقي به المسيح نداء ربه فليس في حياتيهما أثر- أي أثر- لتصنع أو ادعاء حتي كلمة (ابني) في عبارة المسيح لم تزغ عن مكانها.. فنحن جميعاً أبناء الله، بمعني أننا خلقه، وأبوته لنا لا تعني تلك الأبوة الوالدة التي تعرفها (دفاتر الميلاد) بل هي أبوة الخالق الأول والأعظم، وعما قريب سنلتقي بالرسول وهو يستعمل نفس التعبير، فيقول: »الخلق عيال الله.. وأحب الناس إلي الله أنفعهم لعياله« بل سنسمعه يقول: يقول الله عز وجل: »لا تسبوا الدهر فأنا الدهر«.. فهل الله حقاً هو الدهر بالمفهوم الحرفي لكلمة دهر؟! لا.. إنما هو سبحانه الدهر.. بمعني القوة الكبري المسيطرة والمثبوتة مشئيتها في الزمان والمكان، والتي ينبثق من خلال رحمتها وقدرتها أسباب الحياة وطاقاتها، وكذلك وصف الله تعالي بالأبوة، فهو القلب الكبير الذي يسعنا جميعاً بحنانه وبره. وإلي العدد القادم