ذهبت إلي معرض الكتاب ابحث عن كتاب الأذكياء للجاحظ.. والذي ضاع مني.. وافتقدته مصر بشدة في أوقات هي في أشد الحاجة إليه.. وكنت قد اقتنيته للمرة الثانية من مكتبة الأسرة وهي من أفضل سلاسل الكتب التي أحرص علي متباعتها .. سلسلة.. يؤسرني فيها كتب التراث القديم.. واحيي اختيارات القائمين علي الأمر فيها.. فمعظمها يسد عجزاً علي الساحة الفكرية ويذكرك بالقصور الإبداعي الحديث.. ويزيل ما قد ران علي قلبك وعقلك من جراء سلاسل ثقافية أخري ماتت قبل أن تولد .. واصيبت أصواتها بالخرص الفكري ولم تعد تحتفظ من تاريخها بغير الاسم.. سلسلة.. بعد أن أكل عليها الصدأ وشرب.. يعجبني في تلك الكتب تنوع موضوعاتها وجدتها وجديتها.. واعتماد أغلبها علي منهج حكمة الحكماء.. حيث عمق تحليل المضمون والغوص وراء المعاني والاشارات والدلالات .. العامة والخاصة النفسية والاجتماعية والروحية أيضا .. ولعل هذا هو ما اكسبها سحر الخلود.. والتجدد علي مر العصور .. وتجعلك تشعر بأهميتها وحيويتها كلما عدت إليها .. وفي كل مرة تكتسب زادا جديدا .. ولا تشعر بالملل أو انتهاء مهمتها وتعجز عن اتخاذ قرار باحالتها إلي الاستيداع أو ابعادها في ركن قصي.. احتفظ دائما إلي جوار الأذكياء بكتاب آخر هو أخبار الحمقي والمغفلين لابن الجوزي.. الكتابان اجعلهما دائما في متناول يدي ونادرا ما اعيدهما إلي مكانهما علي رف المكتبة.. فهما كتابان ممتعان لا يمكنك الاستغناء عن أي منهما لحظة خاصة في تلك الأجواء العصيبة.. تضحك حتي البكاء من نوادر وطرف وملح الأغبياء والمغفلين وتأسي لحالهم وتأخذك الشفقة بهم وبحالهم وما حل بهم من ظلامة مخ وضيق في الأفق.. وتأنس في المقابل بروعة وحكمة الأذكياء ورجاحة عقلهم وقدرتهم علي التخلص من ما هم فيه .. وتدفعك إلي حمد نعم الله التي لا تحصي ولا تعد .. وعلي نعمة العقل التي وهبها لك.. فحولتها أحيانا إلي معروس البطاطا البيضاء أو إلي شمعة تبحث لها عن كبريت رغم أن الله منحك قداحة طبيعية أو ولاعة لكنك لم تستطع التخلص من فكرة الشطاطة وعود الثقاب.. المهم الكتاب الأول الأذكياء للجاحظ.. يتصدره حديث العقل وقيمته وفضله وأنواره .. وبما أننا في عصرنا نبحث عن عاقل ونشكو الاختفاء الطوعي أو القسري للعقلاء .. فلنقرأ مع الجاحظ .. ما أورده بشأن العقل وأصحاب الذكاء .. عن إدريس عن وهب بن منبه قال إني وجدت فيما أنزل الله علي أنبيائه.. أن الشيطان لم يكابد شيئا أشد عليه من مؤمن عاقل .. وأنه يكابد مائة جاهل فيجرهم حتي يركب رقابهم فينقادوا له حيث شاء ويكابد المؤمن العاقل فيتصعب عليه حتي لا ينال منه شيئا من حاجته .. وقال وهب لإزالة الجبل صخرة صخرة وحجرا وحجرا أيسر علي الشيطان من مكايدة المؤمن العاقل.. وروي ابن دعلج قال سمعت معاوية بن قرة يقول إن القوم ليحجون ويعتمرون ويجاهدون ويصلون ويصومون وما يعطون يوم القيامة إلا علي قدر عقولهم .. وقال بعض الحكماء: الرجل ليتلذذ في الجنة بقدر عقله وروي أن لقمان عليه السلام قال لابنه اعقل عن الله عز وجل فإن أعقل الناس عن الله عز وجل أحسنهم عملا .. وإن الشيطان ليفر من العاقل وما يستطيع أن يكابده يا بني ما عبد الله بشيء أفضل من العقل. ويعرض الكتاب لكيفية الاستدلال علي عقل العاقل وقوة الفطنة الفطرية والأمثلة عليها وما ورد في هذا الشأن من أخبار الأنبياء والرسل ثم قصص وحكايات الصحابة والتابعين .. والخلفاء ويعرض لما ورد في سياق المنقول من ذلك عن السلاطين والأمراء والحجاب والشرطة والمنقول من ذلك عن علماء هذه الأمة وفقائها والقضاة وأخواتهم .. والحجاب والتجار وغيرهم قال المؤلف يستدل علي عقل العاقل بسكوته وسكونه وخفض بصره وحركاته في أماكنها اللائقة بها ومراقبته للعواقب فلا تستفزه شهوة عاجلة عقباها ضرر.. وتراه ينظر في الفضاء فيتخير الأعلي والأحمد عاقبة من مطعم ومشرب وملبس وقول وفعل ويترك ما يخاف ضرره ويستعد لما يجوز وقوعه .. ويستطرد مع حكايات وحيل الأذكياء عندما تخطيء وتصيب ثم يعرض لجوانب من حكايات من غلب من العوام بذكائه كبار الرؤساء .. والأقوال والأفعال التي صدرت من أواسط الناس وعوامهم وتدل علي قوة الذكاء حتي يصل بك إلي طرائف عقلاء المجانين.. وقبل أن يدرك صياح الديك ويعريك ضوء النهار .. إليك نتف من أخبار الحمقي والمغفلين لأبي الفرج ابن الجوزي والذي يصرخ بذكر أسباب تأليفه للكتاب يقول: فاني لما شرعت في جمع أخبار الأذكياء وذكرت بعض المنقول عنهم ليكون مثالا يحتذي لأن أخبار الشجعان تعلم الشجاعة .. آثرت أن أجمع أخبار الحمقي والمغفلين لثلاثة أشياء: الأول: أن العاقل إذا سمع أخبارهم عرف قدر ما وهب له مما حرموه فحثه ذلك علي الشكر. الثاني: إن ذكر المغفلين يحث المتيقظ علي اتقاء أسباب الغفلة إذا كان ذلك داخلا تحت الكسب وعامله فيه الرياضة .. وأما إذا كانت الغفلة مجبولة في الطباع فإنها لا تكاد تقبل التغيير. الثالث: أن يروح الإنسان قلبه بالنظر في سير هؤلاء المبخوسين حظوظا يوم القسمة فإن النفس قد تمل من الدؤوب في الجد وترتاح إلي بعض المباح من اللهو. ويضم الكتاب أربعة وعشرين باباً في الحماقة ومعناها وبيان أن الحمق غريزة ومدي اختلاف الناس في الحمق وذكر أسماء الأحمق وصفاته والتحذير من صحبة الأحمق وأمثال العرب في من عرف حمقه وأخبار من ضرب المثل بحمقه وتغفيله وأخبار جماعة من العقلاء صدر عنهم فعل الحمقي إلي جانب ذكر المغفلين من الأئمة والأعراب ومن أنواع البشر ومنهم : القضاة والأمراء والولاة والكتاب والحجاب والمؤذنين والمغفلين والمتزهدين والمعلمين والمغفلين علي الإطلاق .. وهو ما ختم به هذا الكتاب الأثير.. ومن عجب انني وجدت موقعا علي الانترنت والفيس بوك باسم تلفزيون ووكالة أنباء خاصة للحمقي والمغفلين .. وهي فكرة عبقرية .. ومتابعها لا يمكن أن يغمض عينيه.. إما لفرط ذكائه أو لفرط حمقه.. 1⁄4 1⁄4 1⁄4 مصر الآن غارقة بين الأذكياء والحمقي والمغفلين .. وما احسبنا إلا محشورين بين ثلة من الحمقي وتلال من المغفلين.. حتي الأذكياء فذكاؤهم محل نظر .. ولا يكاد يرضي لا الحمقي ولا المغفلين..