لماذا الآن؟!.. لماذا تحديداً بعد الموجة الثورية المصرية الكاسحة في 30 يونيه وما تلاها. ويتلوها من أحداث. بات مؤكداً أنها ستغير أوضاع وسياسات وعلاقات مصر. داخلياً وخارجياً. عربياً وإقليمياً ودولياً؟!.. لماذا في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة يخرج الرئيس الأمريكي باراك أوباما ليفكر أو يقرر القيام بعدوان علي سوريا تأديباً لها لأنها استخدمت فيما يقال السلاح الكيماوي ضد مواطنيها؟!.. وهو ادعاء لم يقم عليه دليل قاطع بعد. لأن المفتشين الذين أرسلتهم الأممالمتحدة إلي سوريا لم يفرغوا من أداء المهمة الموكلة إليهم. ومع ذلك يقف السيد جون كيري وزير الخارجية الأمريكي ليقطع بأن النظام السوري استخدم السلاح الكيميائي. مما يضع المنطقة والعالم كله أمام مشهد قام به في 2003 وزير خارجية أمريكي سابق هو السيد كولين باول الذي وقف في مجلس الأمن وعلي مرأي من العالم كله ليعرض أنبوباً ادعي أنه يحمل مواد بيولوجية مما تنتجه العراق. ولم يقف الأمر عندئذ عند هذا الحد. بل اتهمت أمريكا العراق بأن له علاقات بتنظيم القاعدة الإرهابي. وكان كل هذا من ذرائع العدوان علي العراق. واحتلاله. ونزف ثرواته. إلي اليوم.. وبعد هذا المشهد التراجيدي وبعد العدوان خرج باول نفسه ليعترف بأنه وافق مكرهاً علي قرار الحرب ضد العراق. أما ما ارتكبه في مجلس الأمن فوصفه بأنه "وصمة مؤلمة".. من المؤكد أن هذه وقائع لا تخفي علي الرئيس أوباما ولا علي وزير خارجيته صاحب الباع الطويل في الشئون الدولية. فلماذا يريد الرئيس الأمريكي أن يكرر اليوم جريمة سلفه ومساعديه من كبار "المحافظين الجدد" الذين لا تخفي علي أحد ميولهم ومعتقداتهم الصهيونية مع عداء مقيت للعرب أجمعين.. هل يريد الرئيس الأمريكي أن تصبح سوريا "عراقه" أي عراق أوباما؟!!.. الذي يبدو أنه يريد أن ينفذ ضربة لسوريا.. كان من المقرر أن يقوم بها جورج دبليو بوش غداة عدوانه واحتلاله العراق.. وذلك حينما ذهب كولين باول نفسه إلي دمشق والتقي بشار الأسد. ووجه له إنذاراً بأن يفعل كذا. ويمتنع عن كذا. مما نبذته دمشق. ودفعت مقابل رفضها ثمناً غير قليل.. وهنا. أرجو أن يكون واضحاً كل الوضوح أن هذه الكلمات ليست دفاعاً عن بشار ولا عن نظامه. بل هي أولاً وأخيراً دفاع عن سوريا الشقيقة. سوريا الشعب والوطن.. وهنا نتذكر جانباً آخر من جوانب السياسة الأمريكية يجمع مصر وسوريا. بل والعراق والسعودية.. وأعني بذلك الكلمات التي قالها "جيمس وولس" وهو رئيس سابق للمخابرات المركزية الأمريكية. وتحدث فيها عن الحرب العالمية الرابعة. وقال في مؤتمر صحفي في لندن إن أمريكا عندما تنتهي من الصدَّاميين ستلتفت إلي الوهابيين. ثم المباركيين "يقصد السعودية ومصر".. وكان وولس يردد ما ورد في تقرير ل"مؤسسة راند" ذات العلاقة الوثيقة بوزارة الدفاع الأمريكية. وطالب بحرب إقيليمة بدءاً بالعراق ووصولاً إلي تقويم استراتيجي مفاده أن العراق هدف تكتيكي. والسعودية هدف استراتيجي. ومصر هي الجائرة.. فهل عاد أوباما اليوم إلي هذه الأفكار؟!.. من يشك في هذا عليه أن يراجع جميع تصريحاته وخياراته المهزوزة منذ 30 يونيه.. ولك يا دمشق السلامة. "قلوصنا" .. هذه هي مصر ً"قلوصنا".. بالصاد أو بالسين.. قرية في صعيد مصر. قرية من آلاف القري والعزب والكفور و"التوابع" في بر مصر.. وقد وقف عندها طويلاً محمد رمزي في "القاموس الجغرافي للبلاد المصرية". ونقل عن "الخطط التوفيقية" أنها وردت معرَّفة باسم "بانكوسيوس" وقال إنها مدينة قديمة واقعة بين الأشمونين. كانت قلوصنا قاعدة قسم من أقسام مديرية "محافظة حالياً" المنيا. من سنة 1844. ولبعدها عن السكك الحديدة "في ذلك الوقت" صدر قرار بنقل ديوان القسم والمصالح الأميرية الأخري من قلوصنا إلي سمالوط. لوجود محطة للسكك الحديدية بها. وتوسطها بين بلاد المركز. علي أن يبقي القسم باسم قلوصنا. وفي سنة 1889 سُمي مركز قلوصنا. ومن سنة 1896 سمي مركز سمالوط. هذا طرف من تاريخ هذه القرية. والمناسبة هي وقفة شهامة مصرية أصيلة قام بها أبناء قلوصنا. فقدموا لنا نموذجاً حياً يختلف كل الاختلاف عن عمليات القتل والحرق والضرب والاغتيال التي أشاعتها مجموعة ممن يجب أن يطلق عليهم "الإخوان المجرمون". الذين أشعلوا ويشيعون في بلادنا أساليب شاذة لم نعتد عليها. وربما لم نعرفها. ومن أسف أن ينتشر هذا باسم الإسلام. ولا أسمح لنفسي بأن أقول إن الإسلام منهم براء. فهذا ضرب من التكفير. لا يقبل. بل أقول: كم من الجرائم ترتكب باسم الإسلام.. وعلي النقيض من هذا كان سلوك أبناء قلوصنا الذين قدموا الوجه الحقيقي والجميل لمصر وأبنائها. وهو سلوك يجب أن يصل إلي كل بيت مصري. ويجب أن يعرفه ويعلمه كل أبناء مصر رجالاً ونساء وشيوخاً وأطفالاً وشباباً. ليروا وجههم الحقيقي البعيد كل البعد عما ارتكبه ويرتكبه نفرى من العُصاة. ومن الخارجين علينا الذين يستحقون أن يطبق عليهم حد الحرابة بأن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. ليكونوا عبرة لمن يريد أن يعتبر. ويكفيه هنا أن يطلع ويري الوجه المصري الجميل لما قدمه لنا أبناء قلوصنا حماية ورعاية وطمأنينة وأمناً لإخوة لهم وقف بهم القطار أمام هذه القرية. في ليلة ليلاء. ولا يحق لي أن أطيل في الوصف والتقدير. بل أترك الزميل الأستاذ خالد محمود الذي عاش هذه التجربة ليحكي لنا ما رآه وما عاشه. وما لقيه ومعه جميع ركاب القطار من كرم الضيافة. ومن شهامة قرية خرج جميع أهلها لحماية عدد من مواطنيهم وجدوا أنفسهم في موقف عصيب. يرويه الزميل العزيز كتابة فيقول: "كنت في رحلة إلي مصر التي لن تروها علي الفضائيات. حدث منذ ساعات من رحلة احتكاز لأكثر من 48 ساعة في قطار. تم إيقافه بقرية مصرية اسمها ًقلوصنا" لن تجدوها علي الخريطة. فقد اتخذ السيدان وزيرا الداخلية والمواصلات قراراً بوقف القطارات مع اندلاع الأحداث "التي تلت فض اعتصامي إشارة رابعة وميدان النهضة" دون أن يفكرا في مصير آلاف المصريين المسافرين. ممن أوقفت قطاراتهم في الأرياف والمناطق المعزولة. ووسط احتمالات بحرق قطاراتهم من قبل المسلحين والبلطجية. أو تعرضهم للسلب والنهب والاعتداء.. كان هذا قراراً كارثياً. فمثلاً في القطار الذي كنت أستقله. وهو رقم 87. القادم من أسوان. وفي العربة العاشرة أربع حالات مرضي في حالة حرجة. كان الوضع صعباً وكارثياً. فضلاً عن مخاطر نفاد الماء والغذاء. كنا عرضة لهجوم جحافل البلطجية بعد أن أطفأ القطار أنواره في المساء. ونحن لا نملك ولو ملاعق بلاستيكية للدفاع عن أنفسنا.. وبحكم عملي الصحفي. اتصلت بعشرات الأشخاص. وكانت النتيجة واحدة. اختفاء مصر الرسمية من المشهد. لانشغاله بصراع السلطة. بل إن بعض من اتصلت بهم قال لي ما معناه: كيف يمكن إزعاج المسئولين وهم مهمومون بالقضايا الكبري والمصيرية. بمصير عشرات من المواطنين العاديين من الفقراء. اختفت مصر الرسمية. وبينما نحن نضرب أخماساً في أسداس. ظهرت مصر الحقيقية. ظهرت مصر الرائعة مجسدة في مدينة صغيرة أشبه بقرية تسمي "قلوصنا" تصرفت معنا وكأنها المسئولة المعتمدة عن مصيرنا. صدحت ميكروفونات المدينة نفسها. أنها الراعي الرسمي للقطار رقم 83. بسرعة خاطفة جمع الأهالي الطعام والدواء. وتشكلت القوافل والجماعات. وانتظمت الوجبات.. وتوالت الوفود لمتابعة أحوالنا فرداً فرداً.. وتدفق شباب القرية حاملين سلال الطعام وزجاجات الماء المثلج. ووزعوها عربة عربة. وكابينة كابينة.. كما تشكلت جماعات للأمن وقامت بدوريات وهي تحمل الكشافات لحماية القطار من الخارج منذ غروب الشمس حتي طلوعها في اليوم الثاني.. وفتحت المساجد والمضايف والبيوت والشقق والمجامع الحكومية للاستضافة. وحمل أصحاب الحالات الحرجة إلي المدينة لتلقي العلاج. وقام صبية وشبان بالاستجابة لطلبات المسافرين.. وفوق هذا وذاك. تمر مجموعات لتقول: "يا اخواننا. حد عايز حاجة.. آي حاجة موش واخدين بالنا منها؟!.." ما هذه العظمة؟!!.. أقسم بالله. أن عيني اغرورقتا بالدموع أكثر من مرة من هذا الحب. وهذا العطاء دون أجر أو مثوبة.. وفي الصباح. وبمجرد أن فتحت الطرق. تدفق أبناء قلوصنا وأحضروا الميكروباصات. وتابعوا رحيلنا. وتعاونوا في حمل الحقائب. إلي أن غادرناهم بسلام متجهين إلي القاهرة التي تحترق وهي تتقاتل علي كراسي السلطة. عشت يا قلوصنا". هذا ما كتبه الزميل الأستاذ خالد محمود.. ولا يكفي أن نهتف: عاشت قلوصنا. بل يجب أن نفكر في أساليب أخري لشكر أبناء هذه القرية وتكريمهم.. وفي أقل القليل. يجب أن تدخل وقفة هذه القرية وشهامة أهلها. كل بيت في مصر. واسلمي يا مصر.