انطلاق فعاليات مهرجان «من أجل مصر» الرمضاني بجامعة قناة السويس    محافظ القليوبية يوجه إنذارا لرئيس مدينة الخصوص ومسؤولي الإدارات الهندسية    ارتفاع أسعار السلع الغذائية في الأسواق اليوم 17 رمضان: زيادة اللحوم والزيوت وتراجع العدس والجبن    وزير البترول يبحث مع شركة هاربر إنرجي تطورات زيادة إنتاج الغاز في حقل دسوق    التلفزيون الإيراني الرسمي: أضرار جسيمة في جميع أنحاء البلاد    ترامب: إيران ستتعرض اليوم لضربة قوية للغاية    برشلونة يكشف الحالة الصحية لليفاندوفسكي وموقفه من مباراة أتليتك بلباو    مرور الشرقية يضبط 25 توك توك مخالف خلال حملات مكثفة    هام من المحكمة الدستورية العليا بشأن تشديد عقوبة القيادة تحت تأثير المخدر    "وننسى إللي كان".. جليلة وبدر في تلميحات الحب الأولى.. وشاهر يسعى لقتلها    إطلالة على شعر العامية ومناقشة "المرأة في البادية" ضمن ليالي رمضان بالحديقة الثقافية    إعلام إسرائيلى: سقوط شظايا وسط إسرائيل بعد اعتراض دفعة صواريخ أطلقت من إيران    صحة الشرقية تنفذ 99 ألف زيارة منزلية لتقديم الرعاية لكبار السن وذوي الهمم    الداخلية تمنح نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل زيارة استثنائية بمناسبة أعياد المرأة    محافظ الإسماعيلية يستقبل وزير الرياضة لبحث سبل دعم البرامج والمشروعات الشبابية    وزير الصناعة يبحث مع شركة بولاريس للتطوير الصناعي خطط التوسع بالمناطق الصناعية وجذب استثمارات جديدة    وزير التعليم العالي: نهدف إلى التركيز على جودة الخريجين وليس التوسع الكمي بالجامعات    جنايات الزقازيق تنظر أولى جلسات محاكمة المتهم بقتل عريس الشرقية    الصحة: توزيع 39 وحدة أسنان على 38 مستشفى ومركز طبي ب17 محافظة خلال يناير 2026    الدول الخليجة تحت النيران الإيرانية.. هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ تستهدف منشآت حيوية    وزير التخطيط يوجه بإعادة توجيه استثمارات لتمويل البنية التحتية ودعم الشركات الناشئة    "الزراعة": فحص 290 ألف طن بطاطس مُعدة للتصدير خلال فبراير    «الزراعة» تبحث آليات التصدي لتهريب وغش المبيدات    مقتل شاب على يد آخر بسبب خلافات حول سرقة هاتف محمول بالبدرشين    فيفا يعلن إيقاف قيد الاتحاد السكندري 3 فترات انتقالات    فان دايك: الهزيمة من ولفرهامبتون كانت مخيبة.. ولهذا السبب انتصرنا    يد الزمالك يفوز على الشمس في دوري المحترفين    وزيرة الثقافة تترأس اجتماع اللجنة العليا للمهرجانات، وتؤكد: رافد مهم لتعزيز الإبداع (صور)    الليلة.. تنورة وفنون شعبية في البرنامج الرمضاني لمراكز إبداع صندوق التنمية الثقافية    وزير الرياضة يلتقى محافظ الإسماعيلية في مستهل جولته    وزير الخارجية يؤكد رفض مصر الكامل للاعتداءات غير المقبولة على الدول العربية    الرعاية الصحية: فحص 384 ألف مواطن ضمن حملة رمضان بصحة لكل العيلة    رمضان 2026| 10 قواعد ذهبية لطعام آمن وصحي في رمضان    الرؤية 19 مارس.. موعد عيد الفطر المبارك فلكيا وأول أيامه    رئيس الوزراء يبدأ جولة تفقدية بالسويس لمتابعة تغويز السفن المحملة بالغاز المسال    محمود الزنفلي يكشف سبب عدم انتقاله ل الزمالك    أجواء باردة في الشرقية وتحسن نسبي بدرجات الحرارة.. والمحافظ يرفع درجة الاستعداد القصوى    مدبولي: ضرورة تكامل عمل الجهات الحكومية لسرعة الاستجابة لشكاوى المواطنين    الرعاية الصحية تعلن فحص 384 ألف مواطن ضمن حملة «رمضان بصحة لكل العيلة»    تجديد حبس عامل بتهمة التحرش بربة منزل في الدقي    أمن الجيزة يكشف غموض العثور على جثتين بأحد شوارع مدينة 6 أكتوبر    بمرتبات تصل ل20 ألف جنيه.. العمل تعلن عن وظائف خالية بقطاع الأمن    رمضان عبدالعال يفوز بمقعد نقيب مهندسي بورسعيد في انتخابات الإعادة    30 دقيقة تأخر في حركة القطارات على خط «القاهرة - الإسكندرية».. اليوم 7 مارس    المكتب الإعلامي لحكومة دبي: لا صحة لما يتم تداوله حاليًا بشأن تعرض مطار دبي الدولي لأي حادث    الجبهة الداخلية الإسرائيلية: صفارات الإنذار تدوي في الجليل بعد رصد تسلل مسيرة    الجيش الإسرائيلي: تفعيل الدفاعات الجوية بعد رصد إطلاق صواريخ من إيران    محمد "صل الله عليه وسلم" قدوة الإنسانية وملهم القلوب وقائد القيم    كريم فهمي: مراتي دانيا شريكتي في الأمان وصديقتي الوحيدة.. تتحمل طباعي العصبية    الداخلية البحرينية: إطلاق صفارات الإنذار ونرجو من المواطنين والمقيمين الهدوء والتوجه لأقرب مكان آمن    ألفت عمر: ردود أفعال «على كلاى» فاقت توقعاتى    محمد غنيم يغازل إلهام شاهين وليلى علوي على الهواء    10 سنوات.. «بالورقة والقلم» يحتفل بمسيرة تناولت أخطر ملفات مصر والمنطقة    الدفاع السعودية: اعتراض 4 مسيرات أطلقت باتجاه حقل الشيبة النفطي    حكم دخول الماء للجوف أثناء الاستنجاء؟.. هل يفسد الصيام؟    تشييع جثمان شاب توفى خلال صلاة الجمعة بمسجد بكفر الشيخ    هل تسقط كفارة الصيام بعدم الاستطاعة؟.. المفتي يوضح    دوري المحترفين – القناة يقترب أكثر من الكبار.. وإغماء بعد الاحتفال بهدف بروكسي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خالف تَسلَم..والله أعلم !!
نشر في الجمهورية يوم 25 - 10 - 2012

يري صديقي الاعلامي الكبير الأستاذ مصطفي لبيب ضرورة تغيير المنهج في مواجهة المتلاعبين بالدين في ملعب السياسة.. وأنا أيضا أتساءل معه ومع أصدقائي الأعزاء المهندس إسماعيل العوضي ووليد يحيي وسعد نبيه صابر- من دمياط. وخميس السروجي وسعيد الصياد وحمادة بدران أبو دوح -من إسنا- الأقصر. والمحاسب سعيد عبداللطيف حسانين وأشرف الحسانين -مدرس اللغة الإنجليزية- نبروه- دقهلية. وعاطف النكلاوي- ميت غمر- دقهلية.. أتساءل وأشد "شعري": أي منهج؟ ليس في مصر منهج ولا مقرر ولكن هناك سمك.. لبن.. تمرهندي.. إنه فكر الفقر أو فقر الفكر.. لا أعرف بالضبط.. ليس هناك ما يمكن القطع بكذبه أو صدقه.. ليس هناك رأي عام يمكن قياسه والاحتكام إليه.. ماذا يريد الناس في بلدي؟ هل يمكن الوثوق بالقطيع؟ "قطيعة تقطع القطيع".. الإجماع عند فقراء الفكر ومفكري الفقر علي باطل.. الأغلبية غبية.. لا يمكن في بلد السحابة السوداء أن يتبين الرشد من الغي.. لا يمكن في وطن النفاق والمنافقين تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود حتي في عز الظهر.. زمان قبل ألف ألف عام وأنا طفل كان في قريتي شيخ أو اثنان هما الدين كله.. وليس هناك إسلام إلا ما يقولان.. ومن قال غير ما يقولان حكم عليه بالكفر.. ومن لم يعجبه قولهما حكم عليه بالكفر أيضا.. حرام أن تقول غير ما يقولان.. وحرام أيضا ألا ترضي لهما قولا.. هما لم يطلبا هذا التقديس ولكن الناس في قريتي أضفوا عليهما القداسة.. لا ذنب للصنم ولكن الذنب ذنب من يعبده.. كان أحد الشيخين يمسك بخيطين أحدهما أسود والآخر أبيض في كل ليالي رمضان.. ويظل الناس يأكلون ويشربون وهم ينظرون إلي الخيطين حتي يتبينوا من بعيد لون كل خيط.. وكان هذا يستمر بالطبع إلي ما بعد الفجر ولم تكن في القرية كهرباء وإذا كانت الليلة مقمرة تجري التجربة في غرف مظلمة.. ورضي الناس بهذا التفسير للآية الكريمة: "وكلوا واشربوا حتي يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر".
وكان الشيخ الآخر وهو تلميذ الأول يقول: إن الدليل علي أن الإنسان مخلوق من الطين أن المرء لو حك جسده بأظافره فسيجد عليها الطين أو ذرات الطين. وكان يكفر من يقول بدوران الأرض.. وكان كبارنا في القرية وفي العائلة يرون رأيه بأن الجغرافيا كفر.. وكانوا ينصحوننا حلا للمشكلة بأن نكتب في الامتحان أن الأرض تدور لكي ننجح ولكن لاينبغي أن نؤمن بذلك.
هذا هو أفيون الشعوب الذي تحدث عنه كارل ماركس.. تفسير النصوص الدينية هو الأفيون وليست النصوص نفسها.. دين الفقر.. وفقر الدين.. إنه الإجماع علي الباطل.. والأغلبية الغبية التي إذا شرقت فعلي العاقل أن يغرب.. وإذا ذهبت يمينا فعلي العاقل الذي يود النجاة بنفسه أن يذهب شمالا..
في زمن غثاء السيل ينبغي علي الحصيف أن يبحث عن القلة ليكون معها.. في زمن الفتن التي كقطع الليل المظلم ينبغي علي الواعي أن يخالف.. فإذا قام الناس قعد.. وإذا قعدوا قام وإذا جلسوا اضطجع وإذا اضطجعوا جلس.. وإذا استيقظوا نام وإذا ناموا استيقظ.. القياس الصحيح والعاقل للرأي العام وما نسميه نبض الشارع "إنك تعرف الناس عايزين إيه وتعمل عكسه".. أن تسبح ضد تيار الإجماع والأغلبية والكثرة.. صدقني "مافيش حل تاني".. لا تزاحم لأن الزحام دائما علي الرديء.. لا تدخل السينما لأن الفيلم "مكسر الدنيا".. لأنه مليون في المائة فيلم تافه وحقير.. الكتاب الأكثر مبيعا هو الأتفه والأقل قيمة.. الحائز علي أعلي الأصوات هو أتفه المرشحين وأكذبهم وأكثرهم نفاقا وبهلوانية.. البرنامج الأكثر مشاهدة.. الصحيفة الأكثر توزيعا.. الكاتب الأشهر.. الفنان الأكثر نجومية.. السلعة "اللي ماشية زي النار".. الداعية الأكثر تأثيرا.. الحزب الأكثر أنصارا وأعضاء.. كل هؤلاء هم الأتفه والأقل قيمة.. الأكثر كلاما أكثر كذبا وأقل فعلاً.. راهن علي المخالفة وستكسب الرهان..ولو راهنت علي الموافقة فسوف تخسر.
التقسيمات والتصنيفات في وطن الغثاء وهمية.. لا تصدقها ولا تركن إليها شيئا قليلا أو كثيرا.. لا يوجد ليبراليون ولا علمانيون ولا ثوار ولا إسلاميون ولا إخوان ولا سلفيون.. إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان.. اختلاف أسماء الأصنام "ما يفرقش"- هبل- اللات- العزي- مناة- الهدف واحد والمصير واحد "والخيبة الثقيلة" واحدة.. وتقسيمات الليبراليين والعلمانيين والإخوان والسلفيين وهمية مثل تقسيمات الأصنام تماما.. إنها سبوبة لأصحابها "نحتاية".. لقمة عيش.. تماما مثل عبادة الأصنام.. لم يكن عبدة الأصنام يؤمنون بها ولكنها كانت سبوبة ولقمة عيش للكثيرين.. الكهنة والسدنة والقبائل.. كانت الأصنام مصدر رزق وقاتل أصحابها لا إيمانا بها.. ولكن حفاظاً علي لقمة العيش- نفس ما يحدث الآن في وطني لا تصدق أنها مناهج ومباديء وأفكار يؤمن أصحابها بها.. ولكنها سبوبة.. الثورة سبوبة.. والأخونة والسلفنة والعلمنة واللبرلة والحزبنة والائتلافات والحركات.. كل هذه سبوبة ولقمة عيش حلوة.. ومصدر رزق.. لذلك يتمترس أصحابها حولها ويقاتلون دونها لا دفاعا عن قيمة أو مبدأ أو دين. ولكن دفاعا عن "النحتاية" ولقمة العيش والسبوبة.. تماما كما دافع عبدة الأصنام عنها.. وكما يدافع البلطجية والهجامون واللصوص وقطاع الطرق عن مصادر رزقهم ولقمة عيشهم.
* * *
والناس يتقلبون علي الائتلافات والحركات والأحزاب والجماعات تلبية لنداء بطونهم وجيوبهم لا تلبية لنداء المبدأ والعقل والقيم والدين.. "اللي تكسب به العب به".. يمسي المرء "حزب وطني".. ويصبح حرية وعدالة.. ويصبح وفديا ويمسي "حزب نور".. ويمسي فلولا ويصبح ثائرا.. الناس في وطن الغثاء يغيرون انتماءاتهم كما يغيرون جواربهم.. وإذا أردت أن تكسب أنصارا فخاطب الناس علي قدر بطونهم لا علي قدر عقولهم.. خاطب الناس علي قدر جيوبهم لا علي قدر قلوبهم.. كل شيء في وطن الغثاءنزل المزاد.. من يدفع أكثر يكسب أصواتا أكثر.. إنه فكر الفقر وفقر الفكر معا.. العامل الاقتصادي هو الفوقي كما تقول الشيوعية.. لذلك ذابت الفروق تماما بين البلطجي والسياسي.. وبين الجراح والجزار.. وبين الطبيب والحانوتي.. وبين الصحفي أو الاعلامي والنصاب وبين الدعاة والحواة.. وبين الشاعر والداعر وبين العسكر والحرامية.. حتي أهنا المظاهر الإسلامية واللحية والنقاب والجلباب والخمار.. هناك مئات بل آلاف يستخدمون هذه المظاهر عدة نصب واحتيال.. المتسولة المنتقبة تكسب أكثر والنصاب الملتحي لا يلقي مقاومة من الضحية.. والساقطة المحجبة أعلي سعرا.. "شوف السوق عايز إيه وإديله".
انتشار المظاهر الدينية لا يعني أبداً شيوع التدين.. بل يعني شيوع عدة جديدة للنصب والاحتيال.. يعني انتشار النفاق واللصوصية والسقوط بأساليب وطرق وأدوات عصرية مطلوبة في السوق.. تماما مثل شيوع صالونات المحجبات وأزياء المنتقبات.. ومكياج المتدينات.. "السوق عايز كده".. وهناك خبراء تسول ونصب واحتيال وسقوط. مهمتهم دراسة السوق ومعرفة ما يريد الناس وما يجدي معهم ليقعوا ضحايا وفرائس بسهولة وبلا مقاومة.
كل زمان في وطن الغثاء له أساليبه في النصب والاحتيال.. كان النصب بالاشتراكية وتحالف قوي الشعب العاملة.. ثم صار النصب بالانفتاح والسلام والخيار الاستراتيجي والخيار البلدي.. ثم أصبح بالخصخصة والصحوة الكبري ثم الآن بالنهضة وبالدين.. تتعدد الأساليب والنصب واحد.. تتعدد الطرق والغش واحد.. الآن يشترون بآيات الله ثمنا قليلا.. تتعدد أسماء الرقصات والهز واحد.. رقصة سياسية.. رقصة ثورية.. رقصة دينية إخوانية سلفية.. رقصة ليبرالية.. رقصة علمانية "الكباريه واحد.. والبيست واحد.. والزبائن السكاري وما هم بسكاري ما تفرقش معاهم.. وهات يا نقوط وتصفيق ومكاء وتصدية".
كان صديقنا زمان ونحن طلاب في الجامعة يسير مع "الحتة بتاعته" في الشارع فلقيه متسول وقال له: "إديني حاجة ربنا يخليك" فتجاهله ولم يعطه. فقال له المتسول: "اديني حاجة لله ربنا يخليلك الهانم الحلوة اللي معاك".. فدس يده في جيبه وأعطاه مبلغا كبيرا.. روي لي صديقي هذه الرواية وقال لي: هذا المتسول يصلح رجل إعلام عبقرياً لأنه أجبرني علي أن أعطيه عندما أشعرني بملكيتي لهذه الفتاة الجميلة.. لم أستطع مقاومته ورضخت له.. وربما أعطيته لأنه أحرجني أمام فتاتي فلو لم أعطه فإن ذلك يعني أنها ليست عزيزة عندي.
الساسة وأهل الدين والثوار وأهل الأحزاب كلهم متسولون أو نصابون ويستخدمون طرقا كثيرة لتسول أصواتنا وتأييدنا وولائنا والنصب علي عقولنا والضحك علي ذقوننا.. في مصر لا توجد سوي غاية واحدة هي التكسب والتربح.. لكن الوسائل هي التي تتعدد.. بالإعلام وبالصحافة والسياسة والدين.. بالعلمنة واللبرلة والأخونة والسلفنة.. بالثورة.. بالمعارضة.. بالتأييد.. بالمليونيات.. هذه كلها ليست مناهج ولا قناعات ولا ولاءات ولا مباديء ولكنها وسائل للتكسب والتربح والنصب والاحتيال والتسول.. السياسة والدين والثورة والمعارضة والتأييد والأخونة والسلفنة والعلمنة.. وكل ما يخطر ببالك مشاريع تجارية وليست قناعات ومباديء.. وهي تدر دخلا أضعاف أضعاف مشاريع المقاهي والأكشاك والتكاتك والتاكسي الأبيض أو الأسود.. وهي مشاريع معرضة للفشل أو النجاح مثل المشاريع التجارية تماما.. ومن يدخلها علي أنها قناعات ومباديء وانتماءات فكرية يخرج منها "ملط".. ومن يدخلها علي أنها سبوبة ويجيد إدارتها يكسب منها الملايين.. هناك اعلاميون نصف كم أو "نص لبة" يحققون ملايين في الشهر الواحد.. وهناك اعلاميون نجوم "موش لاقيين ياكلوا" لأنهم فهموها كفاءة ومباديء ورسالة ولا يساوون في السوق جناح بعوضة.. هناك ثوار أصبحوا مليونيرات من سبوبة الثورة.. وهناك ثوار "خدوها جد" وخرجوا من المولد بلا حمص.. هناك من درت عليهم السياسة الملايين.. هناك من أثروا بالأخونة والسلفنة والدعوة الدينية.
* * *
هناك من صاروا مليارديرات من لعبة الانتخابات.. هناك مليارديرات حرب ومليارديرات سلام.. ومليارديرات انغلاق ومليارديرات انفتاح.. هناك أغنياء الاشتراكية وأغنياء الرأسمالية.. هناك أغنياء الفساد.. وأغنياء برامج الإصلاح.. هناك من يضعون أيديهم في التراب فيتحول إلي ذهب.. ومن يضعون أيديهم في الذهب فيتحول إلي تراب.. والصنف الثاني يضم "بتوع المباديء والرسالة والقيم".. وفي مصر لا يوجد منطق ولا موضوعية ولا إجابة لسؤال: لماذا؟ "هو كده".. الثراء فاحش وغير منطقي ومفاجيء.. والفقر مدقع وغير منطقي.. والثراء الفاحش وغير المنطقي والمفاجيء لا يتحقق إلا بتجارة المخدرات أو الدعارة.. أو تجارة السياسة والدين... لا يوجد تفسير آخر.. والذي يتولي الإصلاح في مصر فاسد من "ساسه لراسه".. هذا في كل عصر.. مصلحو الماضي صاروا فاسدي الحاضر.. وفاسدو الماضي صاروا مصلحي الحاضر.. والذي كان جانيا صار مجنيا عليه.. والذي كان مجنيا عليه صار جانيا.. وكرسي الحكم أو المسئولية في مصر يتناوب ويتعاقب عليه فاسدون ومفسدون وموتورون ومتشفون.. إنه تراث العبيد المماليك.. كل حاكم جديد يمضي عهده كله في شطب السابق ومحوه وإزالة اسمه من الأسبلة والمساجد ومحطات المترو وبطولة حرب أكتوبر أو حرب التتار في عين جالوت.. كل حاكم جديد يفعل ما فعله الظاهر بيبرس في سيف الدين قطز.. قتل بيبرس قطز وصار بدلاً منه بطل موقعة عين جالوت وقاهر التتار ومؤسس دولة المماليك.
والمصريون دوما يجيدون صناعة أصنام من لحم ودم.. ويصنعون تاريخا لمن لا تاريخ له.. وبطولات لمن يخاف من خياله.. والزعماء الذين خلدهم التاريخ وطبل وزمر لهم وتمددوا في صفحات كتاب تاريخنا هم الذين لم يفعلوا شيئا.. وهم الأقزام الذين جعلناهم بالنفخ فيهم عمالقة.. والزعماء والمبدعون الذين حققوا أمجاد هذا الوطن لم يحظوا سوي بسطر أو سطرين في كتاب تاريخنا.. هذه قاعدة لم تشذ أبدا في السياسة والفن والصحافة والاعلام والقانون والثورة.. النكرات تحولوا إلي معارف والمعارف تحولوا إلي نكرات.. قزمنا من يستحق العملقة.. وعملقنا من يستحق التقزيم.. كان سعد زغلول خطيبا بارعا.. بينما كان عدلي يكن سياسيا عملاقا.. فصارت النجومية للخطيب والتخوين للسياسي الفذ.. كان مصطفي كامل خطيبا لا يشق له غبار.. وكان محمد فريد وطني الفعل والقلب.. فصار مصطفي كامل نجما وصار محمد فريد في طي النسيان.. قل ذلك عن الجميع.. قل ذلك عن كل من تعرفهم ووردت أسماؤهم في كتاب التاريخ.. الزعماء الحقيقيون والمخلصون لثورة يوليو لا يعرفهم أحد.. والأبطال والزعماء الحقيقيون لثورة يناير لا يعرفهم أحد.. وسرق النصابون الكحل من عين مصر.. سرقوا الثورات والانجازات ومقاعد السلطة.. هذه هي مصر "هي دي مصر يا عبلة".. البلهاء يطبخون ويكلفون.. والنصابون يلتهمون الطعام كله.. أكذبنا وأكثرنا نصبا واحتيالا في كل مجال هو أشهرنا وأعظمنا وسيدنا "وتاج راسنا".. مصر منذ زمن طويل يحتل فيها القمة من ينبغي أن يكون أسفلها.. مصر من زمان تري عاليها سافلها وسافلها عاليها.. مصر من زمان "دايرة علي حل شعرها".. منذ ضبطها الشاعر عبدالرحمن الأبنودي "عالترعة بتغسل شعرها-جانا نهار ما قدرش يدفع مهرها".. لا تراهن يا صديقي علي شيء أو علي شخص في وطن الغثاء والرويبضة.. قل: أسود إذا رأيت إجماعا علي اللون الأبيض.. إذ قالوا لك: عجل.. فاحلبه.. وستجد أنه بقرة.. فر من الإجماع والأغلبية في وطن النصابين فرارك من المجذوم والأجرب.. يا أخي هذه سنة الله فلا تخالفها.. الناس إلي أسوأ.. وقرية سدوم لم يكن فيها غير بيت من المسلمين.. والإجماع بعد ذلك كان علي المنكر وكلما تعاقب الزمان صرنا إلي الأسوأ.. وفكت مصر ضفائرها أكثر.. من أجل ذلك "شوف الناس رايحين فين وامشي عكس اتجاههم".. خالف تسلم.. والله أعلم!!
نظرة
مصر اليوم.. وكل يوم في عيد.. وأقبل العيد ولكن ليس في الناس المسرة.. لا أري إلا وجوها كالحات مكفهرة.. وعيونا باهتات قد كساها الهم صفرة.. وشفاها تحذر الضحك كأن الضحك جمرة.. لا يوجد عيد خارج الوجدان.. العيد في القلب حتي في غير أيام العيد.. ومصر شبعت أعيادا لكنها جائعة للفرحة.. جائعة للسعادة.. مالحة في عيوننا القصائد.. مالحة ضفائر النساء والليل والأستار والمقاعد.. مالحة أمامنا الأشياء.. يا وطني الحزين حولتني من شاعر يكتب شعر الحب والحنين.. إلي شاعر يكتب بالسكين.. وكلما كثرت الأعياد دل ذلك علي غياب القيم.. كلما كثرت المناسبات دل ذلك علي غياب الحقائق.. لذلك عندما غاب الحب اخترعنا عيد الحب.. وعندما غاب بر الوالدين اخترعنا عيد الأم.. وبعد ما يسمونه ثورة يناير زادت أعيادنا أضعافا.. ففي كل يوم لنا عيد.. لأننا في كل يوم لنا وقفة.. وفي كل يوم لنا ألف ضحية!!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.