فيما احتشد مواطنو الكيان الصهيوني أمام وزارة الدفاع الإسرائيلية، وعبر شاشات التليفزيون لمتابعة الإفراج عن الدفعة الأولى من أسراهم الذين اقتادهم الفلسطينيون يوم 7 أكتوبر؛ أكد متخصصون عسكريون صهاينة أن إسرائيل لم تنجز ثلث أهدافها في غزة؛ حيث ما زالت حماس قادرة على استهداف إسرائيل وإيلامها، عبر قدراتها العسكرية الإسرائيلية. ويطالب الإسرائيليون رئيس وزرائهم نتنياهو بالعمل على تحرير كافة أسراهم من أيدي المقاومة الفلسطينية وفق أية شروط. وهو ما يضع مزيدا من الضغوط على حكومة إسرائيل. أزمة اقتصادية وفي الأثناء تتعاظم الأزمة الاقتصادية بإسرائيل؛ حيث بات الاقتصاد الإسرائيلي مرهونا بسوق السندات الدولية، بعد خسائر مالية كبيرة تتجاوز 50 مليار دولار. ومع تواصل تطبيق بنود اتفاق الهدنة، تتزايد الآمال الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس وسط دعوات فلسطينية للاحتجاج والانتفاض ضد الصهاينة لاستعادة باقي الأسرى الفلسطينيين، كما فعلت حماس التي جرت إسرائيل نحو المربع الذي تريده؛ بتبادل الأسرى، وصولا لتبييض السجون الإسرائيلية، وهو ما يمثل قمة الانتصار. وحول حصيلة الحرب على الصعيد الإسرائيلي، يقول الخبير العسكري الأردني، اللواء المتقاعد فايز الدويري، إن: "الأرقام التي تعلنها فصائل المقاومة تشير إلى أن إسرائيل تخسر آلية و6 أفراد بين قتيل وجريح كل ساعة و20 دقيقة، ما يعني سقوط 3185 قتيلا وجريحا خلال 22 يوما من العدوان البري في قطاع غزة على أقل تقدير". التقدم نحو الأصعب وتابع: "كلما تقدمت إسرائيل في أي محور داخل غزة كان وضعها أكثر صعوبة وكانت فرصة المقاومين على التعامل أكبر"، مشيرا إلى أن ما "تم نشره مؤخرا من صور للمعارك يؤكد أن المقاومة تدير المعركة بنجاعة". مؤكدا أن "إسرائيل لن تفصح عن خسائرها الحقيقية قبل 6 أشهر من انتهاء المعركة". ولليوم التاسع والأربعين يشن جيش الاحتلال الإسرائيلي حربا مدمرة على غزة، خلفت أكثر من 14 ألفا و532 شهيدا فلسطينيا، بينهم أكثر من 6 آلاف طفل و4 آلاف امرأة، فضلا عن أكثر من 35 ألف مصاب، نحو 75 بالمئة منهم أطفال ونساء، وفقا للمكتب الإعلامي الحكومي بغزة. لا أمن لإسرائيل في غضون ذلك، اعتبر المحلل السياسي جوست هيلترمان أن إسرائيل ومعها حليفتها الولاياتالمتحدةالأمريكية لا تملكان سوى العديد من الخيارات السيئة في مرحلة ما بعد الحرب المتواصلة في غزة منذ 7 أكتوبر المنصرم. وذكر هيلترمان، الذي يشغل منصب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، في تحليل مطول نشرته مجلة "فورين آفيرز" الأمريكية أن هجوم طوفان الأقصى الذي نفذته حماس في 7 أكتوبر حطم إحساس إسرائيل بالأمن وأذل جهازها الاستخباراتي والأمني. كما أدى إلى كشف عدم جدوى النهج المزدوج الذي تتبعه إسرائيل تجاه صراعها مع إسرائيل والمتمثل في العمل على إبقاء البيت الفلسطيني منقسما، وفي الوقت ذاته اقناع الأنظمة العربية بأن مصلحتها ستكون في تطبيع علاقاتها مع إسرائيل بدون اشتراط مسبق بعقد دولة الاحتلال سلام مع الفلسطينيين. سيناريوهات غامضة ولفت المحلل أن إسرائيل في سعيها المنفرد لتدمير حماس، يبدو أنها قد تجاهلت أو تنازلت عن التخطيط لعواقب أو لما ينبغي أن يحدث بعد انتهاء الحرب لحلفائها الغربيين، حتى برغم أن عملياتها العسكرية سوف تحدد حدود ما هو ممكن. وأشار إلى أن العديد الزعماء في الغرب طرحوا عددا من السيناريوهات الغامضة، ولا يبدو أن أيا منها يحمل أملا كبيرا في التحقق. واستعرض هيلترمان عددا من السيناريوهات المطروحة ومن بينها أن تقوم الدول العربية بإرسال قوة لحفظ السلام لحكم قطاع غزة، وأوضح أن الحكومات العربية أظهرت عدم رغبتها في تولي مثل هذه المسؤولية. وأضاف أن تلك الحكومات منقسمة حسب مصالحها وأهدافها الإقليمية المنفصلة، وجميعهم يكرهون تحمل عبء الحكم على شعب جامح معروف بقوته بسبب سنوات من المقاومة المسلحة لإسرائيل؛ وهم أيضا غير راغبين في رفع عبء حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني عن أكتاف إسرائيل. ولفت إلى مقترح آخر حظي باهتمام كبير من الدول الغربية، بما في ذلك الولاياتالمتحدة، وهو أن تحل السلطة الفلسطينية محل حماس في غزة. وعقب بأنه من الصعب تخيل وجود نجاعة لهذا المقترح لعدة أسباب، أبرزها هو فقدان السلطة الفلسطينية، التي تحكم الضفة الغربية تحتلها إسرائيل كامل مصداقيتها لدى الفلسطينيين، ويعتبرونها غير فعالة وسلطوية وفاسدة وذراع للاحتلال الإسرائيل. وإضافة لذلك، أكدت السلطة الفلسطينية ذاتها عدم اهتمامها بإدارة غزة، فهي بالكاد قادرة على حكم الضفة الغربية، فكيف يمكنها أن تتوقع أداء أفضل في غزة، حيث من المرجح أن يظهر السكان عداء أكبر تجاهها، وخاصة إذا تولت السلطة بناء على طلب إسرائيل. ويعدل البعض على الاقتراح من خلال الإشارة إلى أن السلطة الفلسطينية لن تلعب سوى دور اسمي، وأن الطبقة المهنية في غزة، التي تعيش حاليا في وضع البقاء، يمكنها إدارة المؤسسات الحكومية لتوفير الخدمات للسكان. وعقب المحلل أنه من الصعب أن نرى كيف يمكنهم القيام بذلك دون الحصول على ضوء أخضر من بقايا حماس. احتمال غير مرجح وحتى لو نجحت إسرائيل في تدمير كتائب القسام الجناح العسكري لحماس في غزة وهو ما يبدو احتمالا غير مرجح فإن الحركة أكثر من مجرد منظمة عسكرية. وذلك لأن حماس تسيطر على قطاع غزة منذ عام 2006، ولها حضور في المؤسسات الكبرى والمجتمع المدني، وتتمتع بدعم شعبي كبير. ويشير البعض إلى محمد دحلان، قائد فتح المارق المقيم في أبو ظبي والذي ينحدر من غزة وسيتمتع بدعم من إسرائيل والإمارات، وكذلك الولاياتالمتحدة. ولكن أي محاولة لفرض قيادته للقطاع من المرجح أن تولد ميتة، نظرا لافتقاره إلى الدعم المحلي، وقد أشار إلى أنه غير مهتم بالحصول على تلك القيادة، حسب رأي الكاتب. وفي ظل عدم قبول دول عربية أو ممثل فلسطيني لملء فراغ حماس في غزة، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخرا أنه يؤيد السيطرة الأمنية الإسرائيلية لفترة غير محددة، إما من خلال إعادة الاحتلال المباشر أو الانتشار داخل المنطقة العازلة وعلى طول محيطها. ولفت الكاتب إلى أن الطريقة الأفضل لتحقيق قدر أكبر من الأمن على أساس دائم قد تكون هي أن تتصالح إسرائيل مع المنطقة الأوسع من خلال اتفاقيات التطبيع أو من خلال آلية أخرى مع وضع حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في المقدمة. ويتطلب مثل هذا النهج تقديم تنازلات كبيرة من جانب إسرائيل بشأن مستوطنات الضفة الغربية والدولة الفلسطينية، وهو ما من غير المرجح أن توافق عليه حكومة نتنياهو، أو أي حكومة أخرى مماثلة لها في فكرها المتطرف.