خطوات قليلة من ميدان الإسعاف، وبالقرب من دار القضاء العالي، تستطيع أن تميز المبنى الأبيض الأثري العتيق الذي تميزه قبة تعتليه، منقوش على بوابته اسم "معهد الموسيقى العربية". المبنى الذي يقع على أرض مساحتها 3200 متر، يحيط به من الخارج سور حديدي، تم استخدامه كحائط خلفي لبعض الأكشاك، وبوابة قديمة أوشكت على التهالك، بمجرد أن تعبر من خلالها تستقبلك حديقة بسيطة التي التفت أعشابها وشجيراتها، بتواضع حول المبنى. عندما ترى في حديقة المعهد تمثال عبد الوهاب، ينظر إليك، وقد ظهرت عليه علامات الزمن، يعيد في ذاكرتك، لقطات أفلامه السبعة "الأبيض والأسود" وأغانيه التي تركها للمصريين إرثا غاليا "يا مسافر وحدك ، بفكر في اللي ناسيني، أنسى الدنيا، حكيم عيون". يعود تاريخ تشييد المبنى إلى 100 عام مضت، لكنه افتتح تحديدا في يوم الخميس 26 ديسمبر عام 1929، يعد صرحًا عظيمًا تخرج منه رواد ساحة الغناء العربي منهم أم كلثوم، عبدالوهاب، عبدالحليم حافظ، وفريد الأطرش. يتكون دار المعهد الأبيض المتهالك بفعل الزمن من طابقين، بكل طابق جناحان، يشتملان على نحو خمسة عشر غرفة ففي الطابق الأول الذي تصل له بعد المرور من البوابة الإلكترونية المستحدثة، والتي لا تشبه المكان الأثري، فأماملك مفترقا للطرقات تقودك للغرف المنتشرة هنا وهناك، فتجد غرفة الاستراحة الملكية بزخارفها العربية البديعة، وأثاثها الشرقي الجميل، الجدران في جميع الغرف مغطاه باللوحات العتيقة بأشخاصها الذين عرفهم الشعب المصري في أفلام وفن الزمن الجميل. الطابق الأول الذي تراست فيه الغرف جنبا إلى جنب، إضافة لمسرح يسع 300 متفرج، وعدد من الغرف الخاصة بالإدارة والسكرتارية، والمتحف الخاص بالآلات الموسيقية والذي يضم مجموعة من الآلات التراثية من كل دول العالم، كالعود بجميع فأشكاله، والطنبور، والماندولين، والبالالايكا، والقانون، والآلات القوسية، وآلة الرباب والبيانوالشرقي، وغيرها من أدوات الموسيقى. وفى الدور الثاني، عند صعودك على السلم الدائري للمعهد، يوجد متحف محمد عبد الوهاب، ومتعلقاته الشخصية، التي أصبحت جزءًا من تراث مصر الموسيقى، ووسط أجواء من العراقة والبهاء تراهما عيناك على جدران متحف عبدالوهاب، وكأنك في إحدى حفلات لقاء السحاب التي كان يحييها على أنوار "كوكب الشرق"، الست أم كلثوم، ولا عجب إن رأت عيناك ناصر، والسادات ومبارك، معك في نفس الرحلة، قد جاءوا جميعهم ضيوفا ببعض صورهم وذكرياتهم في متحف محمد عبدالوهاب، النهر الخالد. ويزين الجدار صورة ضخمة لطفلة في التاسعة من عمرها تحتل أفيش فيلم "يوم سعيد"، إنها سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة التي شاركت عبد الوهاب العمل في أول ظهور فني لها، وبجوارها صورًا لأفيشات أفلام "الوردة البيضاء، ودموع الحب، ويحيا الحب، وممنوع الحب، ولست ملاكا، ورصاصة في القلب". وهناك فاترينات زجاجية أحاطت بغرف المتحف تلمع من بريق أوسمة وجوائز ومدليات حصل عليها عبدالوهاب، بخلاف مجموعة من المقتنيات الخاصة والمتعلقات الشخصية التي تبرعت بها أسرته للمتحف لتخليد ذكراه، وترى العود والبيانو والكثير من النوت الموسيقية بخط يده، وأجزاء من غرفة النوم الخاصة به، منها بذلته في فيلم الوردة البيضاء، وساعة حائط، ونظارتين وبدلته العسكرية، والروب الخاص به، والكرسي الذي توفي عليه. كما يوجد أيضا غرفة خصصت لسماع ألحانه ومشاهد أفلامه ويمكن للمتلقي رؤية وسماع التسجيلات المسموعة والمرئية التي سجلت مع الموسيقار سواء في الإذاعة أو التليفزيون. ويقول محمود عفيفي، مدير المعهد ل"الوطن"، إن المكان الأثري شهد عهودًا كثيرة في مصر، حيث عاصر ملوكًا ورؤساء كثيرين، بداية من الملك فؤاد الأول، مرورا بالملك فاروق، والملك أحمد فؤاد الثاني، ليشهد بعد ذلك ثورة يوليو 1952، وإعلان الجمهورية. وأضاف أن المبنى أعيد تجديده في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، ثم عاصر ثورة 25 يناير 2011، وعلى مر تاريخه العريق استقبل وفودًأ من مختلف دول العالم العربي والأوربي. وعن اللوحات الأثرية التي يضمها المتحف أوضح عفيفى أن معهد الموسيقى استطاع بمساعد دكتورة إيناس عبد الدايم، رئيس دار الأوبرا العربية، في الحصول على مجموعة من الوحات الأثرية، هذ بخلاف ترميم بعض اللوحات التراثية التي يقتنيها المعهد. معهد الموسيقى في الأصل كان ناديا بدأت فكرة إقامة معهد الموسيقي العربية عام 1913، عندما كان يتردد على منزل على بك رضا، جماعة من هواة الموسيقى الشرقية، ويقومون بعقد جلسات وسهرات ثقافية بمنزله، ليؤسس رضا فيما بعد نادي الموسيقى الشرقية. بدايات النادي كانت في دار صغيرة بشارع محمد على إيجارها الشهري 3 جنيهات و500 مليم، ومع زيادة عدد الأعضاء تم نقل النادي إلى منزل في شارع البوستة القديمة بإيجار قدره 16 جنيها. قرر المؤسسون تحويل النادي إلى معهد للموسيقى تفتخر به مصر، ومنحتهم الحكومة عام 1921 قطعة أرض في "شارع نازلي سابقا" رمسيس حاليا، وأشرف على وضع التصميمات مسيو فيروتشي، مهندس السرايات الملكية، ومسيو باستور مفتش عام مصلحة المباني، وتكلف بناء المبنى نحو 30 ألف جنيه، وأمدهم الملك فؤاد بمنحة مالية كمساعدة في البناء. وفي يوم الخميس 26 ديسمبر عام 1929 تم افتتاح المعهد، وحضر الحفل الملك فؤاد الأول والوزراء والأعيان وكبار موظفي الحكومة، ووقع جلالة الملك فؤاد على وثيقة الرسمية لافتتاح المعهد، لينظم أمير الشعراء أحمد شوقي نشيد الترحيب بالملك، ولحنه مصطفى بك رضا الذي شغل منصب أول رئيس لمعهد الموسيقى، وتم تغيير اسمه من نادي الموسيقى الشرقي، إلى معهد الموسيقى الشرقية. وفي 9 مايو 1933 تم تغيير اسمه المعهد الملكي للموسيقى العربية.