من نعم الله على مصر، أن منحها على الدوام مبدعين يصونون تاريخها وحضارتها وتراثها العريق.. بين هؤلاء المبدعين الذين تزخر وتفخر بهم المحروسة يقف الشيخ ياسين التهامى شامخاً كمنارة مضيئة وراسخة. هو عميد «دولة الإنشاد الدينى» العامرة بسلسلة من المنشدين العظام، جاء مكملاً لمساعيهم فى الارتقاء بفنون وتراث الأجداد ومجدداً لما كان عليه السابقون، معنى ولحناً، أشعل ثورة فى الأداء الفنى للإنشاد الدينى والتعامل مع أشعار أقطاب الصوفية والمحفوظ فى الصدور من التراث، فأحدث فارقاً، وبات محطة للتأريخ.. ما قبل ياسين التهامى، على مدار 50 عاماً، مرحلة، وما بعده مرحلة أخرى. من الحواتكة بأسيوط، إلى مختلف دول العالم، طاف فن ياسين التهامى والأجواء الروحية التى يشيعها فى حفلاته وفى موالد آل البيت وأولياء الله الصالحين، حتى صار «براند» مصرى، وسفيراً للتسامح ودين الحُب والعشق الإلهى، يرسل بفنه رسالة سلام للإنسانية ويعبر بجلاء عن القوة الناعمة لمصر، مؤثراً بالعمق فى وجدان شعبها. النشأة على حُب الأولياء وخدمتهم، وسنوات الصبا والشباب والتعليم والحياة الاجتماعية والطريق إلى الإنشاد والتعرف إلى أقطاب الصوفية وأشعارهم ومشروعات فنية بعضها اكتمل وبعضها لم يكتمل، وتفاصيل كثيرة غيرها، كانت حاضرة فى الكتاب الأول عن «ياسين التهامى» الذى تصدى لإعداده الدكتور محمد الباز، بعنوان «أسرار عميد دولة المداحين»، مخترقاً عالماً ظل الشيخ لسنوات يحيطه بسياج من الكتمان، فى 40 فصلاً بالكتاب. لعام ونصف العام، أجرى «الباز» لقاءات عديدة بالشيخ «ياسين» وأبنائه وأقاربه وعدد من محبيه، ودخل عالمه الرحب وفتش كثيراً فى المسكوت عنه فى حياة الشيخ، وعندما تكشفت له الأسرار، علم بلغة خاصة صارت بينهما ما هو قابل للنشر وما سيبقى فى الصدور.. وربما كان ما يتضمنه الكتاب من انفرادات وكواليس وأسرار مجرد «رشحة» بسيطة من بئر عميقة تغوص فيها شخصية الشيخ ياسين التهامى وتستقر فى قاعها حكايته الكبيرة.. حكاية ملخصها سؤال حائر يطارده هو «مَن أنا؟».