تلقيت دعوة من التليفزيون الصينى لإجراء لقاء عن سد النهضة، وقد قبلت على الفور هذه الدعوة من منطلق العلاقات التاريخية الطيبة بين الصين ومصر، ولأهمية الصين كإحدى القوى الاقتصادية العظمى فى العالم، ولأن الصين من أكبر الدول المستثمرة فى أفريقيا وفى حوض النيل، والصين ساهمت وما زالت فى تمويل وإنشاء بعض السدود الإثيوبية، بل وافقت أيضاً ولو مبدئياً، على تمويل وإنشاء خطوط الضغط العالى لنقل جزء من كهرباء سد النهضة إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. وكان اللقاء مسجلاً، وتم فى الساعة الثالثة ظهراً من يوم الخميس الموافق 20 نوفمبر 2014، فى المكتب الفرعى للمحطة التليفزيونية بالقاهرة، حيث إن مركزها الرئيسى فى أفريقيا يقع فى العاصمة الكينية نيروبى. وقد علمت بعد وصولى إلى مقر المحطة بأن اللقاء التليفزيونى ليس تقليدياً بل هو أقرب لأن يكون مناظرة مع الخبير الإثيوبى الدكتور يلما سالاشى أستاذ الهيدرولوجيا بجامعة أديس أبابا، وهو كما تم تقديمه فى المناظرة يشغل رئيس فريق إثيوبيا التفاوضى فى اللجنة الثلاثية الوطنية. وأدارت هذه المناظرة مذيعة كينية ويساعدها الدكتور سيمون، كبير محاضرين فى معهد التغيرات المناخية بنيروبى. وكان اسم البرنامج «تحدثى أفريقيا»، ومدته الكلية 30 دقيقة منها 10 دقائق مقدمة تشمل اللقطات التسجيلية وتصريحات لبعض المسئولين الإثيوبيين عن مشروع سد النهضة، ثم ملخصاً عن تطور أزمة سد النهضة والمباحثات الجارية، و20 دقيقة خصصت للمناظرة. والمناظرة التليفزيونية دارت حول عدة محاور رئيسية من خلال توجيه سؤال لأحد الطرفين ثم يعلق الآخر على إجابة الأول، ثم سؤال إلى الطرف الثانى ويعلق الطرف الأول. وشملت هذه المحاور مدى التقدم فى مفاوضات سد النهضة، والعقبات التى تواجه المفاوضات الجارية، والمخاوف المصرية من سد النهضة، ومرئيات مصر وإثيوبيا حول إمكانية التوصل إلى حل توافقى بين البلدين. وكان السؤال الأول فى هذه المناظرة موجهاً لى عن رأيى فى مسار المفاوضات والمباحثات الثلاثية، وعن وضع المفاوضات حالياً. وكانت إجابتى أنه لا توجد أى مفاوضات حقيقية حول السد منذ البدء فى إنشائه عام 2011 وحتى تاريخه، بل هى مباحثات فنية شملت تشكيل لجنة ثلاثية دولية لتقييم الدراسات الإثيوبية لسد النهضة، وأن هذه اللجنة انتهت من أعمالها بإصدار تقرير نهائى فى نهاية مايو 2013، والذى خلص إلى أن الدراسات الإثيوبية غير كافية وغير مكتملة، وأنه يجب استكمال وإعادة الدراسات الخاصة بالسد. ثم استطردت فى إجابتى موضحاً أنه تم بعد ذلك تشكيل لجنة ثلاثية وطنية لتنفيذ توصيات اللجنة الدولية، واستكمال الدراسات البيئية المعنية بالآثار السلبية للسد على دولتى المصب وذلك بالاستعانة بإحدى الشركات الاستشارية الدولية. ثم أضفت أنه بخصوص تعديل واستكمال الدراسات الإنشائية، فقد تعهدت إثيوبيا بأنها سوف تستوفى كل الملاحظات التى وردت فى تقرير اللجنة الدولية عن تصميمات السد. فقامت مذيعة البرنامج بتوجيه سؤال آخر عن المخاوف المصرية من سد النهضة. وكانت إجابتى أن المخاوف المصرية تتعلق أساساً بالحجم الكبير للسد وليس من السد نفسه، حيث إن سعة السد المعلنة تبلغ 74 مليار متر مكعب، وأنه من المنتظر مع بداية التخزين أن تتسرب كمية من المياه لا تقل عن 10: 15 مليار متر مكعب إلى باطن الأرض أسفل بحيرة التخزين، مما يجعل إجمالى كمية المياه التى سوف يتم اقتطاعها من إيراد النهر إلى مصر نحو 90 مليار متر مكعب، وهى تكافئ سعة التخزين الحى للسد العالى. وهذا يعنى باختصار أنه سيتم نقل المخزون المائى للسد العالى إلى الهضبة الإثيوبية، مما يفقد مصر فوائد السد العالى سواء فى توليد الكهرباء أو فى تحقيق الأمن المائى للبلاد فى سنوات الفيضان المنخفضة. ثم أعطت المذيعة الكلمة للدكتور سالاشى للتعليق، فذكر أن المفاوضات الحالية جيدة، وأن تقرير اللجنة الثلاثية الدولية نص على أن السد الإثيوبى يتم بناؤه تبعاً للمعايير الدولية، وأضاف أن اللجنة الدولية كانت قد أوصت فى تقريرها بالاستمرار فى بناء السد بتصميماته الأصلية. وأضاف سيادته أن الهدف من اللجنة الثلاثية الوطنية الحالية هو دراسة فوائد سد النهضة للدول الثلاث مع النظر إلى آثاره السلبية المحتملة على دولتى المصب خاصة على الزراعة فى السودان، وعلى الوضع المائى فى مصر أثناء سنوات ملء السد وأثناء سنوات الجفاف. بعدها قامت المذيعة بتوجيه سؤال إلى الدكتور سالاشى عن أسباب إصرار إثيوبيا على استمرار بناء سد النهضة بمواصفاته الحالية بالرغم من المخاوف المصرية، خاصة أن دراسات السد لم تكتمل. فأجاب سيادته بأن نهر النيل نهر دولى مشترك، وأن الهضبة الإثيوبية يأتى منها 85% من تصرفات النهر، وأن إثيوبيا لها الحق فى استغلال مواردها المائية. وذكر سيادته أن إثيوبيا تبنى السد لتوليد الكهرباء لاحتياجات التنمية الإثيوبية، وأن الكهرباء لا تستهلك مياهاً وبالتالى السد ليس له أى أضرار مائية، ونحن مستمرون فى البناء. بعدها سألتنى المذيعة عن تعليقى على ما ذكره دكتور سالاشى. وكانت إجابتى بأن السد يتم بناؤه على الحدود السودانية، والهدف من بنائه ليس للتنمية الإثيوبية بل لتصدير الكهرباء إلى السودان ومصر، ثم تطرقت بعد ذلك إلى تقرير اللجنة الثلاثية الدولية الذى لم يذكر أن تصميم السد كان تبعاً للمعايير الدولية، بل نص على العديد من الملاحظات الإنشائية الخطيرة التى تهدد بانزلاق السد وانهياره. ثم ذكرت بعد ذلك أن الدراسات البيئية كلها لم تكن مكتملة أو كافية، وأن اللجنة الدولية كانت قد طالبت بإعادة هذه الدراسات. ثم استطردت فى إجابتى شارحاً الوضع الحالى للمباحثات الفنية بأنه بعد اتفاق وزراء الدول الثلاث على استكمال الدراسات البيئية فى غضون ستة أشهر، ظهر خلاف جديد بينهم حول مدة هذه الدراسات فالبعض يطالب بسنة كاملة والآخر يطالب بسنة ونصف السنة، ولم يتم بعد التوافق بين الأطراف الثلاثة بالرغم من انقضاء ثلاثة شهور من الأشهر الستة المتفق عليها لإتمام الدراسات. وأوضحت أن هذه المماطلات هدفها استهلاك أكبر جزء ممكن من الوقت لاستكمال السد وفرضه كأمر واقع على مصر، وعندها لن تكون هذه الدراسات لها قيمة حقيقية لأن مصر تريد تخفيضاً كبيراً فى حجم السد بهدف تقليل الضرر على شعبها، وليس التفاوض فقط عن سنوات ملء الخزان أو طريقة تشغيله أثناء سنوات الجفاف.