كنت أنظر إلى أخى وهو يحتضر على أنه احتضار جيل بأكمله، جيل له من الخصوصية ما يجعله علامة فارقة فى تاريخ مصر الحديث، إنه ذلك الجيل الذى تلقى سياط هزيمة 67 على جلده، وعدها عداً بقدر الألم والجرح، هو نفسه الجيل الذى ابتكر فكرة صناعة الأمل بالصمود، فخاض حرب الاستنزاف حتى وصل إلى 73 ليجنى ثمار ذلك الأمل ويصنع النصر ويستعيد كرامة أمة بأكملها. أخى التحق بالجيش عام 66 وبعد الهزيمة استُبقى مع فريق كبير وظل ببدلته العسكرية فى سلاح المهندسين العسكريين تحت قيادة الشهيد أحمد حمدى، حتى تحقق النصر فى أكتوبر ولم يُكتب لأهله جنى ثمار فرحة النصر كاملة، فقد أُسر هذا المقاتل وظل حبيس معتقلات الإسرائيليين أكثر من عام، وطوال فترة غموض الغياب هذا تلقى أبى العزاء فى ابنه باعتباره شهيداً، بل رأيت على وجهه خليطاً من الحزن الأبوى ومن افتخار ببطولة ابنه. وذات ليلة عاد أخى مصحوباً بوفد من وزارة الدفاع محملاً بشهادات وأنواط وقرأ الضابط الكبير على أهله شهادة رئيس الجمهورية التقديرية الممهورة بتوقيع السادات، عرفنا أن هذا البطل كان قد طلب لقاء الرئيس قبل أن يأتى لزيارة أهله، وعرفنا أيضاً أن الحفاوة التى شملت اللقاء والتقدير الذى أولاه الرئيس له كان رائعاً، كان أخى واحداً من الذين شملتهم صفقة تبادل الأسرى مع الجنرال عساف ياجورى. لأخى هذا ولجيله نصيب كبير فى تكوينى النفسى والإبداعى إن جاز لى أن أقول ذلك، ففى هزيمة 67 كنت طفلاً تجاوز السابعة بقليل وأذكر أن نهنهة أمى فى عمق الليل ولهفتها على أخى الغائب جعلتنى أكبر وفى قلبى بذرة حزن أثمرت شجرة من الشجن تفرعت فى عروقى ودمى، كما أن انكسار أبى وإحساسه المفرط بالهزيمة وكل أبناء جيله خلقوا فى داخلى قلقاً من الغد ما زلت مريضاً به حتى الآن، كما أن لمدينتى الصامدة الإسماعيلية ولشعبها العظيم ذلك الفضل فى إثراء معنى الوطن وقيمته عندى، لا أنسى تلك المواقف حين كان أبى يشحننا فى القطار إلى الشرقية أطفالاً ونساء أيام التهجير ويبقى هو ومن معه من الرجال، لأن هجرة الرجال عار لا يُمحى. حين عاد أخى أذكر أننى لم أفارقه ملتصقاً به فى جلسات المساء حين يلتف المهنئون ليستمعوا إلى بطولاته وزملائه، كان الفخر يغمرنى بل يتحول إلى جناحين أحلق بهما فى سماء معنى الموت فى سبيل بقاء الوطن، كان يفرش أمامه دائماً «أفرول به بقع الدماء إثر إصابته» وبعض تراب أصفر من سيناء، هذا الذى عاد به أخى من الجبهة بعد قتال اقترب من عشرة أعوام فى جيشنا العظيم. ومع الوقت ومرور عداد السنين بقيت فى ذاكرتى حكاياتُ أخى، وبقيت فى داخلى «نهنهة» أمى وانكسار أبى وحزنه واكتشفت مع الوقت أننى مريض بالاثنين معاً، مريض بمصر، ومريض بشجن الطفولة وفقدها. ظلت تلك الحكايات فى رأسى حتى أفرغتها فى مجموعة قصصية حملت عنوان «اختزال فى المسافة والسفر» وفيها كتبت حكايات أخى وقصة الأسر، ولحظة استشهاد أحمد حمدى على يديه، وكتبت فيها حكايات الحارة والقرية وبطولات أبناء بلدتى ومحافظتى. وبسبب اتساق وتوافق قصص هذه المجموعة ووحدة موضوعها كتب عنها البعض على اعتبار أنها رواية، ورآها البعض يوميات محارب، ورأيتها أنا تسجيلاً ليس لذاكرة الزمن بل لذاكرة النفس المسكونة بالشجن. لم يبق الاحتفاء ببطولات أخى وجيله كثيراً حتى ظهر ذلك الفريق الذى سرق ثمار النصر، لصوص الأقدار وحرامية الزمن، الصاعدون على وهم الانفتاح الاقتصادى فى نهاية السبعينات، فهلوية المهن وتجار الشنطة الذين أصبحوا فى الثمانينات والتسعينات أثرياء المرحلة، وأصبحوا فى بداية الألفية لصوص السياسة والمال معاً، هؤلاء الذين لم يسرقوا دماء شهدائنا فى الحروب فقط بل سرقوا دماء الشعب بأكمله. هؤلاء اللصوص أزاحوا هؤلاء الأبطال إلى غياهب التهميش حتى وصلنا إلى مرحلة نحتاج إلى واسطة حتى ندخل أخى مستشفى الجامعة فى الإسماعيلية ليقضى أيامه الأخيرة ولو كان هناك عدل لعولج أخى وفريقه من الأبطال على نفقة الدولة، بل أقيمت له ولأمثاله احتفالية تليق به، فلولاه ولولا هؤلاء الأبطال لما كنا وكانت المقاعد ومن تبادل الجلوس عليها. احتضار أخى هذا البطل على سرير متواضع فى مستشفى حكومى متهالك كان دليلاً على احتضار جيل، ودليلاً على جحود من مؤسسات الدولة تجاه جيل يستحق تقديراً واهتماماً يليق بما قدم. مات أخى البطل فى السابع من أكتوبر منذ أيام الساعة التاسعة مساء، هو نفس التوقيت عام 73 الذى حكى لى عنه ذات ليلة، بأنه احتفل ومجموعة من زملائه الأبطال باليوم الثانى للعبور، مات أخى البطل منسياً رغم ما قدمه، مات بعد واحد وأربعين عاماً من تحقيقه وجيله لنصر كبير وكأن الله أمهله ذلك العمر ليرى نوعاً آخر من اللصوص غير لصوص ثمار النصر، إنهم لصوص الجحود والإهمال. إننى أكتب ما أكتب وليس لدىَّ طمع فى شىء فقد مات من أكتب عنه، ولكن هناك أمثاله كثيرون ما زالوا خلف ستارة الجحود والنسيان والإنكار والإهمال، جيل الانتصارات الكبرى. لا أنسى ابتسامته وهو يشاهد معركة على شاشة إحدى الفضائيات بين شخصين، معركة على من يستحق وضع اسمه فى كتاب التاريح بوزارة التربية والتعليم، كنت وحدى أفهم مغزى تلك الابتسامة الحزينة. وداعاً أخى، ولبطولاتك الخلود، ستبقى أكبر وأبقى من فريق الجاحدين.