الحكومة تكشف سبب إلغاء قرار غلق المحال مبكرًا والعودة للمواعيد الطبيعية    الأكاديمية العربية تتأهل لنهائيات كندا في المسابقة الإقليمية للغواصات الآلية البحرية    مياه القناة: انطلاق التجارب التشغيلية لخط المياه الناقل بالقنطرة غرب    ترامب: الحرب مع إيران تقترب من نهايتها    استبعاد كامويش وضم ناشئين إلى قائمة الأهلي لمواجهة بيراميدز    الزمالك يضم أحمد سامي من الجزيرة لتدعيم فريق السلة    مصر تعزز صدارتها في البطولة العربية للشباب لألعاب القوى بتونس    «رجال طائرة الأهلي» يفوز على كيبلر الرواندي وينفرد بالصدارة في بطولة إفريقيا    مقتل شاب لمعاتبته المتهم على معاكسة فتاة ببولاق الدكرور    إصابة 6 أشخاص فى حادث انقلاب سيارة ملاكي بكوبري البراميل في ميت غمر    الأمن يكشف ملابسات فيديو الاعتداء على سيدة ونجلها بالدقهلية    عروض فنية وكورال أطفال فى ذكرى تحرير سيناء بأسوان    وزير الصحة: اجتماعات شهرية ومتابعة ميدانية لتحسين جودة الخدمات الطبية    «الصحة»: تقديم 50 مليون جرعة لتعزيز منظومة التطعيمات والأمن الصحي القومي    ستاندرد تشارترد: خفض توقعات الذهب إلى 5200 دولار خلال 3 شهور و5500 خلال عام    «مصر للطيران» تعلن زيادة الرحلات إلى 3 وجهات عربية    سباق الأعصاب بين الأهلى والزمالك!    فريق سلة الأهلي يفوز على داكار السنغالي في تصفيات الBAL    تحت أنظار مصطفى محمد، نانت يتعادل مع ستاد رين 1/1 في الشوط الأول    محافظ القليوبية: طرح حديقة المرجوشي بشرق شبرا الخيمة للاستثمار    النيابة العامة تحتضن فعالية ثقافية عن العبور وتحرير سيناء    ضربة لروسيا بغرب أفريقيا، تفاصيل حرب بالوكالة بين بوتين وماكرون في مالي    ضبط 10 أطنان سكر تمويني وتحرير 35 مخالفة ل مخابز بمراكز الشرقية    الأرصاد تحذر من تقلبات حادة وتكشف مناطق سقوط الأمطار غدًا    تعليم القاهرة تتيح نموذجًا استرشاديًا في مادة Science لطلاب الإعدادية    نائب الرئيس الإيراني يستشرف "إيران ما بعد الحرب": التحول من هدف للعقوبات إلى قوة فارضة لها    مصطفى كامل يعلن وفاة المطرب حسن الإسكندراني    شيرين عبد الوهاب تتصدر تريند يوتيوب بأغنية «الحضن شوك»    بعد توقف 30 عاما.. عودة برنامج براعم الإيمان على موجات إذاعة القرآن الكريم    هل الشبكة من حق المخطوبة بعد وفاة الخاطب؟ أمينة الفتوى تجيب    الداخلية تنظم الملتقى الثالث لبرنامج المعايشة بين طلبة الشرطة والجامعات    رئيس مياه الفيوم يتابع بدء تنفيذ أعمال ربط المرحلة الثالثة بمحطة العزب الجديدة    "قصر العيني" تقود مبادرة توعوية لدعم مرضى باركنسون ومقدمي الرعاية بجامعة القاهرة    وزير الصحة يتابع أعمال اللجنة العليا للمسؤولية الطبية وسلامة المريض    الدوحة: مباحثات قطرية بريطانية حول الأوضاع في السودان    نائب ينتقد المراهنات الرياضية في مصر: تناقض واضح بين الواقع والقانون    رمضان عبد المعز: أفضل أوقات الدعاء بعد الصلوات المكتوبة وفى جوف الليل    محمد مشيش ينضم إلى لجنة تحكيم المسابقة الدولية في مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    محافظ الغربية يتابع إنتاج الدقيق التمويني ويشدد على الالتزام بمعايير الجودة    محافظ أسيوط يفتتح ملعبًا اكليريك متعدد بنادي الشبان المسلمين ويكرم أبطال المحافظة الرياضيين    إحالة المتهم بهتك عرض فتاة المطرية المريضة بتأخر عقلى للمفتى    عبد الرشيد: كليات التربية تصنع "بصمة الأمان الذاتي" لحماية الأجيال من التلوث الرقمي    "العدل الأمريكية": مطلق النار في عشاء المراسلين كان يستهدف ترامب ولا معلومات مؤكدة بشأن تورط إيران    مقتل 5 فلسطينيين في قصف إسرائيلي على شمال غزة    سفير اليونان يزور مسرح ماسبيرو ويشيد بالعلاقات بين القاهرة وأثينا    وزير الصحة يتابع تنفيذ مستشفى النيل للأطفال بمدينة النيل الطبية    جامعة مصر للمعلوماتية تستهدف تقليل مدة الدراسة بكلية الهندسة لرفع كفاءة العملية التعليمية    برلماني يحذر من مخاطر منصات المراهنات الإلكترونية    السفير البريطاني لدى لبنان يدعو الى احترام وقف إطلاق النار    رئيس الوزراء يستعرض الأهداف الاستراتيجية لوزارة الثقافة ونشاط الفترة الماضية    ميشيل ميلاد ل "البوابة": الراديو سبب حبي للفن والمسرح كان البداية    البابا لاون الرابع عشر: الكاهن «قناة للحياة» لا حاجز أمام المؤمنين    مجلس الشيوخ يناقش طلب برلماني بشأن خطة الاستعداد لدورة الألعاب الأوليمبية    النائبة ميرال الهريدي تدعو لاستضافة محمد فراج وهاني أبو ريدة للشيوخ لمناقشة مخاطر إعلانات المراهنات بالملاعب    تأييد حكم السجن 3 سنوات على كهربائي شرع في قتل عامل بالعمرانية    وزيرة الإسكان: بروتوكول التعاون مع الوطنية للتدريب خريطة طريق لتأهيل القيادات وتعزيز كفاءة إدارة المشروعات    رسالة طريفة من ريهام عبد الغفور ل «هشام ماجد» في عيد ميلاده    خبير: مضيق هرمز يشعل أزمة الغذاء العالمية.. قفزة أسعار الأسمدة تهدد الأمن الغذائي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بالفيديو| «الوطن» تكشف فى تحقيق استقصائى: «الرهاوى».. مياه الشرب بها سم قاتل
عناصر سامة وملوثة تتسرب من المصرف.. و3 عينات مياه تثبت وجود «الرصاص والمنجنيز والفينول السام» بنسب تجاوزت الحد المسموح به
نشر في الوطن يوم 25 - 06 - 2014

«إسلام» لديه سبع سنوات وعمليتان جراحيتان؛ إذ اكتشف الأطباء إصابته بحصى فى الكلى بعد أن أنهك المرض جسده وأقعده عن اللهو مع أقرانه فى قرية الرهاوى البالغ عدد سكانها 26 ألف نسمة، مركز منشأة القناطر بمحافظة الجيزة. خضع «إسلام» للجراحة الأولى لإزالة حصوة بالكلى فى أغسطس 2012، وبعد أقل من عام عاودته ذات الآلام، وخضع لجراحة ثانية فى مارس 2013 لإزالة حصوة جديدة بالكلى. وقتها أيقنت الأسرة أن مخاوفها فى محلها بخصوص مياه الصنبور التى تحملها مواسير قادمة من محطة المياه التابعة لشركة مياه الشرب والصرف الصحى بالجيزة، إحدى شركات وزارة الإسكان والمرافق والتنمية العمرانية.
أُنشئت محطة المياه فى منتصف تسعينات القرن الماضى على بعد أمتار قليلة من مصرف الرهاوى الذى يزيد عمره على 80 عاماً، وهو المصرف الرئيسى لمخلفات الصرف الصحى فى محافظة الجيزة الواقعة على الضفة الغربية لنيل القاهرة، وبالطبع تختلف الكثافة السكانية وتوزيع السكان فى المنطقة الآن كثيراً عمّا كان عليه الأمر وقت إنشاء المصرف.
وأظهرت تحاليل أجرتها «الوطن» لعينات من مياه المصرف وإمدادات مياه الشرب أن مياه المصرف تحوى عناصر عضوية وكيميائية سمّية، تضر بصحة المستهلك وتؤثر على إمدادات مياه الشرب لحوالى 80 ألف نسمة يعيشون فى الرهاوى وفى قريتى أم دينار وكفر حجازى المجاورتين، حسبما أكد خبراء تحاليل وأساتذة جيولوجيا.
مسئولو شركة المياه يرفضون الاعتراف بنتائج التحاليل التى أُجريت بجامعة القاهرة، ويؤكدون سلامة مياه الشركة من التلوث، لكن ارتفاع نسبة الفشل الكلوى بين سكان المنطقة دفع جمعيات خيرية إلى إنشاء 4 مراكز للغسيل الكلوى هناك، وهو معدل يقول الخبراء إنه «غير معتاد فى منطقة ريفية، ويؤكد حاجة الأهالى بصورة ملحة لتوفير مصدر آمن وصحى لمياه الشرب النقية من خلال إقامة محطة مياه بعيداً عن المصرف».
مكالمة هاتفية قصيرة من سائق سيارة المياه التى ترسلها يومياً الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحى معبأة بمياه من محطات خارج المنطقة، جعلت «صابر إبراهيم» يهرول نحو مسجد قرية الرهاوى ليمسك بالميكروفون ويزف الخبر منادياً: «يا أهالى البلد، عربية الميّه عند الجامع، كمان مرة، عربية الميّه واقفة عند الجامع».
عقب إذاعة الخبر، تنطلق نساء وبنات القرية نحو السيارة ليحجزن دورهن فى طابور طويل لملء أوعية وأوانٍ بالمياه البديلة لمياه الصنبور الملوثة فى منازلهن.
تدفع فاطمة محمد، 47 عاماً، الأخريات وهى تزمجر: «وسعى يا أختى انتى وهى، أنا جيت إمبارح وما خدتش ميّه، لازم آخد الأول». وخلال دقائق يشتد الزحام وتنشب المشادات الكلامية حول أسبقية الوقوف فى الطابور، وقد يتطور الأمر إلى شد وجذب وخصومات تنغص صفاء العلاقات بين أهالى القرية.. نصف ساعة تنتهى السيارة خلالها من إفراغ حمولتها التى كان ينتظرها الجميع ثم تغادر المكان ولا يبقى وراءها سوى آثار قطرات مياه أُريقت على الأرض وضحكات ظافرة لمن فزن بملء أوعيتهن، ودمدمة ساخطة لمن لم يحالفهن الحظ ولم يعد لديهن بديل للحصول على مياه الشرب سوى محطات مياه الجمعية الشرعية التى جمع الأهالى تبرعات لإقامتها، لكن طاقتها لا تكفى؛ إذ لا تعمل سوى 4 ساعات يومياً وتوفر ما بين 60% و70% من احتياجات السكان.
وسيارات المياه التى يتدافع عليها الأهالى بدأت شركة المياه فى إرسالها إلى القرية قبل 4 سنوات، بعدما عرض برنامج تليفزيونى معاناة الأهالى فى المنطقة. ويقول العميد محيى الصيرفى، مدير العلاقات العامة والإعلام بالشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحى، إن الشركة ترسل سيارات المياه لامتصاص غضب الأهالى فى الرهاوى لكثرة شكاواهم من تلوث المياه، لكنه لا يعترف بنتائج التحليل التى تثبت هذا التلوث.
ولا يختلف الوضع كثيراً فى قريتى «كفر حجازى وأم دينار» المتجاورتين، اللتين يبلغ مجموع سكانهما 54 ألف نسمة، حيث عزف الأهالى أيضاً عن الشرب من مياه الصنبور الملوثة. يقول صلاح شعبان، المحاسب من قرية الرهاوى، عضو اللجنة الشعبية بالقرية وأحد متطوعى تنفيذ مشروع المحطات البديلة، إن «تلوث مياه محطات الشرب الحكومية التى لا تبعد عن مصرف الرهاوى سوى أمتار قليلة دفع الأهالى للاعتماد على أنفسهم». يضيف: «الأهالى تململوا من الشكوى لحكومتى النظامين السابق والحالى دون نتيجة، وأرسلوا شكاوى واستغاثات إلى مراكز حقوق الإنسان والحقوق البيئية، وقاموا بشراء 6 فلاتر أو مرشحات كبيرة لتعمل كمحطات لتنقية مياه الشرب، أقيمت بجوار مساجد فى القرية بتكلفة 130 ألف جنيه، أى ما يعادل 18 ألف دولار، لكل منها، شاركت فيها الجمعية الشرعية». وقلدت «الرهاوى» قرى مجاورة فأقامت محطات تنقية مثلها، ويستخدم الأهالى مياه هذه المحطات فى الشرب فقط، فيما يستخدمون مياه المحطات الحكومية فى غسيل الملابس والأوانى بعد أن تسببت فى إصابتهم بالأمراض.
ويقول المحاسب صلاح شعبان، أحد المشرفين على محطات الجمعية الشرعية فى الرهاوى، إن مصدر المياه فى تلك المحطات هو المياه الجوفية، مضيفاً أن محطات الجمعية صغيرة بالنسبة للمحطات الحكومية وتنتج كميات أقل من المياه، لكن عدد الفلاتر بها يتيح تنقية تلك المياه بشكل جيد، وقام الأهالى بعمل تحليل لعينات من هذه المياه فى المعامل المركزية بالمركز القومى لبحوث المياه التابع لوزارة الرى أثبتت صلاحية المياه للشرب وخلوها من الملوثات.
بدوره يؤكد الدكتور مغاورى شحاتة، أستاذ الجيولوجيا وخبير المياه الجوفية أن مياه مصرف الرهاوى بما تحمله من مخلفات عضوية وغير عضوية تتسرب إلى التربة والخزان الجوفى للمياه وتلوثه بشكل مباشر، موضحاً أن تلوث الخزان الجوفى بمياه الصرف الصحى يمكن أن يمتد مسافة 5 آلاف متر بشكل أفقى فى باطن الأرض وكان لا ينبغى من الأساس إقامة محطة المياه بالقرب من المصرف، كما أكد أن «درجة تلوث الخزان الجوفى تزيد بمرور الوقت».
ويقول سمير فايز، مدير إدارة صرف الجيزة التابعة لوزارة الرى، إن الإدارة تحرر محاضر ضد الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحى بالجيزة بسبب مخلّفات محطات معالجة مياه المجارى التى تصب فى مصرف الرهاوى دون أن يمكنها تنقية تلك المياه بالدرجة اللازمة، وغالباً ما يحكم القضاء بغرامة 1000 جنيه، 145 دولاراً تقريباً، عن كل محضر. ويقول شحاتة إبراهيم عبدالفتاح، مدير إدارة صرف الجيزة، إنه جرى تحرير 5 محاضر ضد الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحى بسبب تلوث مصرف الرهاوى، كان أحدثها يوم 12 ديسمبر الماضى.
وينص القانون رقم 48 لسنة 1982 الخاص بحماية نهر النيل والمجارى المائية من التلوث، على معاقبة المخالفين بالحبس مدة لا تزيد على سنة وغرامة لا تقل عن 500 جنيه (71 دولاراً تقريباً) ولا تزيد على 2000 جنيه (284 دولاراً تقريباً) أو بإحدى هاتين العقوبتين. ويقول مصدر مسئول بوزارة البيئة، فضّل عدم ذكر اسمه «إن دور الوزارة ينتهى عند تحرير المحاضر ضد الشركة القابضة للمياه بسبب المخالفات، ليبدأ تعامل القضاء مع المسألة الذى غالباً ما يحكم بالغرامة. ولم يتسن الحصول على تواريخ سداد الشركة للغرامات».
حصل معدّ التحقيق ب«الوطن» على خرائط توضيحية من إدارة صرف الجيزة، توضح اتصال شبكات صرف محطات «أبورواش وزنين» بمجرى مصرف الرهاوى.
فى إحدى غرف مركز «الإسراء» للغسيل الكلوى فى قرية «أم دينار».. يتمدد الشاب محمود حجازى (25 عاماً) على سرير متهالك، ينسى أحلام الشباب وهو يرقد لساعات مستسلماً لخراطيم جهاز غسل الكلى التى تتحرك فيها دماؤه فى دورة التنقية.. تسحب الدماء من أوردة ذراعه إلى مرشح الجهاز، ويتابع «حجازى» حركتها بنظرات ساهمة عاجزة حتى انتهاء الجلسة التى تمتد نحو 4 ساعات، وهو أمر اعتاد عليه 3 مرات أسبوعياً، وإلى جواره يرقد مرضى آخرون تتفاوت أعمارهم بشكل ملحوظ لكنهم يشتركون فى مرض واحد وهمّ ثقيل.
ويقول أحمد طه، المسئول بمركز الإسراء الذى أنشئ عام 2011، إن 23 مريضاً يجرون عمليات غسيل كلوى بالمركز، وفى مركز «المنصورية» الذى أنشئ عام 2011 يوجد 45 مريضاً، ونفس العدد فى مركز «الفاروق» بقرية الوردان وهو أقدم مراكز الغسيل الأربعة فى المنطقة، حيث أنشئ عام 2005، كما يوجد 20 مريضاً فى مركز «المغفرة» فى قرية برطس، وهو أحدث هذه المراكز حيث أنشئ عام 2012. ويقول «طه» إن: إنشاء المراكز الأربعة خلال 7 سنوات جاء استجابة للزيادة الملحوظة فى عدد مرضى الكلى.
ويقول الدكتور إبراهيم حنفى، عضو الجمعية المصرية لأمراض الكلى، إن وجود مثل هذا التجمع لمراكز الغسيل الكلوى أمر غير معتاد فى المناطق الريفية فى مصر، ويدل على زيادة عدد المرضى فى تلك المنطقة.
وأظهرت صور ومستندات حصلت عليها «الوطن»، وكذلك شهادات الأهالى، أن محطة مياه الشرب بالرهاوى وكفر حجازى لا توجد بجوارها ترع أو أنهار وتعتمد على المياه الجوفية. وحرصت «الوطن» على التحقق من صحة تلوث مياه الشرب بمنازل الأهالى بالقرى الثلاث من عدمه، فقامت بسحب 3 عينات من مياه الشرب التى توفرها شركة المياه للمواطنين. العينة الأولى؛ سحبت من مياه الصنبور بمنزل فى قرية الرهاوى، والثانية؛ من منزل فى قرية كفر حجازى. أما عينة مياه الشرب الثالثة؛ فسحبت من سيارة الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحى التى تأتى إلى قرية الرهاوى، وسحبت عينات المياه فى 3 عبوات لكل عينة طبقاً للمواصفات القياسية لأخذ العينات لتحليلها بمعرفة جهة بحثية محايدة، هى «مركز التحاليل الدقيقة بجامعة القاهرة».
تم تحليل العينة الرابعة، الخاصة بمياه مصرف الرهاوى بمعامل المركز القومى للبحوث، وكشفت نتائج التحليل التى حصلت عليها «الوطن» عدم مطابقة جميع عينات مياه الشرب الثلاث لمعايير مواصفات مياه الشرب المصرية، وكذلك عدم مطابقة عينة مياه مصرف الرهاوى لمعايير الصرف على النيل والمجارى المائية.
نتائج التحاليل اطلع عليها الباحث محمد على، خبير تحاليل المياه بالمركز القومى لبحوث الإسكان، التابع لوزارة الإسكان، ليقول: «يوجد فى العينات الثلاث الخاصة بمياه الشرب عناصر ثقيلة شديدة الخطورة على الصحة العامة مثل «الرصاص، والنيكل، والمنجنيز والحديد» وعناصر أخرى سامة مثل «الفينول»، إضافة إلى ارتفاع نسبة الأكسجين الكيميائى المستهلك «C.O.D»، وهو قياس لنسبة المواد العضوية فى مياه الصرف الصناعى التى تحوى مركبات سامة للحياة البيولوجية فى المجارى المائية، فضلاً عن وجود (مخلفات صناعية)، مضيفاً أن «كلها عناصر موجودة بنسب أكثر من المعدلات المسموح بها، بحسب قرار وزير الصحة والسكان رقم (458) لسنة 2007 بشأن الحدود القصوى للمعايير والمواصفات الواجب توافرها فى المياه الصالحة للشرب والاستخدام المنزلى. وكانت زيادة نسب عناصر؛ الرصاص، النيكل والفينول عاملاً مشتركاً بين العينات الثلاث».
وقد لوحظت زيادة نسب «C.O.D» فى عينات الشرب الثلاث، وكانت النسبة فى العينة الأولى الخاصة بأحد منازل قرية الرهاوى «256 ملليجراماً»، والمفترض أن تكون النسبة 30 ملليجراماً فقط، وكانت النسبة فى العينة الثانية 127 بأحد منازل كفر حجازى، فيما كانت النسبة فى العينة الثالثة 146. ويشير الدكتور حلمى إلى أن «طرق المعالجة التقليدية لا تستطيع إزالة العناصر الثقيلة من المياه قبل ضخها فى مواسير الشرب»، ويضيف أن «وجود العناصر السامة والقاتلة فى عينات مياه الشرب الجوفية يشير إلى تأثير قرب مصرف الرهاوى من محطات مياه الشرب، حيث إن المواد العضوية والكيميائية بمياه الصرف الصحى والصناعى تترسب إلى التربة ومن ثم إلى المياه الجوفية».
وعلى بعد أمتار من مصرف الرهاوى، تقع محطة شرب الرهاوى التابعة لشركة مياه الشرب والصرف الصحى بالجيزة، ويمر بجوار المحطة مباشرة مصرف زراعى صغير يفرِّغ مخلفاته فى المصرف. المحطة من الداخل متسعة ومنشآتها بسيطة ومتربة وتتناثر بها أشجار خضراء، وتوجد فى المحطة 3 وحدات تنقية تضم «صهاريج وأنابيب زرقاء اللون»، يفترض أنها تعمل على تنقية المياه الارتوازية المستخرجة من باطن الأرض من المنجنيز والحديد قبل ضخها فى الخزان الكبير.
يقول مشرف المحطة، محمد إبراهيم، إن «المحطة بريئة من تلوث المياه»، لأننا قمنا بتغيير 90% من مواسير شبكة المياه الموجودة فى الرهاوى، وأعتقد أن سبب التلوث يرجع إلى عدم تغيير الأهالى لمواسير مياه الشرب بمنازلهم منذ فترة كبيرة».
وبعد تكرار الشكاوى من أهالى القرية، يؤكد «إبراهيم»: «قمنا بتركيب 3 وحدات لمعالجة نسب الحديد والمنجنيز المرتفعة بتكلفة تصل إلى مليونى جنيه (286 ألف دولار)، تقوم بمعالجة خط الإنتاج من المياه الجوفية»، لكن جمعة محمد إبراهيم عبدالمقصود الفقى، 27 سنة، موظف بإحدى الشركات الخاصة، مقيم فى قرية الرهاوى، يقول: «قمت بتغيير كل مواسير مياه منزلنا، والمياه بقيت كما هى رائحتها غريبة وطعمها أغرب».
ويقول شوقى مهدى، رئيس الوحدة المحلية بكفر حجازى، التى تتبعها القرى الثلاث: «إن مشكلة المياه كبيرة ومتشعبة بين جهات كثيرة، تم تركيب شبكة مياه كاملة بقرية أم دينار وجارٍ تشغيلها، وفى كفر حجازى والرهاوى تم تغيير نسبة 80% من شبكة المياه»، ويضيف: «هناك خطة لإمداد القرى الثلاث بخط مياه من محطة مياه الوراق بقطر 17 بوصة، وتم تركيب الخزان العلوى بقرية أم دينار»، لكن «مهدى» لم يحدد إطاراً زمنياً للانتهاء من الخطة.
معد التحقيق واجه العميد محيى الصيرفى، المستشار الإعلامى للشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحى، بنتائج التحاليل وما حصلت عليه «الوطن» من مستندات وشهادات الأهالى، لكن «الصيرفى» شكَّك فى نتائج التحاليل، وأكد أن الشركة تخصص خطاً ساخناً لاستقبال شكاوى الأهالى عن تلوث مياه الشرب على رقم «125»، ويقول: «نستقبل هذه الشكاوى بكل اهتمام، حيث يتحرك فريق من الباحثين لتحليل المياه بمعمل الشركة المرجعى الحاصل على شهادة الأيزو، والمصنف ضمن أفضل 16 معملاً على مستوى العالم. وأنا لا أعترف إلا بالنتائج التى تخرج من المعمل المرجعى لمياه الشرب».
وعن نتائج التحليل المخبرى لعينة المياه المأخوذة من سيارة المياه التابعة للشركة، يقول العميد «الصيرفى» إن «عينة مياه الشرب الخاصة بسيارة الشركة أستبعد أن يوجد بها رصاص ومعادن ثقيلة أخرى، لأن مصدرها الرئيسى مياه النيل وهى خالية من الرصاص، أنا أشكك فى نتيجة هذه العينة بالتحديد».
ورداً على سؤال عن السبب وراء إرسال سيارة لمياه الشرب إذا كانت المياه بالمنطقة آمنة ومطابقة للمواصفات، قال: «إننا نؤدى خدمة للناس من المفترض أن يشكرونا عليها، بدلاً من التشكيك فى نتائجها، أدعوك لعمل تحاليل بنفسك فى المعمل المرجعى». وفيما يتعلق بالمحاضر التى تم تحريرها ضد الشركة من قبل وزارتى البيئة والرى لمخالفة مواصفات الصرف على النيل، رد قائلاً: «نتائج التحاليل متغيرة باستمرار، فمن الممكن أن تكون غير مطابقة الآن وبعد وفترة وجيزة تكون مطابقة».
جمعة الفقى، المقيم فى «الرهاوى»، يسمع ردود المسئولين فيقول بحسرة: «مشكلتنا واضحة وبُحَّت أصواتنا من الشكوى، لكن لا أحد يسمعنا، وكأن المسئولين يقولون لنا اضربوا دماغكم فى الحيط واشربوا من المصرف».
(أعد هذا التحقيق بدعم شبكة أريج «إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية»، www.arij.net)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.