السلطة تفسد لا ريب، فالأصل أن النفس البشرية «لأمارة بالسوء». ولكن يظهر أن السلطة أيضاً تُذهب العقل، حتى يظن من فى السلطة أنه مخلّد فيها، متناسيا أنها «لو دامت لغيره ما وصلت إليه». ولا تكون العواقب على هذا الموقف الأحمق إلا وخيمة. اللهم لا شماتة! ليس الغرض من هذا المقال التشفى فى فصيل سياسى سقط، رسميا وشعبيا، جزاء وفاقا على خداعه وظلمه واستبداده. ولكن القصد استخلاص العبر وتحذير أى سلطة قائمة أو قادمة من المصير ذاته، والنصح بأن طريق السلامة أثناء التمتع بالسلطة، وبوجه أخص فيما بعد تركها، هو إعلاء صالح الشعب والوطن فوق أى اعتبار وتوخى النزاهة بصرامة، والاحترام القاطع للحقوق والحريات وباقى مقومات الحكم الديمقراطى السليم، وعلى رأسها الاحترام البات لسيادة القانون واستقلال القضاء. بداية، على الرغم من المحاولات الدؤوب لتقويض سيادة القانون وسلطان القضاء، يقف الآن رأس الحكم الذى نصبّته سلطة اليمين المتأسلم شكليا، وكل من كانوا وراءه على قمة السلطة ومتخذو القرار الفعليون، موقف المتهم المحبوس على ذمة التحقيق أمام قضاة من رجال السلطة القضائية، التى حاولوا عبثا هدمها، مُتهمين بتهم جنائية تعنى حال صحتها القضاء على أى دور لهم فى السياسة مستقبلا. وأصدرت محكمة جنح مستأنف الدقى، حكماً بتأييد حكم حبس رئيس الوزراء السابق، هشام قنديل، سنة مع الشغل، لرفضه تنفيذ حكم قضائى، بإعادة شركة طنطا للكتان إلى ملكية الدولة. وحتى النائب العام السابق، طلعت عبدالله، الذى عينوه بإجراء باطل، يخضع الآن للتحقيق فى التجاوزات التى ارتكبها لدعم حكم اليمين المتأسلم واضطهاد معارضيه. ولقد ارتضى محمد مرسى العياط، أن يكون واجهة شكلية للرجال الأقوياء فى جماعة الإخوان المخادعين. بعد أربعة أشهر من إعلان فوز محمد مرسى، فى الانتخابات الرئاسية، التى أشرف عليها المجلس العسكرى، وصفته بأنه رئيس «زخرفى»، بمعنى أنه ليس فى الحقيقة متخذ القرارات التى يصدرها كرئيس للجمهورية. وفى هذا أحد التفسيرات المنطقية لتأخره الشديد فى إصدار القرارات، مثلا استغرق تعيينه لرئيس وزراء ثلاثة شهور، ناهيك عن عودته المتكررة عن كثير مما أصدر فعلا من قرارات، وبعد إصدارها بوقت قصير. والتفسير أن التأخير كان لانتظار التعليمات، والعودة كانت بعد تعنيف من الرئاسة الفعلية. والآن تتردد الأخبار بأن هؤلاء الرجال على استعداد للتضحية به لقاء خروج آمن لهم. فليعتبر ذوو الألباب. فمحمد مرسى الذى ظل يردد أنه الرئيس الشرعى حتى أصابنا بالملل القاتل، قد طويت صفحته من دون رجعة، بل إن جماعة الإخوان الضالين على ما يبدو على أتم الاستعداد للتضحية به، لقاء خروج آمن لمن كانوا يتخذون القرارات التى أودت بمستقبله السياسى. وعلى صعيد أفعال الاحتجاج السياسى، تكررت مشاهدات انقلب فيها السحر على الساحر الساقط. بداية، قوانين قمع التظاهر التى سنها مجلس شعب اليمين المتأسلم، لقمع معارضى سلطته، يمكن الآن أن تستعمل ضد أنصاره، خاصة أنهم لا يتورعون عن ارتكاب العنف بل وينغمسون فى الاتجار فى البشر، أطفالا ونساء، فى اعتصاماتهم ومظاهراتهم المسلحة التى يدعّون فيها السلمية زيفا وخداعا. وقد ابتدع حكم اليمين المتأسلم تسيير التظاهرات لدعم السلطة القائمة، ولم يدر بخلدهم أن النقمة على استبداد حكمهم وفساده ستفضى إلى خروج الشعب المصرى، فى أكبر مظاهرات فى تاريخ البشرية، مرة حتى أسقطوا، ومرة أخرى بعد سقوطهم، لتفويض أولى الأمر الجدد فى القضاء على إرهابهم الخسيس، الذى أطلقوه على الشعب العظيم الذى كرمّهم بانتخابهم للحكم، ولم يكونوا لهذا التكريم مستحقين، كما ثبت عندما أسفروا عن الوجه القبيح لسلطتهم الباغية التى يبرأ منها الإسلام العظيم. وفى شهر رمضان الماضى، كلف المعزول محمد مرسى، الشرطة بمعاونة الجيش، بفض الاعتصامات من الميادين وفرض القبضة الأمنية على الطرق التى تشهد مظاهرات واعتصامات مناهضة لحكم اليمين المتأسلم، وذلك خلال خطابه فى احتفالية ليلة القدر، حين قال: «لا بد أن يعيش الناس فى أمن واطمئنان، وهذه مسئوليتى، ولابد أن يحصل الناس على حاجياتهم اليومية، وهذه مسئوليتى». وأضاف: «وجهت المسئولين فى الشرطة وبعون ومعاونة رجال الجيش لمواجهة جريمة قطع الطريق».. ويشاء القدر أن يتكرر الموقف نفسه معكوسا، ومحمد مرسى قيد الحبس، فى تكليف حكومة الببلاوى وزارة الداخلية بفض اعتصامات ميدانى النهضة ورابعة العدوية، ويمكن الآن استدعاء تعهدات الرئيس المعزول لتبرير فض السلطة الراهنة لاعتصامات أنصاره، التى تحولت لبؤر إرهابية، تنطلق منها غزوات إزعاج المواطنين الأبرياء بالتهجم وقطع الطرق. والمثير للشفقة ربما هو أن صفقة قنابل الغاز التى استوردتها سلطة اليمين المتأسلم من الولاياتالمتحدة، بتكلفة ضخمة وعلى استعجال شديد، لقمع معارضيها وقتها، انتهت بأن تستعمل ضد أتباعها الذين يشكون الآن من أضرارها الشديدة. ولعل الأخطر فى مزالق انقلاب السحر هو تلاعب السحرة بالقيم العليا للشعب، خدمة لأغراض السياسة الدنيئة. والمثل البارز هنا هو تبدل موقف بعض وجوه تيار اليمين المتأسلم، مثل محمد سليم العوا، المرشح الرئاسى السابق الذى لم يحصل على واحد بالمائة من أصوات الناخبين، وظل يتقلب بين تملق أصحاب السلطة من العسكريين ثم من اليمين المتأسلم، والذى أعلن مؤخرا أن حديث «خير أجناد الأرض» حديث ضعيف، فى محاولة خسيسة للنيل من القوات المسلحة، لشعب مصر العظيم، وسانده آخرون من مدعى المشيخة من تيار اليمين المتأسلم. على حين عندما كان المجلس العسكرى يحقق رغبات اليمين المتأسلم كان النداء الذى يطلقه دهماؤه: «أؤمر يا مشير أنت الأمير»! وقتها خرج قادة الإخوان المخادعون، محمد بديع وسليم العوا ومحمد مرسى ومحمد البلتاجى وصفوت حجازى، يقولون إن الجيش المصرى «خير أجناد الأرض». وقتها كان هذا الحديث قوياً وسنده متيناً ومتنه صادقا. ألا بئسا للنفاق والمنافقين الذين لا يتورعون عن تحريف الدين! الآن تبين للكافة أن تمسكهم الشكلى بالإسلام لم يكن أبدا إلا لغرض سياسى دنىء، وأن تغير رياح السياسة يزين لهم أن يعصفوا بالمواقف التى بنوها سابقا على الإسلام الذى يمتطونه لغرض ويحرفّون فيه عند الحاجة. مع إحسان الظن، أولئك هم «الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا» (الكهف، 104). غير أن المجال لإساءة الظن بهم، تأملا فى أفعالهم، واسع فسيح!