أُقيم مهرجان فجر السينمائي في إيران هذا العام كما هو مخطط له، لكنه جاء في وقت لا تزال فيه البلاد تعاني من تداعيات موجة القمع الدموية، ما جعل البساط الأحمر تحت ضيوف المهرجان يحمل وزنًا رمزيًا لم يكن سهلاً تجاهله من قبل مجتمع السينما. اختار بعض الفنانين عدم الحضور، بينما حضر آخرون، ما أسفر عن مهرجان بدا منفصلًا بشكل غير معتاد عن الحالة العامة للجمهور، أكثر عرضًا مدروسًا للتماسك الرسمي منه فعالية ثقافية وطنية. وفي دورته ال44، أُقيم المهرجان بعد أقل من أربعين يومًا على مقتل عشرات الآلاف من المتظاهرين خلال حملة القمع الحكومية، وهو ما جعل قرار المضي في تنظيمه على موعده الطبيعي موضع انتقادات وتساؤلات. تطور طبيعة المهرجان على مر السنين تطور طبيعة المهرجان على مر السنين، مع زيادة إنتاج الأفلام بواسطة مؤسسات الدولة أو هيئات تابعة لها. هذا العام، ظهر أيضًا منتجون من سلطات بلدية وحتى القضاء، ما عزز تصور العديد من صناع الأفلام المستقلين بأن المهرجان يعكس بشكل متزايد أولويات الحكومة على حساب تنوع السينما الإيرانية. هذا الانطباع تعزز بعد غياب عدد من الشخصيات البارزة. فقد أعلن بعض المخرجين والممثلين أنهم لن يحضروا. الممثلة إلناز شاكر دوست، إحدى أكثر الفنانات شهرة في إيران، انتقدت علنًا توقيت المهرجان وأعلنت اعتزال التمثيل، قائلة: "أي مهرجان؟ أي احتفال؟ لن أحضر أي احتفال، ولن ألعب أي دور بعد اليوم في هذا البلد الذي تفوح منه رائحة الدماء". وعُرضت بعض الأفلام دون حضور مخرجيها أو فريقها، وفي بعض الحالات، حضر المنتجون وحدهم المؤتمرات الصحفية. ورفض المخرج سروش صحت وفريق فيلمه الشهير الحضور بالكامل، مما دفع المنظمين إلى إلغاء مؤتمر صحفي للفيلم. حضور الجمهور الخافت غياب هؤلاء الفنانين غيّر طبيعة النقاشات العامة خلال المهرجان، إذ اقتصرت المؤتمرات الصحفية على من اختاروا المشاركة، وبعضهم انتقد زملاءهم الذين غابوا. ووصف المخرج محمد حسين مهدويان، المعروف بأفلامه التي تركز على مؤسسات الأمن الإيرانية، الممثلين الذين رفضوا الحضور بأنهم جبناء. اختار العديد من النقاد والصحفيين عدم تغطية الحدث، حتى مجلة سينما إيرمروز، المعروفة بحذرها التحريري، لم تصدر عددها التقليدي الخاص بالمهرجان. كما بدا حضور الجمهور خافتًا مقارنة بالسنوات السابقة، في حين سعى المنظمون للحفاظ على مظهر النشاط المعتاد. وفي حفل الختام، لم يحضر بعض الفائزين لاستلام جوائزهم (سيمورغ)، وحضر الرئيس مسعود بيزشكيان وامتدح من شارك، في إشارة إلى استمرار استثمار الحكومة في الأهمية الرمزية للمهرجان.
وحاول أحد الفائزين الإشارة إلى السياق الأوسع للأحداث، ملمحًا إلى أعمال العنف الأخيرة أثناء استلام جائزته، ما أبرز الفجوة بين الرواية الرسمية للتماسك والصدمة الجماعية المستمرة في المجتمع.
لطالما شكلت صناعة السينما في إيران موقعًا معقدًا، كونها أداة للهوية الوطنية ومساحة للتعبير الفني المستقل في الوقت نفسه. وأبرز مهرجان فجر هذا العام مدى صعوبة الحفاظ على هذا التوازن في ظل القمع السياسي والصراعات الاجتماعية.