فى «بوش هاوس» حيث المقر التاريخى القديم ل«بى بى سى» فى لندن وتحديداً عام 2007 كنت صحفياً وسط مجموعة مهنية عربية نتلقى دورة تدريبية عن القيم والمعايير المهنية تقديراً لتميز أصبناه، وفى إحدى الجلسات كان العنوان هو «التوازن» الذى انتهينا إلى تعريفه بأنه إظهار أحجام وأوزان الأطراف فى القصص أو الموضوعات الصحفية، (لنعط مثالاً: لا يمكن مطلقاً المساواة فى التغطية بين حزبين أحدهما راسخ ويحظى بشعبية فى مقابل حزب صغير لا يعرفه سوى أعضائه)، وقبلها بالطبع صدّرت إلينا «بى بى سى» مقدمتها الدعائية عن التزامها الحياد الذى يعد حسب وصفها «ميزتها الأساسية»، وفى 30 يونيو أظهرت المؤسسة البريطانية وجهاً يخالطه أمران: تحيز غير مقبول أعتبره فاضحاً لتنظيم الإخوان، أما الآخر فتغييب لمعايير المهنة التى تدرّسها فى أكاديميتها، مع استسلام للتعاطف والمساندة لاصطناع دور الضحية لفصيل سياسى خلعه المصريون بقرار الملايين، مما دفع البعض إلى اعتبارها وسيلة إعلام تصطف مع «الجزيرة» و«سى إن إن» ووسائل إعلام غربية أخرى احتقرت ما قام به الشعب المصرى، يبدو أن «بى بى سى» تعاود مسلكاً سلكته من قبل فى حرب فوكلاند وحرب العراق، بل وتكرر فضيحة أخرى ستلاحقها مع إسقاط لافتتها العريضة: «نحن ملك للشعب وليس الحكومة». «بى بى سى» ليست منزهة، لكنها كانت تحظى ببعض الاحترام ويبدو أن الأغراض والاختراقات السياسية لغرف الأخبار صارت سمة تحكم المؤسسة العريقة وخاصة قسمها العربى، ففى قسمها العربى ينتشر منتمون ومتعاطفون مع الإخوان وهو ما بدا فى التغطيات خاصة المنتجة من جانب موفديها إلى القاهرة. «بى بى سى» تحركت من علياء الاحترام إلى الدرك الأسفل لابتذال التحيز.. وإليكم بعضاً من جرائم مهنية ارتكبتها، امتهنت فيها الحقيقة وشعباً يواجه فصيلاً هى نفسها تعلم حجمه بنفس دوافع الإنكار السائدة فى إشارة رابعة والنهضة: ■ فى تقرير لها يوم 26 يوليو عن مظاهرات تفويض الجيش قالت نصاً: «جاءت المظاهرات التى يشارك فيها مئات الآلاف من المصريين» فى إشارة واضحة لتحيز تجاهل ملايين خرجت فى قرى ونجوع ومدن مصر جميعها. ■ فى تقرير «يوميات ساكن فى القاهرة حول اعتصام رابعة» حاولت صناعة توازن مكذوب عن مؤيدين ومعارضين لاعتصام رابعة من سكان مدينة نصر، فى حين أن الواقع مخالف لما حاولت إيصاله، لم تكتف بذلك بل تجاهلت ما حكاه المعارض للاعتصام من منع فريق «بى بى سى» من التصوير خارج العمارة التى يسكنها، بل وتهديده والطاقم بالشوم والعصى من قبَل معتصمى رابعة، وجاءت بآخر (مثل وجهة النظر الأخرى) اعتبر من الوهلة الأولى ما حدث بأنه انقلاب رغم أن التأييد والمعارضة هنا على خلفية السكن بالقرب من الاعتصام وليس التوجه السياسى! ■ «بى بى سى» دأبت منذ 30 يونيو على إبراز تغطية «الجارديان» الموالية لقطر فى عرضها للصحف البريطانية، بل تختار منها دائماً العنوان الرئيسى لهذا العرض، ومن ثم تأتى العناوين دائماً فى صالح الجماعة مع الإشارات السلبية لحركة الجماهير المصرية، ومنها تقرير للجارديان بعنوان: «مصر تعيد إلى العمل وحدات الشرطة السرية التابعة للنظام السابق». ■ فى قصة أخرى عن «التحالفات السياسية فى مصر» بتاريخ 2 أغسطس «استبعدت قيمة التوازن لإظهار أحجام وأوزان أطراف القصة فساوت بين ما يسمى بجبهة الضمير التى شكلها الإخوان وحلفاؤهم وبين جبهة الإنقاذ الوطنى التى تشكلت من أحزاب سياسية، بل شغلت جبهة الضمير مساحة تزيد على حركتى شارع دعتا إلى مظاهرات يونيو هما تمرد وجبهة 30 يونيو، واستكملت انحرافها بتصوير التيار الثالث بكونه لاعباً أساسياً فى معادلة السياسة رغم ضآلة عدد مؤيديه وحداثة تكوينه، وركزت أيضاً فى أن تنسب أموراً إيجابية حول أهداف ما يسمى بتحالف الشرعية الذى شكله الإخوان بالأساس وهو ما حدث أيضاً مع جبهة الضمير. ■ استخدمت «بى بى سى» فى أحد تقاريرها لفظ اعتداءات لتصف الهجمات التى يقوم بها الجيش لحماية مصر من الإرهاب الذى يقتل يومياً عناصر من الجيش والشرطة. ■ أرسلت «بى بى سى» موفداً بعد أحداث الحرس الجمهورى لينتج قصة فى اتجاه واحد اعتمد فيها المراسل على شهادات الإخوان واحتفت بها «بى بى سى»، بل ووصفت الأمر بمجزرة الحرس الجمهورى رغم أنها لا تستخدم هذه الأوصاف فى قصصها كما قللت أيضاً من شأن البيانات الرسمية الصادرة تجاه الأحداث. ■ فى أحداث مدينة الإنتاج الإعلامى نقلت عن «رويترز» تقريراً يتحدث عن محاولة الإخوان اقتحام المدينة فى حين غيبت هذا الأمر فى تقريرها التالى عن الأحداث وأبرزت فقط استخدام الشرطة للغاز المسيل للدموع ونفى الإخوان لمحاولة الاقتحام! انتهى المقال، ولكن لن تنتهى «بى بى سى» عن انحيازها لأنه يرتبط بمعادلة معقدة يتصدرها طبيعة تكوين قسمها العربى وسقوطه فى دوامة الانتماء السياسى وبئر الضحية، اللهم بلغت اللهم فاشهد على من كانت «بى بى سى»!!