(1) عن بُعد درست الهندسة بجامعة عين شمس، وقد كانت سنوات المحنة.. المُهم تخرجت، وتكحرتُ من العمل مُهندساً إلى مشروع صحفي وما بينهما من قفزات الصعلكة المهنية: يعني بإختصار أنقطعت صلتي بالمهنة وبالكلية، لكن في العام الذي فات تُكلمني سمر علي* على التليفون؛ لتُخبرني أنها ستُدرب في ورشة للكتابة الإبداعية تبع مشروع يحمل أسم "أرابيسك"، وأنها مش وحدها بل أن هُناك مُدربين آخرين في ورش للمسرح والحكي والموسيقى والسيناريو والكاريكاتير والتصوير الفوتوغرافي والأوريجامي "فن طي الورق" وورش أخرى لا أتذكرها الآن؛ ضمن ذات المشروع، الذي ضرب في نافوخ مجموعة من طلبة هندسة عين شمس -لا أعرف منهم للأسف غير إسمي رنا رياض ومحمد عبد الناصر- فتدربوا، ودربوا، وخططوا، وجهزوا، وفتحوا بقعة عبده باشا الكئيبة التي تقع فيها الكلية لبهجة الفنون؛ فبدأت الورش، وعادت صلة ما لي بالكلية؛ من خلال سمر، التي كانت تحكي لي عن حلاوة التجربة وذكاوة البنات والولاد، والشغف بعيونهم، والدنيا الجديدة التي تفتحت لها ولهم، والتغير الغير مرئي الذي تصنعه ثورة يناير، رغم تصدر المُرسي وإخوانه وآخرين للمشهد المرئي.. الحقيقة تفشخرتُ داخلياً بعض الشيئ ببنات وولاد هندسة، ولما جاءت لي فرصة حضور حفل إختتام موسم "أرابيسك" الأول لم أتحجج وأتحنجل كالعادة؛ بسبب الكرب الروحي الذي تفعله بي أي زحمةٍ بشرية. رُحت بصحبة سمر وتعرفت على بعض -خريجي- ورشة أرابيسك للكتابة الإبداعية، الذين للأسف حُدفوا في آخر البروجرام المُتضمن ڤيديو توثيقي عن مراحل تطور المشروع حتى لحظة الحفل بما في ذلك لقطات على سهوة من الورش ومناكفات المتدربين مع المدربين، وتقديم طلبة الكلية والكليات الأخرى في الأول عند كُشك أرابيسك قبلما يتم تصفيتهم، ومشاهد وصور تانية لا أتذكرها الآن. بعد الفيديو التوثيقي بدأ أعضاء كل ورشة في تقديم أنفسهم وشُغلهم، ورشة تلو الأخرى، لكن بعد ساعة وأتنين بدأ الملل وتليفونات الأشغال تضرب، وتسرسب الحضور طلبة وأساتذة في الجامعة وصحفيين وكتاب، حتى صفصف في النهاية على بضعة عشرات من بضعة مئات خلوا من كل وجه ملفوح بالميديا إلا وجه الجليلة شاهنده مقلد، التي قابلت سمر وهي تقع أسفل المدرج من غضبها مما فعله منظموا الحفل؛ فسندتها حتى وقفت قبل أن تقول لها أن نتاج "ورشتك" هو الأحسن. (2) عن قُرب مرت سنة، ومرت أحداث 6/30 وما تلاها، ودنت وجوه، وعلت وجوه، وأزدحم المشهد المرئي بالحثالات إلا من رحم ربي، ودك الإحباط وأكعاب البنادق صدور شبابٍ شابوا - آه والله هرمنا- وتبجح المُعذِبون بأقبيتهم وأبناء السفلةِ بوضاعة نفوسهم، وسرت في الشوارع وداخل الجدان هيستريا، ولام الجميع الجميع، ووسط كل ذلك جاء لسمر تليفون جديد من أرابيسك؛ كي ما تُشاركهم كمدربة لنفس الورشة للعام الثاني على التوالي -ومش بس كده- بل أخبروها أيضاً أن أعضاء الورشة الأولى سيحضرون، وأن تيمة Theme أرابيسك لهذه السنة عن "مصر المكان والهوية"، وعلى الفور بدأ التحضير لورشة محورها مصر القديمة وطرف الحبل المُمتد منها إلينا.. كنت قد نسيت ما حدث والتغير الصُغنون الذي طرأ على علاقتي بالكلية؛ فكلمتني سمر لأتذكر، ولنتناقش حول مادة مرئية عن مصر القديمة؛ فاقترحت فيلم شادي عبد السلام "شكاوى الفلاح الفصيح"**، وفي قعدة ثلاثية فيها سمر ومريم النقر وأنا؛ شاهدتُ ومريم الفيلمٓ، وتناقشنا حوله؛ فاقترحت مريم أو أصرت -الصراحة بنبرة آمرة- أني لازم أحضر معهما "ورشة بكرة"؛ للنقاش عن الفيلم، طبعاً أنا تحججت وعملت فيها لئيماً، وبالتأكيد فهما، وجرجرت من قفايا للكلام وسط ناس -حوالي 12 نفر- في محمية عبده باشا. رُحتُ للمرة الثانية ودخلت القاعة التي سبقاني إليها سمر ومريم، اللتان كانتا يُحاولان تصليح البروچكتر؛ فحمدت الرب أني سأقعد شبه صامت، لكن أثناء مُناقشة سمر ومريم -المعيدة بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية جامعة القاهرة- نصوص المُتدربين، والتي لفت إنتباهي منها بشدة نص للباشمهندس إبراهيم خليل؛ تم تصليح البروچكتر، وأشتغل الفيلم، وبدأ النقاش برأي في الفيلم أنه قد إيه مُمل؛ فردت منة الله رحيم -الطالبة في كلية الألسن- بأن ذلك كان إيقاع الحياة وقتها، وزادت مريم بتصوير سطوة الطبيعة على الإنسان، وعن الفارق بين أن تأخذ الرحلة بسيادة أو على قدمك وأنت تجر حمارين خلفك لا تركبهما خشية إراهقهما؛ لأنهما شريكاك في الحقل، وهكذا أستمر النقاش والجدل حول كسر منطقية الزمان والمكان في سرد الفيلم، وحول شريط الصوت المُصاحب للفيلم والجو العام المُصاحب للنص المكتوب، وميزانية الفيلم القليلة، والدقة المتناهية في التنفيذ، وعلاقة عدم الوضوح والدقة بالكتابة الإبداعية، وكيف كانت مصر القديمة تصبو نحو الماعت/ العدل حيث قُبض على السارق النافذ في الدولة لصالح الفلاح الفصيح بن الطبقات الدنيا، وتفرع النقاش أكثر وأكثر حتى وصل للعادات والتقاليد المصرية القديمة التي لم يهزمها الزمن، وأن هناك ما يقرب من ثلاثين ألف كلمة متسربة من اللغة المصرية القديمة للهجتنا المصرية الحالية، وتمصير الدين والفرق بين المسيحية والإسلام المصري والمسيحية الأوروبية والإسلام الوهابي، والحملة الفرنسية والفارق بينها وبين الإحتلال البريطاني، والعلاقة بين تعدد الآلهة في مصر القديمة وأضرحة الأولياء والتبرك بها، وحديث غير ذلك كثير، ومرت الساعات الثلاث -بمقام محاضرتان- هوا، وأنا ممتن لبلطجة سمر ومريم عليّ، وممتن لمشروع أرابيسك لدرجة أني قلت في آخر الورشة "شكلكم كده هحب كليتي ولا إيه".. ولا إيه؟! سمر علي*: طبيبة أسنان وشاعرة وقاصة ومدربة كتابة إبداعية وكاتبة مقال إسبوعي في جريدة الوادي، صدر لها مجموعتان شعريتان باللغة الإنجليزية الأول بعنوان تنورة Tannoura والثاني بعنوان La Cantadora شكاوى الفلاح الفصيح**: رابط الفيلم Video of فيلم شكاوى الفلاح الفصيح - The Eloquent Peasant (جودة عالية)