وزارة النقل: تقدم أعمال تنفيذ وتشطيب محطات المرحلة الثالثة من القطار الكهربائي الخفيف LRT    هل يصل سعر كيلو الفراخ 110 جنيهات قبيل شهر رمضان؟.. الشعبة ترد    ليدز يونايتد يسقط نوتينجهام فورست بثلاثية في الدوري الإنجليزي    نشرة الرياضة ½ الليل| الأهلي جاهز.. بيراميدز يصل.. كاف يوافق للزمالك.. وبيان المصري الناري    وفاة أم وطفلها إثر سقوطها من الطابق الثامن بالإسكندرية    الجيش الإيراني يعلن احتواء حريق اندلع في ثكنة عسكرية من دون تسجيل إصابات    عمرو دياب يعلق على إعلان ابنته جنا.. «فخور أوي»    راجح داود: الراحل داوود عبد السيد صنع سينما تدفع المشاهد للتفكير    أيمن بهجت قمر: وصلت لمرحلة بشعة من زيادة الوزن.. وهنيدي قال لي أنت هتموت كده    31 قتيلا و169 جريحا بتفجير انتحاري في مسجد شيعي بباكستان    افتتاح عدد من المساجد بعد الإحلال والتجديد والصيانة بمحافظة سوهاج    المرور على مئات المنشآت السياحية والغذائية.. أبرز جهود الهيئة القومية لسلامة الغذاء بأسوان    بالصور| ملامح براءة ضحايا دير أبو فانا.. جنازة مهيبة لتوديع الضحايا    الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: طرحنا مؤتمرا دوليا لإنصاف الفلسطينيين لكن الهيمنة الأمريكية عطّلته    بالصور.. حشود تشارك في جنازة سيف الإسلام القذافي وتعليق شقيقه    بعد 12 ساعة من نشره.. لماذا حذف ترامب فيديو أثار استنكارا واسعا لتشبيه أوباما وزوجته بالقردة؟    نهى عادل: عرض دخل الربيع يضحك في الإسكندرية حلم تحقق بعد رحلة جوائز ومهرجانات    وزارة السياحة: مصر تسترد قطعة أثرية هامة من عصر الملك تحتمس الثالث في تعاون دولي مع هولندا    850 ألف خدمة طبية لمنتفعي التأمين الصحي الشامل بالإسماعيلية بمستشفى القصاصين    إصابة 7 أشخاص إثر انقلاب سيارة ربع نقل محمّلة بالركاب فى المنصورة    نائبة التنسيقية تطالب ببنك وطني للأنسجة البشرية وتيسير إجراءات التبرع بعد الوفاة    «فيتش»: مصر تستعد للتحول لمركز صناعى إقليمى فى البتروكيماويات بحلول 2030    حسام موافي لطبيب عاير موظفا مريضا: هل هذا دين أو إنسانية؟ المرض ابتلاء من الله وليس ذنبا    استمرار ارتفاع درجات الحرارة.. بيان عاجل من الأرصاد عن طقس السبت    كان يلهو على حافتها.. مصرع صغير غرقا في ترعة بسوهاج    ذاكرة رمضان المصرية    فيديو صادم| من الماشية إلى السيارات.. الفيضانات تجرف كل شئ في المغرب    الطائفة الإنجيلية تنعى ضحايا حادث ديرأبو فانا بالمنيا    جوارديولا قبل قمة أنفيلد: موقف سيلفا غامض وعودة دياز دفعة قوية للسيتي    جميل مزهر ل"سمير عمر": الجبهة الشعبية تمسكت بالمقاومة بعد خروج بيروت 1982    الاتحاد السكندرى يفوز على الأهلى فى قمة الجولة الرابعة عشرة بدورى السلة    «الفنون الشعبية» المشاركة مهرجان أسوان الدولي للثقافة تستكمل عروضها بساحة معابد فيلة    أمين البحوث الإسلامية من الهند: الأزهر حارس الوسطية وناشر نور السيرة النبوية    السودان: ملتزمون بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية للمحتاجين    عشرات حالات الاختناق خلال اقتحام قوات الاحتلال بلدة بيت أمر    لصوص الخرسانة في قبضة الأمن.. كواليس سرقة حديد الحواجز بطرق الإسكندرية    محافظ الجيزة: دخول 9 مدارس جديدة وتوسعات الخدمة بإجمالي 317 فصلًا دراسيًا في الفصل الدراسي الثاني    مباحثات مصرية سلوفينية لتوسيع التعاون في الموانئ والطيران والعمالة الماهرة (تفاصيل)    طريقة عمل برجر اللحم بدون فول الصويا    رئيس جامعة الإسكندرية يستقبل الخبير الدولي الدكتور ين لي Yin Li المتخصص في جراحات المريء بالمعهد القومي للأورام ببكين    بلدية المحلة يكتسح ديروط برباعية فى دورى المحترفين وبروكسى يهزم وى    منتخب مصر للشابات يخسر أمام بنين بهدف في ذهاب التصفيات المؤهلة لكأس العالم    تطور أسعار مواد البناء فى مصر 2026 ودور الدولة فى دعم صناعة الأسمنت والحديد    "تعليم بنى سويف" الأولى بمسابقة "الإبداع طموح" في مجال البحث العلمي والابتكار    الذهب يرتفع والفضة تتراجع وسط تباين شهية المخاطرة العالمية    خشوع وسكينه.....ابرز اذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    صفاء أبو السعود: الإعلام شريك أساسي في بناء الوعي المجتمعي ونشر المفاهيم السليمة    8 قرارات جمهورية مهمة ورسائل قوية من السيسي ل شباب مصر    اتحاد اليد يعلن إذاعة الدور الثاني لدوري المحترفين على أون سبورت    تحذير من الأرصاد بالتزامن مع انطلاق الدراسة غدا.. فيديو    المساجد تمتلئ بتلاوة سورة الكهف.. سنة نبوية وفضل عظيم يوم الجمعه    استعدادات مكثفة في مساجد المنيا لاستقبال المصلين لصلاة الجمعة اليوم 6فبراير 2026    صفقات الدوري الإيطالي في ميركاتو شتاء 2026.. أديمولا لوكمان يتصدر القائمة    معهد الشرق الأوسط بواشنطن يستضيف وزير البترول والثروة المعدنية في لقاء موسع    لماذا لا تقبل شهادة مربي الحمام؟.. حكم شرعي يهم كثيرين    فرح يتحول لعزاء.. تفاصيل وفاة عروس وشقيقتها ويلحق بهم العريس في حادث زفاف المنيا    بعثة الزمالك تتوجه إلى زامبيا استعدادًا لمواجهة زيسكو بالكونفدرالية    بعد حديث ترامب عن دخول الجنة.. ماذا يعني ذلك في الإسلام؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



طارق الشناوي يكتب: "تملّي في قلبي يا حبيبي.."
نشر في الفجر يوم 15 - 08 - 2018

هل من الممكن أن يقلد أحد صوت محمد فوزى؟ لم يكن فوزى بمقياس العلم هو صاحب الصوت الأقوى أو الأكثر اكتمالا أو عذوبة، إلا أنه كان روحا تحلق وليس صوتا يغنى، ولا يمكن لأحد أن يقلد الروح، فهو صوت ونغم من السماء، يعجز الجميع عن الوصول إليه.
اليوم يكمل فوزى 100 عام من العمر، لم يعش على هذه الأرض سوى 48 عاما، ليترك لنا كل هذا الرصيد المتنوع والغزير ومتعدد المذاق.. وأهم من كل ذلك المتجدد دوما.
محمد فوزى خفيف الدم فى الألحان وأيضا فى الحياة، وعندما سألوه أن يُطلق على بعض المطربات أنواعا من الفاكهة، لم يستغرق وقتا طويلا، فأجابهم شادية «كريز» وهدى سلطان «تين»، ونجاة «فراولة» وصباح «كمثرى»، وليلى مراد «برقوق»، وعندما أتأمل ألحان محمد فوزى العاطفية «تملّى فى قلبى»، والشعبية «مال القمر ماله»، والأطفال «ماما زمنها جاية»، والدينية «لبيك إن الحمد لك»، والوطنية «بلدى أحببتك يا بلدى»، والبدوية «ويلك ويلك»، وأسأل نفسى من هو فوزى بمقياس الفواكه؟ أكتشف أن موسيقاه هى إبداع سحرى لأحلى فاكهة فى الدنيا وفى الجنة!!.
عندما اشتد عليه المرض وشعر باقتراب ساعة الرحيل، كتب مودعا مصر وأطفالها الذين أحبهم، استيقظ الطفل فى أعماقه ليودع كل الأطفال، عندما شيعت جنازته كانت الجماهير تتسابق على حمل النعش، فهو قريب ونسيب وحبيب كل المصريين، كأن الناس جميعا تودع جزءا عزيزا من وجدانها.
هل حقاً تباعدت المسافة بيننا وبينه، أم ضاقت؟.. فوزى يزحف دائماً إلينا ونحن أيضا نزحف إليه، أغانيه صارت هى أغانى هذا الزمن، إيقاعه هو إيقاعنا.. كلما ازدادت سنوات غيابه ازداد حضوره!!.
يتيح لنا العمل بالصحافة أن نلتقى عمالقة الإبداع، شاهدت واقتربت من الكثيرين، واحد فقط تمنيت أن ألتقيه- ومع الأسف- عندما بدأت مشوارى فى الصحافة كان قد رحل عن عالمنا قبلها بأكثر من عشر سنوات، ورغم ذلك فإن أفلامه ال «35» تشعرك بأنها تحتفظ بمحمد فوزى الإنسان، وليست الشخصية الدرامية التى نراها على الشاشة، بل هو فوزى كما عرفه كل من عاصروه، أكدوا أن خفة دم فوزى فى السينما التى نتابعها فى أفلام مثل «ورد الغرام» مع ليلى مراد، و«دايماً معاك» مع فاتن حمامة و«العقل فى أجازة» مع شادية هى نفسها خفة دمه فى الحياة.
ألحان محمد فوزى سابقة عصرها، رَأْى الكل يردده مخضرمون وغير مخضرمين، متخصصون أو مجرد سميعة، إلا أن الدلالة المؤكدة على صدق هذا الرأى هى أن مؤشر الأداء العلنى الذى تحققه أغنيات فوزى فى ارتفاع مستمر. العديد من مطربى هذه الأيام يرددون ألحانه، بل بعض مطربى جيله مثل محمد رشدى حرص على أن يغنى عددا من أغنياته، وهو ما فعلته أيضاً شقيقته هدى سلطان، تكتشف أن صوت فوزى من المستحيل أن يستعيده سوى فوزى، حتى لو كان من يغنى له هو شقيقته هدى سلطان، ولكن الألحان مباحة للجميع، وكلٌّ على قدر استيعاب كل مطرب لومضاتها.
مثل كل الموسيقيين، تفرض عليهم مواهبهم وتحركهم وتدفعهم إذا كانوا من أهل القرى للنزوح للقاهرة، وكأنها النداهة التى تتملكهم، وهكذا جاء «محمد فوزى عبدالعال حسن الحو» إلى القاهرة قادماً من طنطا، وكالعادة التحق بأشهر صالة غنائية معروفة فى ذلك الزمن (بديعة مصابنى)، نتحدث عن نهاية الثلاثينيات، قال لى الموسيقار محمود الشريف، الذى كان يسبق محمد فوزى فى العمر 6 سنوات- ( فوزى مواليد 1918 والشريف 1912)- قال لى الشريف إنه بتكليف من السيدة بديعة مصابنى لحن أوبريت باسم «قلم المرور» غنى فوزى فيه بصوته جزءاً صغيراً، وبعد ذلك انطلق فوزى ملحناً ومطرباً بعيداً عن صالة بديعة!!.
يوسف وهبى هو محطة الانطلاق الرئيسة لمحمد فوزى إلى عالم السينما عندما اختاره بطلاً فى فيلمه «سيف الجلاد»، وكان عُمر فوزى وقتها 26 عاماً، وبدأت رحلته مع الفن مطرباً وملحناً وممثلاً ومنتجاً، وكان قبل كل ذلك مغامراً، فهو من أوائل الذين قاموا بتلوين أفلامهم، ومن أوائل الذين جددوا تقنية التسجيل فى مصر، واستورد أعلى وأرقى الآلات حتى تُطبع فى بلدنا، وبعد ذلك يأتى التأميم فى مطلع الستينيات ليتحول من صاحب شركة أسطوانات إلى مدير شركة، بعد أن أصبحت تابعة لاتحاد الإذاعة والتليفزيون الآن، وتحمل حاليا اسم «صوت القاهرة» ترجمة ل( كايرو فون)، بل منحوه كنوع من النكاية العنيفة وغير المبررة غرفة كانت أصلا مكانا لمن يقدم له الشاى والقهوة.
تردد أن هذا هو ما أدى لإصابته بمرض غامض أطلقوا عليه وقتها اسم مرض محمد فوزى، أحاله إلى هيكل عظمى، أغلب الظن أنه نوع نادر وقاس من السرطان!!.
فوزى أول من لحن «المسحراتى» قبل الشيخ سيد مكاوى، أول من قدم ألحاناً للأطفال، أول من قدم لحناً بلا آلات موسيقية، وهو لحنٌ كثيراً ما تقدمه الإذاعة المصرية باسم «كلمنى طمنى» كتبه حسين السيد، حيث إن الكورال يلعب دور الآلات الموسيقية، وكثيراً ما نستمع إلى حكايات يخاصمها المنطق حول أسباب لجوء محمد فوزى إلى تقديم اللحن بهذا الأسلوب المبتكر، ولأن البعض يرى دائماً فى العبقريات قدرة استثنائية، وفوزى كان من هؤلاء العباقرة، فإنهم روجوا لقصة خيالية، مفادها أن فوزى ذهب للاستديو فلم يعثر على الفرقة، فقرر إنقاذ الموقف بالاستغناء عن الفرقة، وفى رواية أخرى ساومته الفرقة على الثمن فشعر بالتحدى يفرض نفسه، وهو إنسان عنيد لا يرضى بالهزيمة.. وهكذا على الفور استعان بالكورال والكورس لترديد اللوازم الموسيقية، حكايات إيجابية جدا تؤكد عبقرية فوزى، ولكنها لا تعبر عن الحقيقة.
اللحن عندما تستمع إليه يُكذّب كل ذلك، أولاً الكورس منضبط جداً فى الأداء، وهذا يعنى أن هناك العديد من البروفات تم إجراؤها قبل التسجيل، وأيضاً فإن الأداء البشرى لصوت الآلات لا يبدو بديلاً عنها، بل هكذا كتب فوزى اللحن ليصبح البشر هم الآلة، هناك الكمان والفلوت والتشيللو، فلن تستطيع الآلات أن تضيف شيئاً للأنغام أكثر مما تفعله الأصوات البشرية، هذا هو المنطق الفنى الذى كان يحكم طبيعة هذا اللحن، إنه مغامرة حسبها فوزى بدقة وبإحساس فنى لا يعرف سوى الجنوح فى الخيال وتلك هى حقا العبقرية!!.
محمد فوزى جاء فى نقطة فارقة جداً على الخريطة الفنية فى مصر كان قد سبقه جيل العمالقة زكريا والقصبجى وعبدالوهاب والسنباطى، وبعدهم بسنوات قليلة ظهر محمود الشريف وأحمد صدقى ويلحقهما محمد فوزى، وبعد ذلك بنحو 5 سنوات، بدأنا نتعرف على ألحان الموجى والطويل ثم بليغ.. ورغم ذلك فإن الثلاثة ملحنين الذين شكلوا علامة موسيقية محورية يعترفون دائماً بأستاذية محمد فوزى، وأنه فتح أمامهم نوافذ الإبداع.
حكى لى الموسيقار كمال الطويل مثلاً كيف استقبل محمد فوزى لحنه «على قد الشوق اللى فى عيونى يا جميل سلم»، كان فوزى تربطه صداقة بعبدالوهاب، وقال له فوزى إنه يريد أن يسمعه لحنا جديدا لملحن بدأ الطريق واسمه كمال الطويل، ورحب عبدالوهاب بالفكرة، وجاء فوزى ومعه الطويل وأيضاً موزع الأغنية على إسماعيل، واستمع عبدالوهاب إلى التسجيل بصوت عبدالحليم حافظ مثنى وثلاثا ورباعا، وكان تعليقه الوحيد على اللحن إنه «يعنى»، وهذه الكلمة «يعنى» تعنى فى الثقافة المصرية أنه أقل بكثير من المتوقع.
شعر بعدها الطويل أن لحنه لم يرض أستاذه، وبالتالى لا يجوز أن يقدمه للجمهور، وبعد أن استأذن الثلاثة فى الانصراف، وهم فى (الأسانسير) قال محمد فوزى لكمال الطويل: «لحنك رائع يا كمال، وحيكسر الدنيا، قدمه كما هو للناس إوعى تغير أى جملة موسيقية»، وأخذ الطويل بنصيحة فوزى وقدم اللحن كما هو، وبالفعل كتب اللحن شهادة ميلاد ثلاثية الأبعاد لكل من الطويل ملحناً، وعلى إسماعيل موزعاً، وعبدالحليم مطرباً، وكان النجاح مدوياً كما توقع له فوزى.
رواية أخرى حكاها لى محمد الموجى، كان فوزى من أشد المعجبين بصوت فايزة أحمد وأحبها كثيراً فى ألحان الموجى التى شهدت بدايات فايزة مثل «يامه القمر ع الباب»، «أنا قلبى إليك ميال». واستأذن فوزى من الموجى فى طبع الأسطوانات فى شركته، ووافق، وحققت الأسطوانات أعلى الإيرادات لفوزى، واتصل بالموجى وقال له: «أنا مش عارف أعد الفلوس اللى حققتها الأسطوانات بسبب ألحانك»، وطلب منه أن يأخذ جزءا منها.. لكن الموجى شكره ورفض.. وبعد ذلك أنتج فوزى فيلم «ليلى بنت الشاطئ» عام 1959، وهو بالمناسبة آخر أفلامه التى أنتجتها شركته، وشارك فوزى فى بطولتها أمام فايزة أحمد، وكانت المفاجأة التى لم تحدث من قبل، أن فوزى يطلب من الموجى أن يضع ألحان الفيلم بجواره، ولم يسبق مثلاً أن استعان عبدالوهاب بملحن آخر فى أفلامه، بل إن مشروع لقائه مع أم كلثوم سينمائياً توقف بسبب أن أم كلثوم اقترحت على عبدالوهاب أن يشاركه فى التلحين لها رياض السنباطى وزكريا أحمد ومحمد القصبجى، وكان شرط عبدالوهاب لكى يوافق على مشروع الفيلم السينمائى الذى تبناه (طلعت حرب) من خلال استوديو مصر أن ينفرد هو فقط بالتلحين، وأجهضت فكرة الفيلم التاريخى لفيلم يجمع على الشاشة العملاقين أم كلثوم وعبدالوهاب، والحقيقة أنه لا أحد وافق من قبل - خاصة من كبار الملحنين - على أن يشاركهم أحد فى التلحين، لم يفعلها مثلاً فريد الأطرش خلال 33 فيلماً لعب بطولتها ولا عبدالعزيز محمود 25 فيلماً، ولكن فوزى لم يكن لديه إحساس بصراع مع الجيل التالى له، باعتبارهم أعداء يريدون القضاء عليه، بل كان دائماً يشعر أن النجاح يستوعب الجميع، وأن حديقة الغناء تتزين بكل الورود، وهكذا لحن الموجى لفايزة فى هذا الفيلم أغنيتى «يا الاسمرانى» و«ليه يا قلبى ليه».. أكثر من ذلك، موسيقى تترات الفيلم أخذها فوزى من موسيقى محمد الموجى، رغم أنه فى هذا الفيلم كانت لديه ألحان ناجحة جداً مثل «الشوق.. الشوق الشوق» و«أى والله.. أى والله»!!.
مع بليغ حمدى كانت لديه أكثر من حكاية تؤكد إلى أى مدى كان فوزى فناناً وإنساناً استثنائياً، مثلاً أنتج لبليغ حمدى أول ألحانه لفايزة التى كتبها عبدالوهاب محمد، وهى «ما تحبنيش بالشكل ده / وتغِير كتير من ده وده»، وبعد ذلك قدمه لأم كلثوم فى أول لحن له كتبه أيضاً عبدالوهاب محمد وهو «حب إيه اللى انت جاى تقول عليه».. استمعت أم كلثوم لأول مرة إلى بليغ فى بيت فوزى، وأعجبها اللحن، ومن بعدها طلبت منه أن يأتى إليها فى فيلتها للاستماع إلى «حب إيه»، وبعد ذلك جاء اللقاء مع أغنية «أنساك، ده كلام، أنساك يا سلام» التى كتبها مأمون الشناوى، كان الشيخ زكريا أحمد قد عاد للتصالح مع أم كلثوم بعد طول جفاء، حيث غنت له «هو صحيح الهوى غلاب» التى كتبها بيرم التونسى، واتفقا على أن اللقاء الثانى بينهما مع كلمات مأمون الشناوى «أنساك ده كلام»، إلا أن الشيخ زكريا أحمد وافته المنية قبل أن يبدأ فى التلحين، ورشح مأمون الشناوى الشيخ سيد مكاوى لوضع اللحن، على اعتبار أنه من تلاميذ الشيخ زكريا أحمد، إلا أن أم كلثوم لم ترق لها محاولات سيد مكاوى اللحنية، وعلى الفور اتصلت بمحمد فوزى، وبدأ فوزى فى وضع بناء اللحن، واستعجلته أم كلثوم لاستكماله، لكنه كان يريد بعض الوقت.. وحسماً للموقف، رشح لها بليغ حمدى بدلاً منه، وقدم بليغ حمدى «أنساك» فى ثانى لقاء له مع أم كلثوم بعد «حب إيه»، وقال لى مؤلف الأغنية الشاعر مأمون الشناوى إن مقدمة اللحن والمقطع الأول بالضبط كما لحنهما محمد فوزى، وإن بليغ اكمل ما بدأه فوزى، أشعر أن رواية مأمون هى الأصدق والأقرب إلى المنطق وإلى إحساسى الموسيقى.
فى حياة فوزى ألحان مثل «مصطفى يا مصطفى» الذى غناه بوب عزام، هذا اللحن حقق ملايين الجنيهات.. لا تزال جمعية المؤلفين والملحنين تحتفظ بها، بمجرد ظهور لحن «مصطفى يا مصطفى» فى نهاية الخمسينيات، أقام محمد الكحلاوى دعوى أكد فيها أن هذا اللحن مأخوذ من لحن بدوى قديم له باسم «فضلك يا سايج المطر/ تشكر يا سايج المطر»، ولم يتم حسم القضية حتى الآن، رحل فوزى عام 66 ثم الكحلاوى 1981 والملايين التى حققتها الأغنية مقابل الأداء العلنى تتراكم فى جمعية المؤلفين والملحنين، ولكن القضاء لم يحسم لمن تؤول الأموال، وبعد رحيل فوزى، ورغم ما كان بينهما من تراشق صحفى وقضائى وشخصى، فإن محمد الكحلاوى هو الذى أقام صلاة الجنازة على جثمان محمد فوزى.
كان فوزى أول من التفت إلى صوت شادية وقدمها فى أول فيلم لها «العقل فى أجازة» إخراج حلمى رفلة، وغنت من تلحينه «هويته هويته هويته ولقيته لقيته لقيته»، منحها مذاقها الفنى الخاص بالألحان الخفيفة.
من المواقف المسكوت عنها فى مشوار فوزى أنه اضطر للتلحين من الباطن لمحمد عبدالوهاب، أغنية ليلى مراد «حيرانة فى دنيا الغرام»، وقال لى ابنه المهندس نبيل إنه لم ينم ليلتها لإحساسه أنه باع لحنا، ولم يكررها بعد ذلك أبداً، وكلما استمع إلى اللحن كان يبكى وكأنه يرى ابنا له لكنه لا يستطيع أن يعلن شرعية أبوته!!.
لماذا لم يغن عبدالحليم حافظ من تلحين فوزى رغم ما يجمعهما من صداقة وحب؟!.. سؤال توجهت به إلى كمال الطويل ومحمد الموجى.. الطويل قال لى إن فوزى يقدم ألحاناً خفيفة تقترب مما يقدمه الملحن منير مراد لعبد الحليم، ولهذا كان حليم يكتفى بمذاق واحد، الموجى كانت لديه قناعة أخرى، وهى أن فوزى عندما يلحن تستمع إلى صوته وهو يغنى ولديه طغيان فى الأداء، وكان عبدالحليم يدرك ذلك ويعرف أيضاً أن لديه منهجا مغايرا فى الأداء عن فوزى، ولهذا لم يلتقيا.
لم يطلب فوزى أن يلحن لعبدالحليم، والبدهى أن عبدالحليم هو الذى يطلب من فوزى، إلا أنه لم يفعلها. فى الحقيقة لم أقتنع بإجابتى الموجى والطويل، ولدى إجابة ثالثة أحتفظ بها لنفسى مؤقتا!!.
أبدع فوزى فى كل الألوان، فنحن مثلاً عندما نشعر بأى خطر يواجه بلدنا نلجأ إلى أغنية «بلدى أحببتك يا بلدى»، التى كتبها مرسى جميل عزيز، وعندما نريد مداعبة طفل نغنى له «ماما زمانها جاية» لحسين السيد، وعندما نشعر بالافتقاد نغنى من ألحانه التى قدمها للمطربة نازك «كل دقة فى قلبى بتسلم عليك» لمحمد على أحمد، وعندما يستبد بنا الحنين للأجواء الشعبية لا نجد غير أغنية طلب «ساكن فى حى السيدة وحبيبى ساكن فى الحسين» تأليف زين العابدين عبدالله التى لحنها فوزى، وعندما نسعد بالدنيا وهى تضحك لنا نغنى من كلمات بيرم التونسى «يا سلام يا سلام ع الوداد بعد الخصام»، وعندما نشعر بإحساس جارف تجاه النساء نردد «آه من الستات آه يا جمالهم» لمأمون الشناوى، أما أنا فإن لدى أغنية مفضلة أخرى كتبها عبد الفتاح مصطفى ورددها فوزى «تملى فى قلبى يا حبيبى».. هذه هى الأغنية الترمومتر بالنسبة لى لتحديد علاقتى بالأشخاص، من فرط الصدق الذى أستشعره فى كلماتها وبنائها اللحنى وفى أدائها أيضاً، فأنا أتعرف على روح البشر الذين أتعامل معهم من خلال «تملى فى قلبى».
إذا سألت أحدهم عن رأيه فى «تملى فى قلبى» وقال لى نعم إنها أغنية حلوة ولم أشعر بحماسه الزائد وهو يؤكد حلاوتها وتفردها، أتشكك فى ذوقه، ولكن من يهيم بها حبا، فإنه يصبح وإلى الأبد فى قلبى.
100 عام على ميلاده، ومحمد فوزى (تملى فى قلبى ياحبيبى وأنا عايش بعيد عنك)!!.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.