رحلة العودة إلى أحضان الوطن استغرقت سنوات طويلة، اعتادوا خلالها الوجوه العابسة، حتى كادت البسمة تشقق شفاههم اليابسة، وبين صباحهم ومسائهم لم يعد الفرق كبيرًا، فالحياة أصبحت رمادية، ملطخة باللون الأحمر، ذلك الدم الذي يسيل من شهدائهم، الذين اعتادوا فقدانهم بين الحين والآخر، فيترقبون دورهم في طابور الانتظار، مع كل مرة تحلق فوق سمائهم الطائرات التي باتت أشبه بذباب ضخم يصُم طنينه الآذان من شدة الرعب. هذا المشهد المتكرر، يعيشه اللاجئون الفلسطينيون في مخيماتهم طوال عامهم المظلم، والذي لا يضيئه سوى حلول رمضان، ذلك الشهر الذي لا يقبل على هذه المنطقة، إلا محملًا بدِلاء من الأصباغ تتلون بها الممرات والحوائط، فكأنما سحرًا احتل هذه البقعة، ليجبر قاطنيها على البحث عن السعادة، تلك التي تضفي لمعانًا على الأحذية المرقعة وتظهر الثياب البالية وكأنها المتراصة خلف زجاج واجهات المحلات، فيخرج الجميع عن المألوف، لتصور لهم هذه المتفجرات وكأنها الألعاب النارية التي تزين السماء، كأنما جلب الشهر الفضيل معه كل خير العالم لتتجرعه المخيمات. فبالرغم من مرارة المعاناة التي يتذوقها المغتربون عن أرضهم؛ إلا أن شهر رمضان احتفظ بمكانته في قلوبهم، فأصبح الوسيلة التي تذكرهم بالاحتفالات وبطقوسهم الأصيلة التي توارثوها عن أجدادهم "رمضان بالمخيم بسيط لكن يحسس الناس بالسعادة"، هذا ما يراه المصور محمود أبو سلامة، الذي ينتمي إلى مخيم جباليا –أكبر المخيمات الفلسطينية عددًا في السكان- والذي يقع شمال قطاع غزة، فالأجواء الرمضانية التي يصنعها السكان، تساعدهم على تذوق مشاعر الدفء التي يتناسون بها وحشة الغربة، فقبل حلول رمضان بأيام قليلة، يبدأ الشباب في تعليق الزينة والأضواء بالشوارع، ولا تخلو منطقة من الفوانيس الملونة، استعدادًا لاستقبال الشهر.
ولأن رمضان غزة كان مختلفًا هذا العام، بعدما شهد العديد من الأحداث المؤلمة؛ لم يحمل شهر الصوم معه الكثير من البهجة التي اعتادها سكان المخيمات "رمضان كان صعب هذا العام خصوصًا أنه لا توجد رواتب ولا حياة"، إلا أن اللاجئون لم يستسلموا للحزن سريعًا، فعقدوا العزم على إعادة رسم ملامح هذه المناسبة الدينية من جديد بأشياء بسيطة كفيلة بإضفاء المرح، حتى وصل الأمر إلى استغلال الأطفال ل"سلك الجلي" في إضاءة الممرات أثناء انقطاع الكهرباء، عبر إشعاله "بيلعبوا فيها وبتضيف شكل حلو للشوارع".
تتشابه العادات والطقوس الرمضانية في جميع المخيمات، فاللاجئون الفلسطينيون ينقسمون بين 8 مخيمات، يوثق أحوالها المصور "أبو سلامة" منذ نحو ستة أعوام متنقلًا فيما بينهم:"فمثلًا تعودنا إنه وجبة السحور تكون خاصة بأهل البيت لأنه في ساعة متأخرة من الليل، فنتناول الجبن الأبيض أو الأصفر والدبس والزيت والزعتر، وهي الأطعمة الأساسية التي لا يخلو مخيم منها"، أما وجبات الإفطار فالأكلة الشعبية الأكثر شهرة في المخيمات هي "المفتول" –وجبة فلسطينية من الحمص والدجاج- وفي بعض الأحيان يتم استبدالها ب"المقلوبة". "الجار للجار بالفطرة" هكذا وصف المصور الفلسطيني، الطبيعة الاجتماعية التي يتسم بها أهالي المخيمات في رمضان، فعلى عكس وجبة السحور التي ترافقها حالة من السكون والخصوصية، إلا أن موائد الإفطار متاحة للجميع، حيث تتشارك كل أسرة "طبختها" مع جيرانها في أجواء روحانية، لاتنقطع حتى مع حلول وقت الصلاة، حيث تمتد روح المشاركة لتصل إلى المساجد التي تعد بمثابة رمز من رموز البهجة وتذوق حلاوة الشهر في ظل المعاناة، فيهُم الجار باصطحاب أخيه، لتعج ساحات المساجد بالمصلين :"أحيانًا كمان فيه ناس تحرص على تناول السحور داخل المساجد قبل موعد الصلاة". ولا تعني هذه الأجواء الاجتماعية السارة، خلو المنطقة من ويلات الحرب التي دائمًا ما يشعل المحتل الصهيوني فتيلها بين الحين والآخر على هذه المخيمات "إحنا مهددين على مدار الساعة ولو نحكي إن الأسبوع فيه 7 أيام فخمسة منهم قصف شغال وكلها موت"، بهذه العبارة وصف الشاب البالغ من العمر ثمانية وعشرون عامًا، حالة القلق التي تسود مخيماتهم فاعتادها اللاجئون، حتى تحولت إلى مشاعر طبيعية لا يتناسوها إلا مع ممارسة طقوس رمضان "الأمان من الله والناس تأقلمت هنا على روتين الطائرات والقصف، لذلك فحيلتهم الوحيدة للاطمئنان هي الانشغال بروحانيات شهر الخير".