اتحاد منتجي الدواجن: الأعلاف ارتفعت 25% خلال أسبوعين.. ونتوقع زيادة سعر المزرعة ل 84 جنيها    وزير الطاقة الأمريكي: أسعار النفط قد تبلغ ذروتها خلال أسابيع    أكسيوس: المحادثات الدبلوماسية بين إسرائيل ولبنان ستكون مفتوحة ومباشرة    مدير الهلال الأحمر عن انطلاق القافلة 175: استجابة مصر لغزة مستمرة حتى لو أدار العالم ظهره    الأرصاد: الخميس ذروة موجة الارتفاعات.. وانكسار الطقس الحار يبدأ الجمعة بأكثر من 5 درجات    البحث عن جثة شاب غرق في نهر النيل بالعياط    إخماد حريق مخلفات أعلى سطح عقار بدار السلام دون إصابات    الموت يُفجع الفنان سيد رجب    لقبوه ب إمام الفلاحين وسفير الأميين.. فلاح بالبحيرة يبهر الجميع بفصاحة خطبته رغم عدم إجادته القراءة والكتابة    زوجها مريض بالسرطان ولديها 10 أحفاد.. قصة عاملة الدليفري وبقشيش ترامب    3 قرارات ضد صانعة محتوى بتهمة نشر فيديوهات خادشة للحياء    ضبط والدة الطفل المعثور عليه أمام مسجد بالمنوفية    بدون محصل.. 9 طرق لسداد فاتورة كهرباء شهر أبريل 2026    مباحثات «مصرية أوروبية» لخفض التصعيد الإقليمي وتنسيق الجهود الدبلوماسية    جوتيريش: ينبغي على الجميع احترام حرية الملاحة في مضيق هرمز    حكايات من كيمت | «شم النسيم» عيد عمره آلاف السنين    شيرين عبد الوهاب تثير الجدل بسبب الذكاء الاصطناعي، ما القصة؟    هل الخضار الذابل فاقد للقيمة الغذائية؟ أخصائي يجيب    3 آلاف جنيه للطن، اليوم تطبيق الزيادة الجديدة في أسعار الحديد    رئيس قطاع الثروة الحيوانية: حققنا زيادة 8% في إنتاج اللحوم والألبان هذا العام    تحرك حكومي لاستغلال قمم جبل الجلالة في توليد الطاقة المتجددة    موعد امتحانات شهر أبريل 2026 لطلاب صفوف النقل.. اعرف التفاصيل كاملة    سي إن إن: تواصل بين واشنطن وإيران بهدف استئناف المسار الدبلوماسي    اتحاد الكرة: الأهلي لا يحق له استقدام خبير أصوات ونرحب به وفق القوانين    الدعاء بالشفاء العاجل للناقد الكبير حسن المستكاوى بعد أزمة صحية طارئة    رمضان السيد: معتمد جمال الأفضل فنيا ويجب رحيل أوسكار رويز    مواقيت الصلاة اليوم الثلاثاء 14 أبريل 2026 في القاهرة والمحافظات    مصر للطيران تستأنف اليوم رحلاتها إلى أربيل وبغداد    محرز: سنقدم كل ما لدينا.. ونركز على دور ال 8 من أبطال آسيا للنخبة    التحقيقات تكشف: زوجة مستريح السيارات شريكة فى إقناع الضحايا بتسليم أموالهم    تحرير 131 مخالفة تموينية في حملة مكبرة على أسواق الفيوم    خبير قانوني: اتحاد الكرة خدع الرأي العام في أزمة حكام القمة والأهلي يجهز لطلب تعويض    محافظ الإسماعيلية يتفقد مدينة أبوصوير ومنطقة روض إسكندر وقرية الواصفية    فيرنانديز يواصل كتابة التاريخ بأرقام قياسية رغم سقوط مانشستر يونايتد في البريميرليج    أفول النموذج الغربى.. من يدفع ثمن ازدواجية المعايير؟    مصدر من اتحاد الكرة ل في الجول: طلبنا من إسبانيا وألمانيا حكام لمباراتي الأهلي    «استراتيجية إيران الكبرى».. قراءة في جذور التفكير القومي الإيراني وأدوات إدارة الصراع    بحضور وزيرة الثقافة.. انطلاق أعمال المؤتمر الدولي الأول لصناع الأمل 2026 في القاهرة    "هل بناها الجن؟".. مختار جمعة يحسم الجدل حول عظمة الأهرامات    طه إسماعيل: توروب لا يمنح لاعبى الأهلى الثقة ولا أعلم سبب اختياره    محافظ الدقهلية: أكثر من 28 ألف خدمة صحية استفاد منها ما يزيد عن 20 ألف مواطن خلال الاحتفال بعيد القيامة وشم النسيم    الذهب يتراجع مع ارتفاع الدولار وتعثر محادثات أمريكا وإيران    عامر عامر: لا نعمل في التدريبات على تحقيق التعادل في المباريات    الأوقاف تعقد الأسبوع الثقافي بجميع المديريات ب27 مسجدًا    مستقبل وطن يقترح إنشاء المجلس الأعلى للأسرة في ضوء مشروع قانون الأحوال الشخصية    طريقة عمل رموش الست بخطوات سهلة وطعم لا يُقاوم    "محلية النواب": المجالس المنتخبة لها صلاحيات واسعة في الدستور    استشاري طب نفسي: نسبة الأطفال المصابون بالاضطرابات النفسية تصل الى 20%    علاج انتفاخ البطن بمكونات من المطبخ في أسرع وقت    بمراسم حافلة، الرئيس الجزائري يستقبل بابا الفاتيكان (فيديو وصور)    تحركات داخل «المهندسين».. اجتماع مرتقب لحسم المناصب القيادية بالنقابة    أحمد كريمة: الصحابي الذي تخلص من حياته غفر له الله    هل يجوز للمرأة كشف عورتها أمام بناتها؟.. أمينة الفتوى تجيب    جامعة قناة السويس تستضيف "فولبرايت مصر" لاستعراض فرص المنح البحثية    هل يغفر للمنتحر؟.. الأوقاف تحسم الجدل وتوضح الحكم الشرعي كاملًا    الحقيقة الكاملة لتعيين أوائل الخريجين وحملة الماجستير والدكتوراه    سعد الدين الهلالي: المنتحر مسلم ويصلى عليه ويستحق الرحمة وبعض الصحابة انتحروا    هل يُغفر للمنتحر؟.. وزارة الأوقاف تبين الحكم الشرعى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الصلاة بين اليهودية والمسيحية والإسلام
نشر في الفجر يوم 26 - 01 - 2016

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبينا المجتبى، وبعد:
فإذا بحثنا في بدايات التشريع اليهودي للصلاة نجد أنفسنا أمام مهمة عسيرة لأسباب عدّة، أهمها أن الباحث يجد نفسه أمام دائرة واسعة غير محددة المعالم، وتاريخ طويل متطور ومُتَجَدِّد كل حين؛ فالصلاة لديهم في تَغَيّر مُستمر وتَشعُّب لا نهاية له؛ ويمكن إرجاع ذلك كله إلى أن العهد القديم لم يحدد ماهية الصلاة شكلًا ومضمونًا إلا بعد مُدّة السبي البابلي لاقترانها بتقديم القرابين للآلهة المعبودة [1]. وتُعَدُّ الصلاة في التشريع اليهودي ضرورة روحية يستطيع من خلالها المتعبد مخاطبة خالقه، وطلب الانتماء إليه بالغفران والتوبة، ويُعبر من خلالها على شكره على النعم الربانية [2].
ومن المصطلحات التي تُطلق على الصلاة العبرية (تافيلاTafila )، وهي تعني الابتهال إلى الله تعالى والاستسلام له [3]. فالدعاء قرين للصلاة اليهودية، بل إن الدعاء يغلب على الصلاة شكلًا ومضمونًا [4]. ومن الألفاظ التي تعبر عن الصلاة في العبرية أيضًا (عتر)، وهي بمعنى قدَّمَ قربانًا [5]. وتعتبر اليهودية قراءة نصوص غير مختارة من التوراة بمثابة صلاة في غير أوقاتها. وكان اليهود قبل وقوعهم في السَّبْي يؤدون الصلاة مع تقديم القرابين لإلههم، وكأنَّ الشعيرتين شعيرة واحدة، لكنهم مُنِعوا من تقديم القرابين بعد سبيهم. وكانت متصوفة اليهود يظنون أنّ جسد المصلي يستطيع أن يتلبس في جسد معبوده، لكن بمرور الزمن تغيرت هذه النظرة؛ نتيجة لوجود الأنبياء الذين دعوا إلى تقديس الذات الإلهية وتنزيهها عن النقائص [6].
ويشترط اليهود طهارة الموضع الذي يصلون فيه من النجاسات، كما يشترطون خلوه من الصور والتماثيل باعتبارهم أهل توحيد؛ امتثالًا لما ورد في التوراة: "فاستعد للقاء إلهك يا إسرائيل" (عاموس4: 12) [7].
وقبلتهم في الصلاة ناحية المغرب، ويرى موسى بن ميمون أن اختيار اليهود لجهة الغرب لسببين:
- امتثال لأمر التوراة.
- اختيار إبراهيم عليه السلام لجهة الغرب الذي هو اتجاه بيت المقدس [8].
وقد استنبط أحبار اليهود الذين بحثوا عن أساس للصلاة في التوراة مفهوم الصلاة من عبارة وردت فيها تقول: "وتُحِبّهُ وتعبد الربّ إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك" (تثنية 10: 12).
والصلاة في اليهودية ثلاث مرات (عند الفجر، وفي الظهيرة، وعند غروب الشمس. واعتبرت الصلاة الفردية والجماعية من شعار المتدينين [9].
ومُحتوى صلاة المساء في العهد القديم يتألف من العناصر التالية:
- ذبيحة المساء.
- قراءة وصايا الله العشر.
- قراءة دعاءين.
- قراءة نصّ الشهادة (اسمع يا إسرائيل).
- قراءة دعاءين مرة أخرى.
- قراءة لبعض الأدعية.
- قراءة مُنتخبة لبعض المزامير [10].
وقد اعتنوا بالموسيقى في الصلاة عناية خاصة؛ فأصبح لكل صلاة ألحان خاصة، وأنغام مخصوصة؛ حتى تكون العبادة أوقع في النفس، وأعمق تأثيرًا. وترتبط الصلاة عند اليهود بالقيام والسكوت، وإحناء الرءوس وتغطيتها، واستعمال التعاويذ، لكن في مناسبات خاصة [11].
كما التزمت جماعة قمران اليهودية الصلاة، بعد طلوع الشمس، وذلك عقب الطهور بالماء [12]. وتقوم الجماعة بالصلاة عند الساعة الخامسة، وذلك قبل تناول الطعام، كما تقوم الجماعة بالصلاة ليلًا، وتقسم نفسها ثلاثة أفواج:
الفوج الأول: يحيي الثلث الأول من الليل.
الفوج الثاني: يكمل الصلاة، ويحل محل الأول.
الفوج الثالث: يستمر حتى الصباح، ويقضي بقية الليل [13].
أما بالنسبة للصلاة عند النصارى فإن عيسى عليه السلام في نظرهم حرّر الإنسان من قيود الشكليات والأُطر التي فرضتها التعاليم، مثل: (السن بالسن)، وقانون تكرار الكلام وشكليات الصلاة على وتيرة واحدة؛ إذ ورد في العهد الجديد: "وحينما تصلون لا تكرروا الكلام باطلًا، كالكلام فإنهم يظنون أنّه بكثرة كلامهم يُستجاب لهم. فلا تتشبهوا بهم؛ لأن أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه" (متى 6: 7، 8).
ولم يضع النصارى للصلاة شروطًا لازمة لإقامتها، بل أُعْجِبُوا ببعض الأمور فأضافوها إلى الصلاة من تلقاء أنفسهم. وينسب العهد الجديد للمسيح عليه السلام أنّه مارس تعليم الصلاة في يوم السبت المقدس عند اليهود، وشاركهم فيها، وقد ورد في العهد الجديد: "ثم دخلوا كفر ناحوم وللوقت دخل المجمع في السبت، وصار يعلّم. فبهتوا من تعليمه؛ لأنه كان يعلّمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة" (مرقس 1: 21، 22) [14].
وكانوا يقيمون صلاة الصباح؛ لأنها تمثل اكتشاف الحياة من جديد أو القيام من عالم الأموات (النوم)؛ إذ بعد توقف الحياة يأتي النور المشع، وهو صورة من البعث الجديد لها، وقد أقامها المسيح عليه السلام على انفراد: "وفي الصبح باكرًا جدًّا قام، وخرج ومضى إلى موضع خلاء، وكان يصلّي هناك" (مرقس 1: 35).
أما صلاة المساء فكان النصارى يؤدونها قبل أن يأووا إلى فراشهم، وفيها يشكرون الله تعالى على النعمة التي أسبغها عليهم في النهار [15]، ويستغفرون للذنوب التي ارتكبوها في أثناء النهار. والنصارى يتشبهون باليهود ويقتبسون منهم العدد والوقت للصلاة [16]. وقد مال النصارى الأوائل إلى عدم حَصْرِ الصلاة في أوقات محددة وساعات معينة؛ تمسكًا بالقاعدة الإنجيلية التي أوصت بالصلاة المستمرة [17]. ويعتقدون أن المسيح عليه السلام يدعو إلى الصلاة الانفرادية بقوله: "وأما أنت فمتى صليت فادخل إلى مخدعك، وأغلق بابك وصلِّ إلى أبيك الذي في الخفاء؛ فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانيةً" (متى 6: 6) [18].
ويجب التمييز بين صلاة النصراني الذي يعمل والراهب المتفرغ للعبادة، فالأول يشتغل طوال النهار فيتمسك بصلاتي الصباح والمساء فقط، أما الرُّهْبان الذين يعيشون في الأَدْيَرة أو مُنْعزلين فيقيمون الصلوات السبع، وربما يزيدون عليها، ويؤدونها بعمق كالمتصوفة، مستدلين برسالة بولس إلى أهل كورنثوس التي تقول: "أُصلي بالروح" (كورنثوس الأولى 14: 15).
ويذكرون أن المسيح عليه السلام [19] ترك لهم حرية تلاوة العبارات التي يختارونها، شريطة ألا يخرجوا عن الصلاة التي علمها لهم المسيح عليه السلام. ولقد كان أول تأليف رسمي بصيغة محددة للصلاة عند النصارى في القرن الرابع، في مجمع نيقية. ولا يزال المجلس الفاتيكاني يحدث فيها تعديلات، ويُصدرها إلى العالم النصراني الكاثوليكي، وكذلك نظام الكنائس الرئيس يستطيع أن يُحدث فيه تغييرات [20].
ونموذج الصلاة الطقسية التقليدية في الكنيسة الكاثوليكية، كما يلي: يدخل القِسّ (الإمام) في الكنيسة، فيقوم له الحاضرون تعظيمًا، ويقول (ناويًا الصلاة): باسم الآب، والابن، وروح القدس... وهنا يدور الحوار بين الإمام والجماعة في تقديس الله والثناء عليه، ثُمّ يتقدم الإمام باعترافه بالذنوب والخطايا، ويطلب الدعاء؛ فتدعو الجماعة له، ويحدث مثل هذا مع الجماعة، ثم يرتقي الإمام، ويتلو دعاءً لاتينيًا يسأل الله فيه أن يمحو الخطايا، ويغفر الذنوب، ويتوسل بالسيد المسيح وبالقديسين، وتقول الجماعة: يا عيسى المسيح ارحمنا. ويعقب الصلاة العشاء الرباني، ويُختم ذلك كله بدعاء وجيز، وهنالك تنتهي الصلاة وتنتشر الجماعة [21].
وتشارك الصلاة في الكنائس البروتستانية، بقسيمها النظاميMethodist والإنجليكاني Anglican الصلاة الكاثوليكية في أجزاء الاعتراف والتوبة والاستغفار، وتجديد الإيمان، وتوثيق العقائد الأساسية، والحمد والثناء، والدعاء، وتلاوة الإنجيل، إلا أنّ أساليبها وصيغها تابعة لمناهج كنائسها المقررة، وتتميز بأشياء هي:
1- عدم استعمال اللغة اللاتينية مطلقًا.
2- صياغة الأدعية كلها في أناشيد وترنيمات تُغنى بألحان مرسومة مقررة.
3- الصمت عند الذكر والأدعية.
4- حذف عبارات مُمْعِنة في تأليه المسيح [22].
والصلاة عند النصارى حَوَالَي سبع صلوات في اليوم والليلة، وهي أنواع: منها صلاة فردية سريَّة، وصلاة عائلية في البيت، ومنها الصلاة العامة في الكنيسة، وأهمها صلاة يوم الأحد، حيث يقرأ الكاهن شيئًا من المزامير أو الكتاب المقدس عندهم، والجميع وقوف يستمعون، وعند نهاية كلّ مقطع يدعون [23].
وفى الإسلام نجد الصلوات الخمس مُوَزَّعة على اليوم والليلة توزيعًا تربويًا جميلًا؛ حيث يُدرب المسلم على القيام المبكر واستقبال يومه، ونفحات ربه وخيرات نهاره من أول ساعة في اليوم، فيصبح طيب النفس نشيطًا. ويبدأ المسلم ليله بصلاة المغرب، كما بدأ نهاره بصلاة الفجر. والصلاة فيها أفعال وأقوال، وهي أشبه بنظام خاص، يتربّى عليه الإنسان؛ ليدرك أن تَكْرار هذا النظام خمس مرات في اليوم يجعله مُرتبطًا بربه أكثر من ارتباطه بأى شيء آخر [24].
والصلاة من الصلة، وهي تربط العبد بربه، وتقوده إلى رضوانه، وتمهد له الطريق إلى العناية الربانية. وهي عماد الدين، وعصام اليقين، ورأس القربات، وغرة الطاعات [25].
ومن أسرار الصلاة في الإسلام أن يتذكر الإنسان أنه قائم بين يدي الله تعالى، وهو مُطّلع على سريرته، عالم بما يُخفي وما يُعلن، وهو أقرب إليه من حبل الوريد؛ لذا لا بد أن ينصب قلبه بين يديه، كما نصب شخصه، ويُلزم نفسه التواضع والخشوع والتذلل [26].
ومن مناقب الإسلام في الصلاة الأذان للإعلام بدخول وقت الصلاة. وقد اقتضت الحكمة الإلهية ألا يكون الأذان صِرْف إعلام وتنبيه، بل هو من شعائر الدين، بحيث يكون النداء به على رأس الخامل والنبيه، تنويهًا بالدين. ويكون قبوله من القوم آية انقيادهم لدين الله، فوجب أن يكون مُركّبًا من ذكر الله، ومن الشهادتين والدعوة إلى الصلاة ليكون مُصرحًا بما أريد به [27]. ولو لم يكن للإسلام من المَنْقَبَة في إقامة هذه العبادة إلا الأذان لكان ذلك مما يكسب لها مَزِيّة راجحة [28][29].
وممّا يَمتَازُ به الإسلام عن سائر الأديان صلاة الجمعة التي يجتمع فيها الناس على قلب رجل وَاحِدٍ يستمعون لواعظ الخير الذي يوقظ الإيمان في قلوبهم، ويُذكّرهم مناقب داريهم، حتى إذا فرغ من وعظهم، بما قَرَعَ بِهِ أسماعهم صلى بهم تلك الصلاة المعظم قدرها [30]. وقد أشار ابن قيم الجوزية إلى أهمية صلاة الجمعة بالنسبة للمسلمين قائلًا: "إنه اليوم الذي يُستحب أن يُتفرَّغ فيه للعبادة، وله على سائر الأيام مَزِيَّة بأنواع من العبادات واجبة ومستحبة، فالله سبحانه جعل لأهل كل ملّة يَوْمًا يتفرغون فيه للعبادة، ويتخلّون فيه عن أشغال الدنيا، فيوم الجمعة يوم عبادة، وهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور... فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضان ميزان العام" [31].
ولا شَكَّ أنَّ الصلاة في الإسلام هي رأس العبادات، وقربان المؤمن، ومعراج كل تقيّ، ومظهر الخضوع والعبودية لله، ومن ناحية أخرى هي عبادة تربوية؛ إذ هي:
أَوَّلًا: شُكْرٌ للهِ تعالى على نِعَمِهِ الجليلة، والشكر هو سلوك تربوي إيجابي تتبناه الفطرة السليمة، ويفرضه العقل، ويستحسنه العُرْف، قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ} [لقمان:12].
ثَانِيًا: تَهْذِيبٌ للنّفْسِ، وإعانة لها على طاعة الله، والابتعاد عن المعاصي والموبقات الأخلاقية، قال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت:45].
ثَالِثًا: سِمَةُ الصّالِحينَ والأتقياء الموصوفين بالخُلقِ السّامِي والسُّمْعة الطَّيِّبَة والأفعال الحميدة؛ قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا . وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان:63، 64].

-----------------------
[1] أ. عبد الرزاق رحيم صلال: العبادات في الأديان السماويّة. ص 74.
[2] نفس المرجع السابق. ص 74.
[3] Hertzoerg Arthur: Judaism. p. 227. N.Y.
[4] أ. عبد الرزاق رحيم صلال: العبادات في الأديان السماويّة. ص 75.
[5] ول ديورانت: قصة الحضارة. ج 2. ص 345. وأيضًا: أ. عبد الرزاق رحيم صلال: العبادات في الأديان السماويّة. ص 76.
[6] U.S.A. Encyclopedia International. Vol. 10. p. 69.1987.
[7] أ. أحمد التهامي أبو طبة: الصلاة في الأديان الثلاثة. ص 81. ط 1401ه / 1981م. الدار التونسية للنشر- تونس.
[8] انظر: دلالة الحائرين. ص 660، 661. تحقيق د. حسين أتاي. ط 1974م. جامعة أنقرة. والمُلاحظ أن القبلة في صدر الإسلام كانت تجاه الكعبة، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أمره الله تعالى أن يتجه إلى بيت المقدس، فاستقبله سبعة عشر شهرًا، حتى نزل قول الله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة:144].
[9] الشيخ أبو الحسن الندوي: الأركان الأربعة في ضوء الكتاب والسنة. ص 64.
[10] د. جاك إسحاق: (الصلاة في اليهودية)- العدد 69، 70. ص 75، 81. ط 1970م. مجلة (ما بين النهرين)- مطبعة الأديب- بغداد.
[11] الشيخ أبو الحسن الندوي: الأركان الأربعة في ضوء الكتاب والسنة. ص 65.
[12] فؤاد أفرام البستاني: دائرة المعارف. ج 12. ص 383. ط 1977م. المطبعة الكاثوليكية- بيروت.
[13] نفس المرجع السابق. ج 12. ص 383.
[14] انظر أيضًا : (متى 12: 9، 10)، (مرقس 3: 1، 2. 6: 2)، (لوقا 16: 4).
[15] أ. عبد الرزاق رحيم صلال: العبادات في الأديان السماويّة. ص 153.
[16] المستشار محمد عزت الطهطاوي: النصرانية والإسلام. ص 86. ط2. 1407ه / 1987م. مكتبة النور- القاهرة.
[17] أ. عبد الرزاق رحيم صلال: العبادات في الأديان السماويّة. ص 156.
[18] انظر أيضًا: (مرقس 6: 45، 46)، (لوقا 5: 16).
[19] المستشار محمد عزت الطهطاوي: النصرانية والإسلام. ص 85.
[20] الشيخ أبو الحسن الندوي: الأركان الأربعة في ضوء الكتاب والسنة. ص 67، 68.
[21] نفس المرجع السابق. ص 69، 70.
[22] الشيخ أبو الحسن الندوي: الأركان الأربعة في ضوء الكتاب والسنة. ص 70.
[23] د. محمود حماية: دراسات في العبادات المسيحية. ص 16، 17. د. ت. القاهرة.
[24] الشيخ حسن أيوب: فقه العبادات. ص93، 94. ط2. 1423ه / 2003م. دار السلام- القاهرة.
[25] الغزالي: إحياء علوم الدين. ج 1. ص 260.
[26] زين الدين بن علي العاملي: أسرار الصلاة. ص 113. تحقيق أ. محمد على قاسم. ط1. 1410ه / 1989م. الدار الإسلامية- بيروت.
[27] الشيخ أبو الحسن الندوي: الأركان الأربعة في ضوء الكتاب والسنة. ص 51.
[28] العامري: الإعلام بمناقب الإسلام. ص 142.
[29] وقد شُرع الأذان في السنة الأولى من الهجرة، وكان سبب ذلك أنهم كانوا يَتَحيّنونَ للصلاة، أي يُقَدّرون وقتها ليأتوا إليها، ويتضح ذلك من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون، فيتحيّنون الصلاة، ليس يُنََادَى لها، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بُوقًا مثلَ قَرْنِ اليهودِ، فقال عمر: أو لا تبعثون رجلًا يُنادى بالصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بلال، قم فنادِ بالصلاة» [البخارى. كتاب الأذان. باب: بدء الأذان. ص 133. رقم 604. وأيضًا: مسلم. كتاب الصلاة. باب: بدء الأذان ص 164. رقم 377. وكذلك: النَّسَائى (أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن على- ت 303ه): سننه، بشرح السيوطى (ت 911ه )، وحاشية السندى (ت 1138ه). كتاب الأذان. باب: بدء الأذان. ج2. ص 329. رقم 625].
[30] العامري: الإعلام بمناقب الإسلام. ص 143.
[31] انظر: زاد المعاد. ج1. ص 159.
المصدر: موقع طريق الإسلام


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.