■ الصحيفة كانت مستهدفة وتحت حراسة مشددة والجزائر حذرت فرنسا من هجمات تشنها «القاعدة فكيف نفذت العملية بسهولة إذا لم يغمض الأمن عيونه؟ ■ مؤتمر مواجهة الإرهاب الذى سيرأسه أوباما سيحصل على شرعية الأممالمتحدة فى شن الحرب على الإرهاب ويشكل تحالفا دوليا يسمح بنزول القوات على الأرض بعد فشل الضربات من الجو! فى ساعات قليلة أخرجت أجهزة المخابرات الأوروبية والأمريكية كل ما فى خزائنها السرية من خطط وضعتها لمواجهة التنظيمات الإرهابية المسلحة. كانت ساعة الصفر تنفيذ عملية شارل التى نالت من الصحيفة الفرنسية الساخرة.. فهل دبرت هذه العملية لمنح تلك الأجهزة مبررا وجيهًا لتنفيذ خططها؟. إن هناك علامات استفهام مريبة تثير رائحة عفنة حول عملية شارل ترقى إلى مستوى المؤامرة؟. لقد نشرت الرسوم المسيئة للرسول أول مرة فى صحيفة يولاند بوستن الدنماركية فى 30 سبتمبر 2005.. ولكن.. لا أحد انتبه إليها إلا عندما أعادت صحف فرنسية مثل «فرانس سوار» وصحف ألمانية مثل «دى فيلت» نشرها فى 10 يناير التالى.. يومها انفجرت المظاهرات فى الدول الإسلامية وأحرقت سفارات الدنمارك فى عواصم عربية. بعد ست سنوات من هدوء العاصفة أعادت شارل إبدو نشر تلك الرسوم دون مبرر مهنى أو سياسى فأطلق النار على مقرها وتعرض موقعها الإلكترونى للاختراق.. ومن جديد هدأت العاصفة.. وسكت المسلمون.. وتناسوا الإهانة.. فمن الذى حرض منفذى عملية شارل للقيام بها مؤخرا بعد أربع سنوات من السكون والتسامح ؟. وقد كانت الصحيفة تحت حراسة مشددة.. فكيف تسلل المهاجمون وهم يحملون أسلحتهم الثقيلة قبل الخفيفة؟.. وكيف وصلوا إلى مكاتب التحرير وبقوا فيها 15 دقيقة نفذوا فيها عمليتهم؟. والأخطر.. أن الأجهزة الأمنية الجزائرية حذرت مثيلاتها الفرنسية من هجمات إرهابية متوقعة وحددت القاعدة بدقة لتنفيذها.. فهل أهمل الطرف الفرنسى التحذير؟ أم ترك الأمور تتدهور لسبب ما يعرف دوافعه؟. لقد فشل حلف الأطلنطى فى خلق تحالف دولى يواجه التنظيمات الإرهابية فى العراق وسوريا وليبيا واليمن بقوات عسكرية على الأرض.. واكتفت الولاياتالمتحدة بضربات جوية عن بعد تنفيذًا لمبدأ أوباما بعدم التدخل المباشر فى صراع مسلح وجها لوجه.. ووجدت الدول الأوروبية «وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا وإيطاليا» أن تورطها فى حرب ضد الإرهاب يسبب لها متاعب داخلية تفقدها نحو 717 مليون سائح سنويًا.. يدعمون مليونى منشأة متوسطة وصغيرة.. ويوفرون 19 مليون وظيفة.. ويضخون تريليون دولار فى شرايين اقتصادياتها المنهكة. كان على ما يبدو لابد من عملية إرهابية تهز الغرب وتجبر حكوماته وشعوبه على حسم ترددها وتصعيد المواجهة بجميع أشكالها ضد الإرهاب إلى حدودها القصوى. وسواء كانت عملية شارل تلقائية أو ممررة فإنها كانت العملية المفتاح التى نقلت التحالف الدولى من الضعف إلى القوة.. ومن فقدان الدعم الشعبى إلى توفره.. ومن الاكتفاء بغارات جوية هزيلة إلى البحث بجدية عن ترتيبات المشاة على الأرض.. فدون هذه الترتيبات تظل قنابل الطائرات ألعابا نارية. قبل أن تبرد دماء الضحايا فى عملية شارل خرجت ترتيبات المواجهة التى بدت معدة سلفًا فى انتظار مبرر مناسب للإفصاح عنها. التقى وزير العدل الأمريكى أريك هولدر وزراء داخلية الدول الأوروبية فى باريس قبل مسيرة يوم الأحد قبل الماضى بخمس ساعات. وكشفت المخابرات البريطانية عن هجمات إرهابية مبتكرة متوقعة خاصة ضد إيطاليا وألمانيا ولم تمر سوى ثلاثة أيام حتى تحققت بعض التوقعات. وأعلنت فرنسا تحريك حاملة طائرات فى اتجاه العراق لدعم العمليات الحربية ضد داعش.. بعد أن كانت رافضة التورط أو حتى التفكير فى التورط. وأعلن تحالف العيون الخمسة الذى يضم الولاياتالمتحدة وأستراليا وكندا وبريطانيا ونيوزيلندا عن اجتماع يعقده فى لندن يوم الخميس 22 يناير الجارى لبحث ملف الإرهاب بحضور وزير الأمن الداخلى الأمريكى جيه جونسون. وكشف فيلهالموس جيمبرت نائب مدير الإنتربول الأوروبى عن وجود خمسة آلاف إرهابى محترف يعيشون بينهم ويتعاونون مع عصابات الجريمة المنظمة فى غسل الأموال وتهريب البشر وتزوير جوازات السفر. وسارع رئيس الحكومة البريطانية جيمس كاميرون بالسفر إلى واشنطن للقاء الرئيس الأمريكى لوضع الترتيبات النهائية لمؤتمر 18 فبراير الذى سيرأسه براك أوباما شخصيا لمواجهة الإرهاب. ويكاد لا يوجد محلل سياسى واحد لا يؤمن بأن المؤتمر سينتهى إلى توصية عاجلة بنقل الحرب على الإرهاب إلى الأممالمتحدة لمنحها شرعية دولية تبيح التدخل فى المناطق المصابة مباشرة.. دون قيود.. أو حدود. كل هذه الإجراءات قفزت على السطح فى ساعات وأيام تعد على الأصابع.. ما يؤكد أن عملية شارل كانت ضرورية.. وملحة.. وسواء دبرتها أجهزة ما أو حرضت عليها تنظيمات إرهابية ما فإن الدول الغربية استفادت منها بسرعة مذهلة لتحقيق نجاح عجزت عنه فيما قبل. لكن.. كان هناك مستفيد آخر.. هو إسرائيل. إن لا أحد ينكر قدرة الموساد على اختراق التنظيمات الإرهابية.. وقد بدا لافتاً للنظر أن عملية شارل أعقبتها عملية أخرى فى المطعم اليهودى.. وانتهت العمليتان بقتل كل الإرهابيين الذين شاركوا فيها فلم يعد أمامنا فرصة لمعرفة حقيقة المدبرين أو جنسية المحرضين.. ما يضاعف من شبهات تورط أجهزة خفية فيما جرى. لم يتردد بنيامين نتانياهو فى استغلال الحادثين.. وجه اللوم إلى الحكومة الفرنسية التى شجعت محمود عباس على عرض مشروع الدولة الفلسطينية على الأممالمتحدة واعترفت بها رغم اعتراض الولاياتالمتحدة.. وباستفزاز أثار الاستياء طالب نتانياهو يهود فرنسا بالعودة إلى إسرائيل وطنهم الأم الأكثر أمنا.. مصرا على دفن الضحايا اليهود فى إسرائيل.. بل.. أكثر من ذلك حرص على أن يحيط به خلال الساعات التى قضاها فى باريس حراسته الخاصة إمعانا فى الإيحاء بأن فرنسا بلد غير آمن. والمؤكد أن الكراهية المتبادلة بين نتانياهو وأوباما ستجمد مؤقتا خلال ترتيبات الحرب على الإرهاب.. مما يمنح نتانياهو فرصة لم يكن ليحلم بها للفوز فى الانتخابات القادمة بعد نحو الشهرين. إن فك طلاسم أى جريمة يخضع لقاعدة شهيرة.. فتش عن المستفيد.. وفى جريمة شارل لا أحد غير مستفيد. أوباما سيجدها فرصة لتشكيل تحالف دولى قوى ضد الإرهاب تقوده بلاده ويسمح للقوات المشاركة فيه بما فيه القوة العسكرية الأمريكية بعمليات على الأرض.. وهو ما كان يرفضه سلفا بعد أن حقق ما وعد به وانسحب من العراق وأفغانستان.. ولاشك أن هذا التغيير يتيح له إنجازا ينسب إليه قبل أن يرحل عن البيت الأبيض فى نهاية العام المقبل.. خاصة أنه ينسب إليه تحجيم تنظيم القاعدة والتخلص من زعيمه أسامة بن لادن بالقتل وإلقاء جثته فى البحر. نتانياهو وجدها فرصة لضرب مشروع الدولة الفلسطينية التى اعترفت بها دول أوروبية متعددة ونسف تهديد أبو مازن باللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية فعادت القضية الفلسطينية إلى مربع الإهمال التى كانت عليه. كاميرون لم يتردد فى تأكيد تبعيته العمياء للولايات المتحدة سياسيًا وأمنيًا دون أن ينسى جر دول أوروبية حرصت على استقلالها مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا إلى نفس الخندق. ولاشك أن القرار الدولى المتوقع بتنفيذ الحرب على الإرهاب سيشمل الدول التى تعانى منه مثل العراق واليمن وليبيا وربما دول إفريقية تسلل إليها واستشرى فيها. لقد تغير العالم بعد هجمات سبتمبر فى نيويورك وسيتغير بعد هجمات يناير فى باريس.. ومهما كانت خفايا عملية شارل فإنها كانت عصا موسى التى ستبتلع كل الثعابين والعقارب والفئران.