وزير النقل: 7 ممرات لوجستية دولية و33 ميناءً جافًا لدعم التجارة الخضراء    اتفاق ثلاثي بين الزراعة والتموين ومستقبل مصر لاستيراد دواجن مجمدة وطرحها بالمنافذ قبل شهر رمضان    النائب أمير الجزار يتقدم بطلب إحاطة بشأن ضعف شبكات الهاتف المحمول وخدمات الإنترنت في القرى والريف    الأسبوع الحالي.. انعقاد الدورة 22 للمكتب التنفيذي لمجلس وزراء الإعلام العرب    محاضرة أخيرة من معتمد جمال للاعبي الزمالك في زامبيا قبل صدام زيسكو    رياضة الوادى الجديد: بدء فعاليات اختبارات الموسم الرابع من برنامج كابيتانو مصر    انقلاب سيارة نقل مواد بترولية أعلى محور حسب الله الكفراوي    بعد تغيبه.. العثور على جثة طفل داخل ترعه بقنا    ضبط شخص بتهمة التحرش بسيدة أثناء استقلالها ميكروباص في عين شمس    هيئة الدواء تحذر من حقن التخسيس.. تفاصيل خطيرة يكشفها مساعد رئيس الهيئة    محمود فوزي: الحكومة حريصة على التعاون مع النواب لمنع الاصطياد بالمياه العكرة    انطلاق الانتخابات البرلمانية في تايلاند وسط رهانات على الإقبال الشعبي    ليوناردو ومارتا عواصف تضرب أوروبا.. إعلان طوارئ وإجلاء الآلاف..فيديو    صدامات مع الشرطة وغاز مسيل للدموع فى احتجاجات ميلانو بسبب الأولمبياد.. فيديو    انتظام الدراسة في 903 مدرسة بمطروح وسط أجواء من الانظباط    وزير «النقل» يتفقد الخط الأول من شبكة القطار الكهربائي السريع    وزير الرياضة يهنئ الخماسي الحديث بعد سيطرة مصر على جوائز الاتحاد الدولي    آس: ريال مدريد قرر إعادة نيكو باز الموسم المقبل    رابطة الأندية: لا للذكاء الاصطناعى فى قرعة الدورى وستكون علنية وبحضور الأندية    ضمن الموجة 28 .. محافظ الفيوم يتابع حملات إزالة التعديات على أراضي أملاك الدولة    وزير الري يتابع حالة المنظومة المائية بمحافظتي الاسكندرية والبحيرة    سلامة الغذاء: إصدار 2492 إذن تصدير لحاصلات زراعية لصالح 1378 شركة    تأجيل استئناف المتهم بقتل مالك مقهى أسوان بالكوربة على حكم إعدامه ل17 فبراير    النيابة تأمر بعرض السيدة المعتدي عليها من ابنتها بالشرقية على الطب الشرعي    ريهام عبد الغفور وأمينة خليل وفراج يحصدون جوائز الأفضل بالدراما بالمركز الكاثوليكي    تفاصيل رحلة شتوية 48 ساعة قضتها تيفانى ترامب وزوجها بين معابد الأقصر.. صور    حملة كبرى لمواجهة الدجل.. متحدث الأوقاف: رصدنا إنفاق 10 مليارات جنيه على الخرافة    وزير الزراعة و3 محافظين يتفقدون مهرجان التمور والزيتون بالمتحف الزراعىي    الصحة: التبرع بالجلد بعد الوفاة لا يسبب تشوهات.. وإصابات الحروق بين الأطفال بمصر مرتفعة    نائب وزير الصحة يحصد جائزة نيلسون مانديلا العالمية لتعزيز الصحة 2026    تحذير علمي: الجدري القاتل قد يشعل جائحة جديدة عبر فيروسات مشابهة    قتلت زوجها ب3 طعنات أثناء تعليق «زينة رمضان»    الصحة: الدولة لم تشهد أي حالة تبرع أو نقل عضو والإشكالية هي "القبول المجتمعي"    رئيس الحسين إربد: عرض بيراميدز أقل بقليل من الأهلي لضم فاخوري    الاحتلال يواصل خروقاته: شهيدان وغارات جوية وقصف مدفعي مستمر على القطاع    السويد تحظر أغنية مولدة آليًا.. رغم نجاحها    مشاعر إنسانية وصراعات عاطفية.. تفاصيل مسلسل نيللي كريم الجديد «على قد الحب»    «أبناء النيل» .. مصر تتبنى رؤية جديدة للتعاون مع إفريقيا.. والسيسي يتعامل بذكاء سياسى    النيابة تأمر بضبط أب متهم بتعذيب ابنته وحرقها في المرج    الوفد لن يكون ديكورًا سياسيًا.. وسنستعيده من أحضان «الشللية»    بالأسماء، الداخلية تقرر رد الجنسية المصرية ل 21 شخصا    بسلسلة زيارات ميدانية لتعزيز الوعي.. جامعة القاهرة تطلق أولى فعاليات «اعرف بلدك»    بحثًا عن التأهل الزمالك يواجه زيسكو اليوم بالكونفدرالية.. شاهد بث مباشر الآن دون تقطيع    الأوقاف: لا صحة لمنع إذاعة الفجر والمغرب والتراويح بمكبرات الصوت في رمضان 2026    نيويورك تايمز: إيران تعيد بناء منشآتها الصاروخية بوتيرة متسارعة مقابل تعثر إصلاح المواقع النووية    نظر محاكمة 6 متهمين بخلية داعش المعادي.. اليوم    مصر تدين الهجمات على قوافل المساعدات الإنسانية والمنشآت الطبية والنازحين في السودان    حالة الطقس في محافظة أسوان الأحد 8 فبراير 2026    أستاذ أمراض جلدية: صلاحية الأنسجة من 6 ل 12 ساعة.. ونقلها يتطلب هليكوبتر ومهابط بالمستشفيات    "عوضي على الله".. صوت مها فتوني يخطف القلوب ومي عمر تشعل الحماس ب«الست موناليزا»    بمشاركة مصطفى محمد.. نانت يواصل نزيف النقاط بهزيمة أمام ليون في الدوري الفرنسي    برعاية الإمام الأكبر.. إعلان الفائزين في الموسم الخامس من مسابقة «مئذنة الأزهر للشعر» المخصص لدعم القضية الفلسطينية    هجوم صاروخي أوكراني يضرب بريانسك ويخلف جرحى وأضرارًا بالبنية التحتية    وفد أزهري يخطب الجمعة في ثلاثة مراكز بإيطاليا ويعقد لقاءات علمية مع الجاليات العربية في ميلانو    هل يجوز تأخير الدورة الشهرية بالأدوية لصيام رمضان كاملًا؟.. أمينة الفتوى تجيب    أزمة الأخلاق وخطر التدين الشكلى!    بعد مقترح برلماني.. عالم أزهري يضع 7 ضوابط شرعية للتبرع بالجلد بعد الوفاة    أول تحرك برلماني بشأن ضوابط استخدام مكبرات الصوت بالمساجد في شهر رمضان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الخطبة
نشر في الفجر يوم 26 - 11 - 2012

الخِطبة طلب الزواج، وهي اتفاق مبدئي عليه، ووعد يجب على الجميع احترامه، وتعتبر الخطبة أولى خطوات الزواج. وكل عقد من العقود ذات الشأن والأهمية لها مقدمات تمهد لها وتهيئ الطريق إلى إتمامها على خير وجه، ولأن الزواج من الأمور الهامة فقد نظم الشارع الحكيم -سبحانه- مقدماته، واختصها ببعض الأحكام الشرعية الضابطة لحركة المقْدمين عليه سواء في ذلك الرجل أو المرأة. والخطبة هي تلك المقدمة الطبيعية للزواج.

ومن السنة إخفاء الخطبة، لأن الخاطب قد يرجع عن خطبته للمرأة فلا يزهد فيها الخطاب فلا يكون هناك إساءة إلى هذه المخطوبة، قال صلى الله عليه وسلم: (أظهروا النكاح، وأخفوا الخطبة). _[الديلمي، وصححه السيوطي].
والأصل في الخطبة أن تكون من الرجل، وهذا ما جاء في القرآن والسنَّة، في قوله تعالى مخاطبًا الرجال: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم} [البقرة: 235]. وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعل) [أحمد، وأبو داود، والحاكم، والبيهقي] وفي ذلك حفظ لحياء المرأة، ورفع لمكانتها، وصون لكرامتها، كما أنه أسلم لئلا تخدع المرأة في رجل غير صالح وهي لا تدري.

ويجوز للمرأة أن تخطب إلى نفسها رجلاً ارتضته، وذلك بأن تحدث وليها في ذلك، أو ترسل إلى من اختارته رسولا أمينًا، فقد خطبتْ السيدة خديجة بنت خويلد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجوز للولي أن يعرض من يلي أمرها على رجل صالح، ويحرص على أن يضعها في يد أمينة.

فقد ورد أنه لما توفي زوج حفصة بنت عمر بن الخطاب عرضها عمر على عثمان بن عفان، وقال له: إن شئت أنكحتك حفصة، فقال عثمان: سأنظر في أمري. فمرت أيام، ثم قابله عمر، فقال: بدا لي ألا أتزوج يومي هذا. فقابل عمر أبا بكر، فقال له: إن شئت أنكحتك حفصة. فصمت أبو بكر ولم يقل شيئًا. ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم (طلب خِطبتها) بعد ذلك، فأنكحها إياه، ثم قابل أبو بكر عمرَ فيما بعد، وأعلمه أنه كان يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيخطبها. [البخاري].


شروط جواز الخطبة:

يشترط لجواز الخطبة شرطان:
الشرط الأول: أن تكون المرأة صالحة لأن يعقد عليها عند الخطبة، ولذا فإنه لا تجوز خطبة المرأة في بعض الأحوال، ومن ذلك:
خطبة المرأة المطلَّقة طلاقًا رجعيًّا (وهي التي طُلِّقَتْ مرّة أو مرّتين) في فترة العدة، فلا يجوز التصريح أو التعريض لها بالخطبة، (والتعريض: ذكر الخطبة بلفظ يحتملها ويحتمل غيرها)؛ وذلك لأن المطلقة طلاقًا رجعيًّا زواجها قائم، وحقوق الزوج عليها ثابتة مادامتْ في العدة، فله مراجعتها من غير تراض، مادامت في وقت العدَّة، فخطبتها كخطبة المتزوِّجة تمامًا.

أما المرأة التي توفي عنها زوجها وهي في فترة العدة؛ فيجوز التعريض لها بالخطبة، لقوله تعالى:{ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم} [البقرة: 235]، وذلك لعدم إمكان العقد في الحال، ولأنَّ التصريح قد يوغر صدور أولياء الميت، أو يجرح مشاعر المرأة، فلا يليق.

يُرَوْى أن سُكينة بنت حنظلة قالتْ: استأذن علَي محمد بن علي زين العابدين، ولم تَنْقَضِ عدتي من مهلك زوجي فقال: قد عرفتِ قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرابتي من علي، وموضعي في العرب. قلتُ: غفر الله لك يا أباجعفر، إنك رجل يؤخذ عنك، تخطبني في عِدَّتي؟! قال: إنما أخبرتُكِ بقرابتي من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ومن علي. فقد التزم التعريض ولم يخرج عنه إلى التصريح.

ولا يجوز خطبة المعتدة من طلاق بائن، وهي التي طلقتْ ثلاث مرات قبل انتهاء عدتها، لا بالتصريح ولا بالتعريض. ولا أن تطمع بسبب التعريض بالخطبة في الزواج، فتعلن أن عدتها قد انتهتْ، وهي لم تنتهِ، وليس لأحد تكذيبها؛ لأن عدتها ثلاث حيضات، فالله وحده هو المطلع عليها، وهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
وقد أجاز الشارع التعريض بالخطبة للمعتدة من وفاة؛ لأن عدتها مقدرة بالأيام، لا بالحيضات، فهي: أربعة أشهر وعشرة أيام، قال تعالى: { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا} [البقرة: 234]. هذا ما لم تكن المعتدة من الوفاة حاملا، فإن كانت حاملا فعدتها حينئذ أن تضع حملها، قال تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}
[الطلاق: 4].

الشرط الثاني: ألا تُخْطَب المرأة وقد خطبها شخص آخر: فالإسلام دين يحرص على أن تظل العلاقات الاجتماعية بين المسلمين طيبة حسنة، ويرعى مشاعر الأُخُوَّة والمودة والمحبة بينهم؛ ولذا فإنه إذا خُطِبت المرأة لرجل، لا يحل لرجل آخر أن يخطبها، ولايحلُّ لها ولا لوليها قبول خطبته مادامت الخطبة الأولى قائمة.

والعلة في تحريم الخطبة على خطبة الغير أنه لا يجوز لمسلم أن يطمع فيما بين يدي أخيه، أو أن يُلحق الضرر به، أو يؤذي مشاعره وأحاسيسه، وحتى لا يكون للفتاة حق في ترك الخطيب الأول، إذا وقعت تحت إغراء خطيب آخر، أو فتنتْ به. قال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل له أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر (يترك المخطوبة).

[أحمد ومسلم]. أما إذا تركها الخاطب الأول، جاز لغيره أن يتقدم لخطبتها، قال صلى الله عليه وسلم: (ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب) [متفق عليه].

خطبة الصغير والصغيرة:
أجاز جمهور العلماء لولي الصغيرة أن يقبل خطبتها، أو أن يخطب لها رجلا كُفْئًا؛ فقد عقد النبي صلى الله عليه وسلم على السيدة عائشة -رضي اللَّه عنها- وهي بنت ست سنين وقيل: سبع، وبني بها، وهي بنت تسع، فإذا كبرتْ هذه الصغيرة، وأصبحتْ فتاة بالغة رشيدة، فلها حق الاختيار بين الإبقاء على هذه الخطبة أو رفضها، فلابد أن تتلاقى إرادتها مع إرادة الولي في ذلك.

وفي بعض المجتمعات يتفق الآباء على تزويج صغير وصغيرة عندما يكبران، فإذا بلغا وأيدا هذا الاتفاق، فلا مانع من إتمام هذا الزواج على بركة اللَّه.

المفاضلة والاختيار بين عدد من الخطاب: إذا تقدم للفتاة أكثر من خاطب في وقت واحد، فإن لها ولوليها اختيار أفضلهم دينًا وأحسنهم سيرة، ويسترشد في ذلك باستخارة اللَّه -تعالى-، واستشارة عباده الصالحين، فقد تقدَّم
معاوية بن أبى سفيان، وأبو الجهم لخطبة فاطمة بنت قيس في وقت واحد، فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستشيره، فقال: (أما معاوية فهو رجل تَرِبُ (شديد الفقر) لا مال له، وأما أبوالجهم فرجل ضَرَّاب (كثير الضرب) للنساء، ولكن أسامة (يريد أن يرغبها في أسامة بن زيد) [فأشارت بيدها] وقالت: أسامة. أسامة.. كأنها كرهت الزواج منه. فقال لها صلى الله عليه وسلم: (طاعة الله، وطاعة رسوله خير لك). فقالت: فرضيتُ بأسامة، وتزوجته فاغتبطتُ به. [مسلم].

الاستخارة في الخطبة:
تُسَنُّ في الزواج الاستخارة، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخير ليعلم أصحابه الاستخارة في كل شيء، فعلى كل إنسان أن يستخير اللَّه -عز وجل- في زواجه، ويطلب العون والرِّضا منه.

فعن أنس -رضي اللَّه عنه- قال: لمّا انقضتْ عِدَّة زينب بنت جحش -رضي اللَّه عنها-، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: (اذكرْها عليَّ). قال زيد: فانطلقتُ، فقلتُ: يا زينبُ. أَبْشِرِي، أرسلني إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكُرك. فقالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أستأمر ربِّي. فقامت إلى مسجدها (أي: لتصلي) وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم فدخل بغير أمر. [النسائي].

وعن جابر -رضي اللَّه عنه- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كُلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: (إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقُدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تَقْدِر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنتَ تعلم أن هذا الأمر (ويذكر الأمر الذي يستخير فيه) خيرٌ لى في ديني ومعاشي وعاقبة أمري (أو قال: عاجل أمري وآجله)، فاقْدِرْه لي، ويَسِّرْه لي، ثم باركْ لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويذكر الأمر الذي يستخير فيه) شرّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري (أو قال: عاجل أمري وآجله)، فاصرفه عني، واصرفْني عنه، واقْدِرْ لِيَ الخير حيث كان، ثُمَّ ارضني به) [البخاري].

الاستشارة في الزواج:
إذا كان الإسلام يطلب من المرأة ووليها اختيار الرجل الصالح ذي الخلق الحسن، الكفء، فلابُدَّ من التحقق والتدقيق في التعرُّف على الخاطب، ومعرفة كل ما يتعلَّق به.. والسبيل في ذلك: السؤال عنه بين أهله، أوفي مكان عمله، أو بين أصدقائه.

وكذلك على الفتاة ووليها استشارة الصالحين وأهل الخبرة قبل الموافقة، فما خاب من استخار، ولا ندم من استشار. فمن الصواب- إذا جاء خاطب - أن يأخذ ولي الأمر مهلة من الزمن؛ ليسأل عنه، ويستوثق منه؛ تفاديًا لحدوث التغرير، وصونًا للمرأة، وحفظًا لحقوقها.

الشفاعة في التَّزويج:
من المستحب أن يسعى المسلم لتزويج اثنين، ويوفق بينهما، إذا رأى صلاحهما، وعلم توافقهما وتماثلهما؛ طلبًا لإعفافهما، ففي ذلك طاعة لله، وله بذلك أجر. قال صلى الله عليه وسلم: (من أفضل الشفاعة أن يشفع بين اثنين في النكاح) [ابن ماجه]، على أن يلتزم في كل ذلك بكل ما أمر الشرع من صدق وأمانة وغير ذلك. ولذا فقد أرسلتْ السيدة خديجة -رضي اللَّه عنها- نفيسة بنت مُنبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم -قبل بعثته- لتشفع في زواجهما، وكانت امرأة فطنة تجيد الكلام، وتحسن التصرف، فقالتْ له: يا محمد، ما يمنعك من الزواج، فيجيبها قائلا: (ما عندي ما أتزَّوج به) فردت عليه قائلة: فإن كفيت ذلك، ودعيتَ إلى المال والجمال والشرف. فيسألها أن تفصح له عمن تقصد، فتخبره أنها خديجة، فتزوجها صلى الله عليه وسلم، فكانت له نعم الزوجة، وكان لها نعم الزوج.
وهناك جانب سلبي للشفاعة، ويحدث عندما يلجأ الخاطب إلى اصطحاب من يشفع له من أهل التقوى، أو من أصحاب الجاه والنفوذ. وكثيرًا ما يقبل وليُّ الأمر تزويج من يلي أمرها مجاملة لهؤلاء الشفعاء والوسطاء دون العودة إليها، وفي ذلك ظلم للمرأة يجب الحذر منه، فلا يبدى الولي رأيه إلا بعد رأي مولاته، فإذا تشفَّع شافع لخاطب ليس أهلا للقبول، فليعتذر إليه، ولا يقبل، فالله سبحانه سائل كل راعٍ عما استرعاه، أحفظ أم ضيَّع.
وقد شفع النبي صلى الله عليه وسلم لمغيث عند بريرة أن تُبقى على رباط زواجهما؛ لعلمه بحبه لها. فقد تزوج مغيث بريرة وكانا عبدين، وكان مغيث أسود، وكان يحبها حُبًّا شديدًا، فلما أُعتقتْ بريرة، هام على وجهه يستغيث بمن يقربها منه، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم يمشي خلفها، ودموعه تجري على خديه، من فرط حبه لها، قال لها صلى الله عليه وسلم: (لو راجعتيه فإنه أبو ولدك) فقالت: أتأمرني يا رسول اللَّه؟ فقال: (لا، إنما أشفع) فقالت: لا حاجة لي به. فقال لعمه: (يا عباس. ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغضها له) [البخاري].

النظر إلى المخطوبة:
حرص الإسلام على دوام العشرة بين الزوجين وحصول المودة والمحبة بينهما، وكذلك حصول السكن النفسي لكل منهما؛ ولذلك أباح نظر كل من الطرفين للآخر؛ حتى يطمئن إلى من سيختاره، على الرغم من تحريم النظر لغير حاجة، والأمر بغض البصر فيما سوى ذلك.

قال صلى الله عليه وسلم: (إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل) قال جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما-: فخطبتُ امرأة من بني سلمة فكنتُ أختبئ لها تحت الكُرَب (أي: بين النخيل)؛ حتى رأيتُ منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها. [أحمد، وأبوداود].

ويجوز للرجل أن ينظر إلى من يريد خطبتها بإذن من وليها في حضور محرم، فإن تعذر ذلك، فإنه لا يشترط في النظر الإذن والسماح به. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- أن ينظر إلى من يرغب في خطبتها، فقال: (اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما (أي: تحصل الموافقة والملاءمة بينكما) [النسائي، والترمذي].

ويجوز للخاطب أن يرسل إلى المرأة من ينظر إليها- بغرض خطبتها- ثم يعود إليه بالخبر، فقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم أم سليم تنظر إلى جارية، فقال صلى الله عليه وسلم: (شُمِّي عوارضها (فمها)، وانظري إلى عرقوبها (أسفل ساقيها مع القدم) [أحمد].

وكما يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة، فإنه يجوز للمرأة -أيضًا- أن تنظر إلى المتقدم لخطبتها، ولها أن تنظر إليه فيما عدا عورته، وينظر الرجل إلى وجه المرأة (وهو مجمع الحسن فيها)، وكفيها (ومنهما تبدو نَحَافة الجسم أو سَمَانته). ولهما أن يكررا النظر؛ حتى تستقرّ صورة كل منهما في ذهن الآخر، ويطمئن إليه.

ويجب أن لا يكون ذلك مبررًا لتعدى حدود اللَّه، واتباع الشهوات، بحجة الخطبة، فالله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وعليهما أن يتحليا بالأخلاق الفاضلة، فلا ينطق أحدهما بكلمة تسيء إلى الآخر؛ كأن يتحدث الخاطب عن الدمامة والقبح، إذا كانت مخطوبته غير جميلة.

ما يترتب على الخطبة:
الإسلام دين القصْد والاعتدال، فهو يحافظ على الأعراض، وفي نفس الوقت يعطي للزواج مقدماته التي تساعد على إنجاحه اجتماعيًّا، ولذلك شرع الخطبة بوصفها مقدمة للنكاح؛ ليتعرف كل من الطرفين بالآخر في إطار من الحفظ والصيانة، وليستعد كل من الطرفين لاستقبال الحياة الجديدة في ضوء معرفته بشريك حياته.

ولأن الخطبة مجرد وعد بالزواج قد يتم وقد لا يتم، فإن الإسلام احتاط لذلك، وكان هذا في مصلحة المرأة؛ صيانة لها، وإبعادًا عن مواطن الشك والريبة فيها، فلا يحل للرجل من مخطوبته شيء، كما لا يحل للمرأة شيء من خطيبها، فكلاهما لم يزل أجنبيًّا عن الآخر، فيحرم عليهما كل ما يحرم على الرجل والمرأة الأجنبيين، فلا يحل النظر، لقوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن} [النور: 30-31].

كما لا يحل اللمس في جميع صوره، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لأن يطْعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمسَّ امرأة لا تحل له) [الطبراني، والبيهقي]. ولا يحل الخضوع بالقول أو ميوعة الكلام بينهما؛ لقوله تعالى: {فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض} [الأحزاب: 32]

ولا يجوز للمخطوبة إبداء زينتها، أو إظهار شيء من جسدها للخاطب، ولا تحل الخلوة بينهما، ويجوز جلوسها في حشمة ووقار مع الخاطب في وجود مَحْرَم. قال صلى الله عليه وسلم: (لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا مع ذي محرم) [البخاري]. فالخطبة في شريعتنا الإسلامية الغرَّاء لا تحل أمرًا كان محظورًا قبلها.

علاقة الخاطب بالمخطوبة وأهلها:
الخطبة فترة تعارف وتقارب بين الخاطب وأهل مخطوبته؛ حتى يتم التواصل والمودة بينهما، فتتآلف القلوب، وتتقارب النفوس، وينشأ جو من العلاقات الطيبة التي ستصبح بحق مودة ورحمة بعد الزواج إن شاء اللَّه.

وفترة الخطبة فترة حساسة، وإذا غاب الجانب الشرعي، ولم يراعَ من كلا الطرفين، أصبحت الخطورة ماثلة أمام الجميع، ومن الناس مَنْ يترخَّصون في علاقاتهم في هذه الفترة، ومن ذلك:

- دخول الخاطب بيت خطيبته، كأنه فرد من أفراده بمجرد الخطبة.

- جلوس الخاطب مع خطيبته، منفردًا بها، في بيتها أو غيره.

- خروجها معه للتنزه، أو الذهاب إلى بيته.

- تبادل الرسائل الغرامية والصور.


فكل هذا مرفوض ولا يليق بالمسلم ولا المسلمة، وعلى الخاطب أن يتعامل مع خطيبته، وأهلها بصورة يرضاها اللَّه ورسوله، ومن ذلك:

- أن يزورها في بيت أهلها في وجود محرم وهي ملتزمة بزيِّها الشرعي.

- أن يهديها بعض الهدايا.

- أن يسأل عنها، ويزور أهلها ويصلهم.

- أن يقبل دعوة أهلها إلى الطعام.

وعلى الخطيبين أن يتحدثا معًا -في وجود محرم- بما يحقق الود والطمأنينة، دون خوض في الأسرار، أو كشف للعورات، فكثيرًا ما يخطئ الخطيبان، فيبوح كل منهما للآخر بأسراره، وهذا خطأ كبير، فقد يحدث ما لا تُحمد عقباه، فيختلفان، ويفترقان، وقد يكون الخاطب على غير وازعٍ من الدين يمنعه من ظلم الآخرين، فيهدِّد خطيبته السابقة بما يحمل من وثائقَ قد تدينها.

وعلى الخطيبين أن يجتهدا لتكون فترة الخطبة وسطًا بين القصر والطول؛ بحيث يتمكن كل منهما من الاطمئنان للآخر، وكلما قصرت المدة كان أفضل. ومن الخطأ أن تكون فترة الخطبة طويلة بغير ضرورة أو بدون سبب قاهر، فمتى توافرت ظروف البناء فالأولى تعجيله.

فسْخ الخطبة:
الخطبة وعد بالزواج بين طرفين، وليست عقدًا ملزمًا، والرجوع عنها لغير مبرر شرعي إخلاف للوعد، والشرع لم يحكم على من أخلف الوعد بعقوبة مادية، وإنما وكل أمره إلى الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه، فإذا قدم الخاطب المهر بعد الخطبة، ثم عدل عنها فله الحق في استرداده كاملا، أما الهدية فهي كالهبة، لا يحق للخاطب التارك لمخطوبته أن يستردها، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لأحد يعطى عطيَّةً، أو يهب هبة فيرجع فيها، إلا الوالد يعطي ولده) [أصحاب السنن].

وعند الأحناف أن للخاطب استرداد هداياه إن لم تتغير عن حالتها، فيسترد الإسورة والخاتم والعقد والساعة، ونحو ذلك، فإن لم تكن قائمة على حالتها؛ كأن تتغير بالزيادة أو النقصان؛ كالطعام أو القماش ونحوها، فليس للخاطب الحق في استردادها.

أما المالكية فقد أقاموا الحكم تبعًا لمن كان سببًا في العدول عن الخطبة، فإن كان العدول من جهة الخاطب فليس له شيء مما أهداه إليها، وإن كان العدول من جهتها فله الحق أن يسترد كل ما أهداه سواء كان باقيًا على حاله أو تغير أو هلك، فيعوض بدلاً منه. وعند الشافعية ترد الهدية سواء كانت قائمة أو هالكة. فإن كانت قائمة رُدَّت بذاتها، وإن كانت هالكة رُدَّتْ قيمتها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.