وزير الدفاع يشهد تنفيذ المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكى بجنود (بدر 2026) بالذخيرة الحية    راحة طويلة، جدول الإجازات الرسمية في مايو 2026    جامعة القناة تطلق برامج تدريبية متكاملة لتعزيز وعي المجتمع والتنمية المستدامة    مجلس الوزراء: استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع خلال شهر مايو    توافق في لجنة القوى العاملة حول مشروع قانون التأمينات الاجتماعية    سرقوا محصول القمح لاسترداد حقهم بالقوة في الشرقية    تراجع أسعار الذهب في مصر بقيمة 10 جنيهات    تفاصيل لقاء السيسي ورئيس جامعة هيروشيما اليابانية (صور)    وزير التخطيط: تراجع معدل البطالة خلال عام 2025 ليسجل 6.3%    الرقابة المالية تنظم جلسة توعوية لتعزيز مجال الأمن السيبراني في الأنشطة غير المصرفية    رئيس الوزراء لعمال مصر: نقدر جهودكم الوفية في دفع تروس الإنتاج في مختلف القطاعات    خبير طاقة: اضطرابات النفط تهدد الاقتصاد العالمي وتفاقم أزمات أوروبا وأمريكا    الجيش اللبناني يعلن استشهاد جندي وشقيقه في استهداف إسرائيلي    انهيار تاريخي للعملة الإيرانية، الريال يسجل أدنى مستوياته أمام الدولار    مع اقتراب مباراة القمة، وليد الفراج: أشاهد أسوأ نسخة للأهلي وأتمنى فوز الزمالك بالدوري    وزير الرياضة يتفقد حمام السباحة الأولمبي ومشروعات تنموية باستاد العريش    قائمة أتلتيكو مدريد - غياب باريوس.. وألفاريز يقود الهجوم لمواجهة أرسنال    عثمان ديمبيلي يكشف سر الفوز على بايرن ميونخ في دوري الأبطال    خبر في الجول - ثلاثي منتخب مصر يتواجد في السفارة الأمريكية لاستخراج تأشيرة الدخول    كرة اليد، مواجهات قوية اليوم في نصف نهائي كأس مصر    مباحث التموين تُحبط ترويج 23 طن عسل نحل مغشوش بالدقهلية    فيديو يكشف هوية لص أسلاك الكهرباء في بورسعيد    تحرير 594 محضر تمويني وضبط طن ونصف أرز وأعلاف مجهولة المصدر بالمنوفية    ضبط 7 متهمين لاستغلالهم 12 طفلا في التسول بالجيزة    الطقس غدا.. ارتفاع بالحرارة نهاراً وشبورة كثيفة والعظمى بالقاهرة 29 درجة    محافظ الإسماعيلية يعتمد جداول امتحانات الفصل الثاني للعام الدراسي 2025/ 2026    النقض تؤيد حكم الإعدام للمتهم بالاعتداء على طفلتين ببورسعيد    خيري بشارة في "الإسكندرية للفيلم القصير": "كابوريا" نقطة تحول بعد أفلام الواقعية    السمسم.. كنز غذائي صغير بفوائد صحية كبيرة للجسم والعقل    الزعتر في مرآة الأبحاث الدوائية.. نبات عطري بقدرات علاجية واعدة    موعد ميلاد هلال ذو الحجة ووقفة عرفات وعيد الأضحى المبارك 2026    دعابة وكلمات دافئة ..كيف نجح الملك تشارلز فى خطابه التاريخى أمام الكونجرس؟    ترقب جماهيري ل«الفرنساوي».. موعد عرض الحلقتين 3 و4 يشعل السوشيال ميديا    إشادة دولية بعد حصوله على بطولة أفريقيا للمصارعة.. عبد الله حسونة يروى كواليس التتويج    1 مايو.. مصمم الاستعراضات الإسباني إدواردو باييخو يقدم عرضه الشهير «اللغة الأم» على مسرح السامر    رئيس جامعة القاهرة يبحث مع نظيره بجامعة ليدن الهولندية تعزيز التعاون الأكاديمي والبحثي    التحريات فى واقعة سرقة القمح بالشرقية: المتهم استعان بصاحب آلة حصاد وسائق    أول ظهور للحاكم العسكري في مالي بعد هجمات دامية.. ويؤكد: الوضع تحت السيطرة    ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه خلال منتصف تعاملات اليوم    رئيسة القومي للطفولة تطالب بإعداد برنامج تأهيلي للمقبلين على الزواج    مجلس جامعة بني سويف يوافق على تنظيم عدد من الفعاليات والمؤتمرات والندوات بكليات ومعاهد الجامعة    نائبة تتقدم باقتراح برغبة لاعتماد برنامج للتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية    مسؤول أممي: اتفاق وقف إطلاق النار في غزة يشهد تدهورًا مطردًا    وزيرة التضامن الاجتماعي: دعم وتمكين ذوي الإعاقة على رأس أولويات الدولة    "المعهد القومي للأورام": جراحات متقدمة وخطط علاج شاملة للسرطان وفق نوع ومرحلة الورم    «هيكل وبهاء: ترويض السلطة».. علي النويشي: التجربتان أسستا لقيم المهنة ودور الصحافة في كتابة التاريخ    صحة غزة: المستشفيات استقبلت خلال ال24 ساعة الماضية 5 شهداء و7 إصابات    وفاة مختار نوح.. تحديد موعد ومكان العزاء غدًا بمصر الجديدة    وادي دجلة يستضيف الاتحاد السكندري بالدوري    «سيناء.. ارض السلام» في احتفالية ثقافية بقصر ثقافة أسيوط بمناسبة ذكرى تحرير سيناء    قصر العينى يشهد اجتماعا علميا مصريا فرنسيا موسعاً لتعزيز الأبحاث المشتركة    بعد غياب طويل.. شيرين عبد الوهاب تعود لجمهورها بحفل في الساحل الشمالي    محمد مختار جمعة: قوة الردع هي الضمانة الأكيدة للسلام.. وجيش مصر يحمي ولا يبغي    خبيئة الكرنك.. الدماطي يكشف قصة ال17 ألف تمثال التي غيرت خريطة الآثار المصرية    استشاري يكشف علامات تحسن مستوى السكر وأعراض ارتفاعه والتفرقة بينهما    بالكعبة وملابس الإحرام.. تلاميذ ابتدائي يجسدون مناسك الحج بفناء المدرسة في بني سويف    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فريق بالجنة وآخر بالسعير.. خطيب المسجد الحرام: من أيقن بالموت تفكر في يوم القيامة
نشر في صدى البلد يوم 10 - 12 - 2021

قال الشيخ الدكتور ماهر بن حمد المعيقلي، إمام وخطيب المسجد الحرام، إن من عرفَ الله أطاعه، ومن أحبَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لزِمَ سنَّته، ومن قرأَ كتابَ الله عمِلَ به، ومن أيقنَ بالموت استعدَّ له، وتفكَّر في مُنصرَف الناس يوم القيامة: فريق في الجنة، وفريق في السَّعير .
من مقاصد الشريعة الكبرى
وأوضح « المعيقلي» خلال خطبة الجمعة اليوم من المسجد الحرام بمكة المكرمة، أن من مقاصد الشريعة الكبرى، بل من الضروريات العظمى، المحافظةَ على الأموال، التي تقوم بها مصالح العباد، ولأهمية المال؛ شرعت الملكية الخاصة والعامة، وشرع للمرء أن يدافع عن ماله، فمن قتل دون ماله فهو شهيد.
وأضاف أن أطولُ آيةٍ في كتاب الله، جاءت في شأن المال، والتصرُّف فيه وتوثيقه، وضبطه وحفظه، فالمال قرين العرض والدم، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ»، رواه مسلم، وفي الصحيحين، عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ، لاَبْتَغَى ثَالِثًا، وَلاَ يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ».
مجبولون على حب المال
ونبه إلى أن بني آدم، مجبولون على حب المال، والسعي في طلبه، فيشيب ابن آدم، وقلبه لا يزال شابّا على حُبِّ المال، إلا من رحمه ربه، وجعل غناه في قلبه، فالمال فتنة، يبتلي الله به من شاء من عباده؛ فمن أجمل في طلبه، وأنفقه في حقه؛ فقد فاز وربح، وأفلح وأنجح، وكان بركةً عليه وأجرا، ولورثته ذخرا ومغنما.
وأشار إلى أن من جعل المال أكبرَ همِّه، فالحلال عنده ما حل بيده، ولم يبال من أين أكتسبه، فقد أصبح ماله وبالاً عليه، إن أمسكه لم يبارَكْ له فيه، وإن تصدقَ به لم يُقبل منه، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن خلّفه وراء ظهره، كان زادا له إلى النار، غرمه عليه، وغنمُه لورثته، ولا يثبت أمام هذه الفتنة، إلا الصادق النزيه، فالنزاهة: هي دليل الديانة، والصدق والأمانة، فمن نزَّه نفسَه، فقد أبعدها عَنِ الْمَطَامِعِ الدَّنِيَّةِ، وحفظ كرامتها وعزتها، وبذل أسبابَ غناها ورضا الرحمن عنها، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد كان يربّي أصحابه، على العفة والنزاهة.
كلما تحلى بالنزاهة
واستشهد بما جاء في الصحيحين عن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: «يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ، بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ، لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ، اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى»، قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لاَ أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى تُوُفِّيَ رضي الله عنه وأرضاه.
وأفاد بأن المسلمُ كلما تحلى بخُلُقِ النَّزَاهَةِ، أثْمَرَ في قلبه الورع والقناعةَ، واتصف بالصدق والأمانة، فنالَ محبَّة ربه، وفاز بمرضاته. قال الماوردي رحمه الله: "والنَّفس الشَّريفة تطلب الصِّيانة، وتُرَاعي النَّزاهَة، وتحتمل من الضُّرِّ ما احتملت، ومن الشِّدَّة ما طاقت، فيبقى تحمُّلها، ويدوم تصوُّنها".
ولفت إلى أنه إذا تخلى الناس عن خلق النزاهة، حل الفساد في المجتمعات، وضُيِّعت الأمانات، ونُهِبَت الخيراتُ، فالفسادُ يعصف بالقِيَم الأخلاقيَّة، القائمةِ على الصدق والأمانة، وينشُر الكذب والخيانة فالفسادُ يجعلُ المصالحَ الشخصيَّة، هي التي تتحكَّمُ في القرارات، فتتعثَّرُ المشارِيع، ويضعُفُ الإنتاج، ويتدنى مُستوى الخِدمات العامَّة ويُعزِّزُ العصبيَّةَ المقيتة، مذهبيَّةً كانت أو قبَليَّةً أو حِزبيَّةً.
الفساد داء عضال
وحذر من الفساد فإنه داءٌ عضالٌ إذا استشرى بأمَّة، أطاح بأركانِ نهضتِهَا، وكانَ سببًا كبيرًا في فشل تنميتها، وضياع مقدراتها، وإهدار مواردها، بسبب اختلال ميزان العدلِ فيهَا، فالنزاهة والعدل، أصل كل خير، والفساد والظلم، أصل كل شر.
وتابع: وللفسادِ المالي، صور كثيرة ومتعددة: اختلاس ورشوة، وتزوير وخيانة، فمن انعقد قلبه على الخيانة، تلطخ بالصور الباقية، فالرشوة من أعظم أبواب الفساد، وهي من كبائر الذنوب والخطايا، سواء سميت إكرامية أو هدايا، والراشي والمرتشي والرائش، ملعونون عند الله، مطرودون من رحمته، على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، أغضبوا ربهم، وخانوا أمانتهم، وغشوا أمتهم، فخسروا دينهم ودنياهم.
النبي بين أبواب الفساد المالي
وأكد أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أبواب الفساد المالي فمنع من تولى عملا للمسلمين، أن يستغل وظيفته، لمصالحه الشخصية، ووضع صلى الله عليه وسلم، قواعد وضمانات، لحماية المال العام، ففي صحيح البخاري، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا عَلَى الصَدَقَةٍ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ العَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِي يَقُولُ: هَذَا لَكَ، وَهَذَا لِي، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَأْتِي بِشَيْءٍ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ »، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ، «أَلا هَلْ بَلَّغْتُ» ثَلاَثًا بلى لقد بلّغ عليه الصلاة والسلام، فوالله لن تزول قدما عبد يوم القيامة، حتى يسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه.
وشدد على أن الأخذ من المال العام بغير حق، ظلم عظيم، يهوي بالمجتمع إلى فساد عريض، وهو جريمة في الشرع المطهر، وخيانة لولي الأمر، وكذلك من استرعاه ولي الأمر على عمل، فلا يحل له أن يأخذ فوق حقه، فما أَخذ فوق حقه فهو غُلُول، يغلُّ يد صاحبه يوم القيامة، ولو كان شيئا يسيرا.
ودلل بما جاء في صحيح مسلم: عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيّ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ، فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ، كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَسْوَدُ مِنَ الْأَنْصَارِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ، قَالَ: «وَمَا لَكَ؟»، قَالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «وَأَنَا أَقُولُهُ الْآنَ، مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ، فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى».
تُبطل ثواب الجهاد في سبيل الله
وواصل: وفي التنزيل العزيز: «وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ»، فمال الدولة، الأصل فيه الحرمة، وهو بمنزلة مال اليتيم، في المحافظة عليه، وتحريم الأخذ منه، والحرص الشديد على صرفه، بما تقتضيه المصلحَة ففي صحيح البخاري، قال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ»، قال ابن حجر رحمه الله: "أي: يتصرفون في مال المسلمين بالباطل"، فاختلاس الأموال العامة، قليلها وكثيرها، كبيرة من الكبائر، من عظم جرمها وحرمتها، تُبطل ثواب الجهاد في سبيل الله، وتذهب أجر الشهادة.
واستطرد: فهذا رجل خرجَ مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر، فَرُمِيَ بِسَهْمٍ، فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ، فَقُال الصحابة رضي الله عنهم: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَلَّا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ الشِّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا، أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ، لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ»، قَالَ: فَفَزِعَ النَّاسُ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ، أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ»، رواه البخاري ومسلم.
ونوه بأنه قد خاطب النبي صلى الله عليه وسلم، صاحبه كعب بن عجرة رضي الله عنه، فقال له: «يَا كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ، إِنَّهُ لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ، إِلَّا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ»، رواه الترمذي في سننه والسحت: هو الحرام الذي لا يحل كسبه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وذلك لأن الطعام، يخالط البدن ويمازجه وينبت منه، فيصير مادة وعنصرا له، فإذا كان خبيثا، صار البدن خبيثا فيستوجب النار؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : «كُلُّ جِسْمٍ نَبَتَ مَنْ سُحْتٍ، فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ»، والجنة طيبة، لا يدخلها إلا طيب".
من ضعفت نفسُه
وأوضح أن من ضعفت نفسُه، واتبع هواه وشيطانه، فأخَذ شيئا من المال العام بغير حله، وجبت عليه التوبة، ورد المال إلى خزينة الدولة، فعلى اليدِ ما أخَذَتْ حتى تؤديه، فالمال العام، حمايته واجبة، وحُرمته عظيمة، لكثرة الحقوق المتعلِّقة به، وتعدُّد الذمم المالكة له، فلنتقِ الله عباد الله، وَلْنراقبْه في كل صغيرة وكبيرة، فحقوق العباد مبنية على المشاحة، وحقوق الله تعالى مبنية على المسامحة، والله جل جلاله يعفو ويصفح، ويتجاوز فيما يكون بينه وبين عبده، وأما حقوق العباد، فموقوفة على التحلل والاستباحة، فالعاقل يتقي اللهَ تعالى فيما يأخذ ويذر، ويتذكَّر تحذير النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، من الفضيحة يوم المحشر، وطوبى لمن حفظ أمانته، وأطاب مطعمه، وأحسن في تعامله، وصدق في حديثه، وأمِنَ الناس بوائقه، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
الأمانة صلاح وشرف
وبين أن الأمانة صلاح وشرف وكرامة أمر سبحانه بحفظها ورعايتها، وفرض أداءها والقِيام بحقِّها، وهي من صفات الأنبياء والمرسلين، يبلغون بها رسالة ربهم، ويقيمون الحجة على أقوامهم، فما من نبي إلا قال لقومه: «إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ»، ونبينا صلى الله عليه وسلم خير الأمناء، بشهادة الأعداء، فهو الصادق الأمين.
واستند لما جاء في الصحيحين، من حديثِ عبدِ اللهِ بن عباسٍ رضي الله عنهما قال: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ، أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: "سَأَلْتُكَ مَاذَا يَأمُرُكُمْ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالصَّلاَةِ، وَالصِّدْقِ، وَالْعَفَافِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، قَالَ: وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ"، فالأمانة من علامات الإيمان، وخيانتها نِفاقٌ وعصيان، وسبب للسقوط في النيران، فإذا ضُرب الصراط على متن جهنم، كانت دعوةُ الأنبياء هناك: اللهم سلّم سلم، ففي صحيح مسلم، قال صلى الله عليه وسلم: «وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ، يَمِينًا وَشِمَالًا».
وأشار إلى أن الفساد المالي، على اختلاف أشكاله وصوره، من خيانة الأمانة، وأكل أموال الناس بالباطل، ظلما وعدوانا، وزورا وبهتانا، ولا يقف أمامه إلا الحارس الأمين، المُخلِصُ لدينه ووطنه، الصالحُ في نفسه، والمُصلِحُ لغيره، فيأمرُ بالصلاح، وينهى عن الفساد، ويُحافِظُ على مُكتسَبات البلاد، ويجعل من نفسه، مرآةً لجهات الرقابة والنزاهة، فمن لم يرهبه وعيد القرآن ردعته درة السلطان، والله يَزَعُ بالسلطانِ، ما لا يَزَعُ بالقرآنِ، وشريعتنا المباركة، قد جعلت من الرَّقابة، مسؤوليَّةً يتحمَّلُها الفردُ كما تتحمَّلُها الجماعة قال تعالى «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ».
وقال : الواجب علينا معاشر المؤمنين أن نتعاون مع أجهزة الدولة، المعنية بالرقابة والنزاهة، وإنا لنحمدُ الله عز وجل، في هذه البلاد المُبارَكة أن أصبحت المملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده الأمين، مثالا رائدا يحتذى به، في محاربة الفساد بكل صوره وأشكاله، فكونوا أيها الْمُؤمنون، يدًا واحدةً مع وُلاة أَمركم، لنهضة وطنكم، وعلو شأنكم، ولتفلحوا في دينكم ودنياكم، «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ والتقوى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.