وزير الزراعة: أسعار الدواجن أقل بكثير من العام الماضي.. ولا 8 جنيهات ولا ال 35 سعر مقبول للكتاكيت    الأوقاف: أكثر من 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام في السنوات العشر الماضية    سر وجوده في مسجد قبل معركة عبرا ومواجهة مرتقبة مع الأسير، تفاصيل جلسة محاكمة فضل شاكر    تفاصيل عرض الاتحاد السكندرى لضم أفشة من الأهلي قبل إعلان الصفقة خلال ساعات    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    نتيجة مباراة المغرب والكاميرون.. بث مباشر الآن في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    الرئيسة الفنزويلية بالوكالة: لسنا خاضعين لأمريكا ولن نرتاح حتى عودة الرئيس مادورو    دومينيك حوراني تنضم إلى «السرايا الصفرا»... خطوة مفاجئة تشعل سباق رمضان 2026    وفاة شقيقة «وسيم السيسي» وتشييع الجثمان اليوم بمصر الجديدة    القمص موسى إبراهيم: القيادة السياسية تؤكد متانة النسيج الوطني    كييف تحت القصف.. طائرات مسيّرة روسية تشعل حرائق في أحياء سكنية    أمطار غزيرة تواصل ضرب الإسكندرية والمحافظة ترفع درجة الاستعدادات القصوى (صور)    الرئيسة المؤقتة لفنزويلا: تشكيل لجنة لإعادة مادورو وزوجته إلى البلاد    إدارة ترامب تدرس دفع أموال لسكان جرينلاند لإقناعهم بالانضمام لأميركا    رئيس المتحف الكبير: مواقع مزورة لبيع التذاكر خارج مصر تهدد بيانات البطاقات    الكاميرون لا تخسر أمام أصحاب الأرض منذ 2000 فى الكان.. هل يكون المغرب الاستثناء؟    دبلوماسي إيراني: طهران ستواصل تطوير برنامجها النووي السلمي    بنك القاهرة يحصد جائزة الأفضل في مجال ائتمان الشركات من World Economic    قراءة توثيقية تفنّد رواية "الفشل.. تفاعل واسع مع منشور "نجل الرئيس مرسي: من أسقط التجربة لا يملك رفاهية التباكي    محافظ الإسكندرية يتفقد توسعة شارع أبو قير وإزالة كوبري المشاة بسيدي جابر    سليمان ينتقد مجلس إدارة الزمالك    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    ارتفاع حصيلة مزاد سيارات الجمارك إلى أكثر من 5.7 مليون جنيه    محافظ القليوبية يوجّه بفحص موقف التلوث الناتج عن مصانع الريش بأبو زعبل    خلاف على ركنة سيارة ينتهي بالموت.. إحالة عاطل للمفتي بتهمة القتل بالخصوص    مواعيد القطارات من القاهرة إلى سوهاج وأسعار التذاكر    ضبط مطعمين فى بنها بالقليوبية لحيازتهم دواجن ولحوم مجهولة المصدر    عامل يعتدى على مدير مطعم بسبب خلافات العمل ثم ينهى حياته فى العجوزة    تاجر خضروات يطلق النار على موظف بمركز لعلاج الإدمان فى مدينة 6 أكتوبر    تموين الإسكندرية يضبط 1589 زجاجة زيت تمويني مدعم بالمنتزه    فعاليات موسم الرياض الترفيهي 2025 تجذب 12 مليون زائر منذ انطلاقه    نيويورك تايمز عن ترامب: الصين وروسيا لن تستخدم منطق إدارتي وفنزويلا تهديد مختلف عن تايوان    14شهيدا بينهم 5 أطفال في قصف صهيونى على غزة .. و حصيلة العدوان إلى 71,395    وزير خارجية عُمان يتجول في المتحف المصري الكبير ويشيد بعظمة الحضارة المصرية    «إن غاب القط» يتصدر إيرادات السينما.. ماذا حقق في 8 أيام؟    عالم مصريات يكشف عن قصة المحامي الذي قاده لاكتشاف «مدينة» تحت الأرض    كرة يد - منتخب مصر يتعادل وديا مع البرتغال استعدادا لبطولة إفريقيا    الأوقاف: 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام    فيفا يبث كواليس كأس العالم عبر منصة تيك توك    وسيم السيسي: النبي إدريس هو أوزيريس.. وأبحاث الكربون تثبت أن حضارتنا أقدم ب 2400 عام    نجوم هووليوود فى لقاءات حصرية مع رامى نوار على تليفزيون اليوم السابع.. فيديو    رئيس جامعة المنوفية يتابع خطط التطوير ويكرم الأمين العام المساعد لبلوغه سن المعاش    نصائح لتناول الأكل بوعي وذكاء دون زيادة في الوزن    محافظ الدقهلية يستقبل ويكرم فريق عمل ملف انضمام المنصورة لشبكة اليونسكو | صور    "مدبولي" يُشيد بجهود منظومة الشكاوى.. ويُوجه بمواصلة تلقي بلاغات المواطنين    ما هي الساعة التي لا يرد فيها الدعاء يوم الجمعة؟..هكذا كان يقضي النبي "عيد الأسبوع"    «النقل» تنفي وجود أي حساب للفريق كامل الوزير على فيسبوك    خالد الجندي يحذر من الزواج من شخص عصبي: هذه صفة يكرهها الله    هل من لم يستطع الذهاب للعمرة بسبب ضيق الرزق يُكتب له أجرها؟.. أمين الفتوى يجيب    آخر تطورات سعر الدينار البحريني أمام الجنيه في البنوك    الصحة تعلن تحقيق الخط الساخن 105 استجابة كاملة ل41 ألف اتصال خلال 2025 وتوسعًا في خدمات التواصل الصحي    الصحة تتابع الاستعدادات الطبية لمهرجان سباق الهجن بشمال سيناء    بعد سحب عبوات حليب الأطفال من مصر وعدة دول.. ماذا يحدث مع شركة نستله العالمية؟    وكيل صحة أسيوط يعقد اجتماعا لبحث احتياجات عيادات تنظيم الأسرة من المستلزمات الطبية    لجنة انتخابات الوفد تستقبل طلبات الترشح لرئاسة الحزب لليوم الأخير    النصر يواجه القادسية في مواجهة حاسمة.. شاهد المباراة لحظة بلحظة    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حسام حربي يكتب: كيف تؤثر العوامل الجغرافية على الطبيعة السياسية والدينية والسلوكية للشعوب؟
نشر في صدى البلد يوم 08 - 10 - 2012

كثيرة هى العوامل التى تحدد طبائع الشعوب.. لكن من أقلها لفتاًُ للإنتباه هى العوامل الجغرافية. وسنتعرض فى هذا المقال لكيفية تأثير الجغرافيا على مختلف الجوانب الثقافية للأمم والتى تبدأ من السياسة ولا تنتهى بالدين..
فمثلاً نجد أن شعب مصر كان تاريخياً شديد التقديس والخنوع والإستكانة لحكامه، وما كان ذلك إلا لطبيعة أرضه.. فإن تأملت خارطة مصر ستجدها مكونة من صحراء شاسعة مد البصر يتوسطها شريط النيل الصغير والذى لا يمكن الحياة إلا بالقرب منه. ولضيق الوادى وصِغَر مساحته كان عادةً ما يسيطر عليه حاكم واحد بسهولة، وبالتالى فإن أردت أن تحيا فى مصر فكان عليك الخضوع لهذا الحاكم وإلا مِت جوعاً لأنه لا يوجد مكان آخر تهرب إليه لتؤسس مجتمعاً بديلاً إذا ما غضب عليك!
وعكس ذلك تماماً نجده فى بلد كاليونان والتى تُعد من أعرق الديمقراطيات فى العالم.. فبسبب طبيعة اليونان الجبلية كان يصعب التواصل بين مدنها المختلفة، وبالتالى يصعب تكوين حكم مركزى يسيطر على المنطقة بأسرها، فنشأت استقلالية كبيرة فى تلك المدن احترمت حقوق الفرد على حساب الجماعة. وبصفة عامة فإن طبيعة أوربا كأرض خصبة مليئة بالأنهار لم تكن لتسمح بحكم شديد المركزية كوادى النيل أبداً، وبالتالى نشأت تلك المجتمعات تقدر الفردية والإستقلال بما تبع ذلك من ضعف العلاقات الأسرية والعائلية مقارنة بالشعوب الأخرى، لكن أيضاً فى مقابل إقرار فكرة المسؤولية الفردية التى لا ترحم المقصر ولا تعفو عن المخطىء ولا ترحم الضعيف مما دفع الناس هناك ليكونوا أكثر إلتزاماً وانضباطاً واجتهاداً وهى طباع لم نزل نلحظها حتى اليوم فى تلك الشعوب.
كذلك نجد طبيعة شبه الجزيرة العربية الصحراوية شديدة القسوة تجمع بين طبيعة مصر واليونان.. فشح المياه من جهة معناه إحكام نفوذ مَن يسيطر على بئر من الآبار على القاطنين حول ذلك البئر، وتنأثر الآبار حول مساحات شاسعة من جهة أخرى معناه ألا توجد حكومة مركزية تجمع بين كل تلك القبائل وألا توجد مصالح مشتركة بينها بل يعيش كل منها فى عالمه الخاص معادياً أو على الأقل مزدرياً جميع القبائل الأخرى. أضف إلى ذلك العنصر المشترك مع مصر فى أن الفرد لا يمكنه العيش وحده وإلا هلك فلابد من الإحتماء بجماعة -قبيلة- تحميه وتدافع عن مصالحه مقابل ولاؤه التام لها. وبالتالى نشأ فى الجزيرة العربية نظام قبلى أبوى جماعى شديد الهرمية (شيخ القبيلة لا راد لحكمه والأب يطيعه أولاده إلخ) وأيضاً نشأ نظام شديد العزة والإفتخار بنفسه وبنسبه يرفض التنازلات ولا يعرف التفاوض ولا حلول الوسط لأنه يعادى كل القبائل الأخرى فلا يرى حاجة للتواضع أو التعاون معها، إذ أن كل قبيلة أقرب لجزيرة مستقلة عن الباقين. وهكذا نفهم مفتاح شخصية الإنسان المصرى والعربى والأوربى من طبيعة أراضيهم.
ومن المثير كذلك أن نلاحظ كيف تركت الطبيعة الجغرافية للأرض بصمة واضحة على المعتقدات الشعبية بل والدينية.. فبسبب نظام الزراعة فى وادى النيل والذى لم يُمَكِّن الفلاح المصرى من أى تدخل تقريباً بسبب قضاءه معظم العام "واضعاً يده على خده" ينتظر الفيضان -الذى إنْ كان عارماً أغرقه وإن كان شحيحاً أعطشه وجوّعه- نشأت فى مصر ثقافة التواكل والإستسلام والمسكنة يعضدها إعتقاد شديد بالقضاء والقدر، كما إزدادت قوة ونفوذ الدين لأن الناس ما كان لها قدرة على تنظيم أو مقاومة الفيضان فكان اللجوء الدائم للآلهة لتكون رحيمة بهم، وحتى اليوم يُعد الشعب المصرى من أكثر الشعوب تديناً. ومِثل ذلك نجده أيضاً فى الجزيرة العربية شديدة التدين لأن الناس هناك كانت دائمة التلهف على قطرة المطر فكانت دائمة الدعاء والتضرع للآلهة لإنزالها.
أما فى أوربا فبسبب خصوبة معظم الأراضى وندرة الفيضانات والكوارث فقد نشأ عندهم نظام أقرب للعلمانية منذ فجر التاريخ، فحتى أيام الرومان والإغريق لم يكن الشعب الأوربى يعير الآلهة إهتماماً كبيراً وكان يجسدها فى مسرحيات ويسخر منها وكأنه يقول لها "لا حاجة لنا بكم.. فنحن ننعم أو نشقى بمقدار عملنا وليس بمقدار ما تمنون علينا من أمطار أو تعاقبوننا بفيضانات"، وقد فاقم مِن ذلك الفكر فيما بعد الإختراعات المضادة لقوى الطبيعة المدمرة كواقى الصواعق المعدنى والذى مثّل للعقلية الغربية تحدى الإنسان للإله وقدرته على مواجهته. وهكذا نجد فى طبيعة الأرض سبباً إضافياً لتجذر فكرة المسؤولية والحقوق الفردية بين الأوربيين، بينما تجذرت عندنا فكرة التلاحم الجماعى التى تعطى للمجتمع الحق فى التدخل فى حياة الفرد الخاصة مقابل إلزام ذات المجتمع بمساعدة الفرد وقت الأزمات والشدة. وقد فاقم من هذه هنا وتلك هناك ضيق المساحات عندنا بالنسبة لعدد السكان و وسعها عندهم.
ومن طبيعة الأرض التى حددت النظم الزراعية أو الرعوية للسكان اختلفت درجات الرأفة والقسوة، فكلما ازداد الإنسان انشغالاً بشأنه كان أقل تعاطفاً مع الآخرين واكتراثاً بهم. ولذا فنجد أن النظام الزراعى المصرى الذى منح الفلاح أشهراً طويلة بلا عمل كل عام بسبب خصوبة الطمى ونظام الرى ساهم فى تماسك وترابط أواصر المحبة بين المجتمع، بينما عضد من فردية وقسوة الأوربيين انشغالهم الدائم بالعمل. وبالنسبة للمجتمعات الرعوية دائمة الإنشغال بالبحث عن الكلأ ورعاية الحيوانات فكانت بطبيعة الحال أكثر قسوة -وأكثر جلَداً- بعكس المجتمعات الزراعية فى المناخات الدافئة التى شمت نسيم الرفاهية والفراغ. كذا فقد وُجد أن المجتمعات التى تعتمد على الثروة الحيوانية تكون أكثر عنفاً من التى تعتمد على الثروة الزراعية لأنه من منظور تاريخى كانت الحيوانات تُسرق بينما المحاصيل لا تُسرق! والمجتمعات صاحبة أوقات الفراغ تكاد تكون الوحيدة التى تخترع وتبتكر لوجود فائض وقتى يسمح لأهلها بالتطور والترقى، وهذا يفسر لنا سبب نشوء الحضارات حول أنهار المناطق ذات المناخ المعتدل دون غيرها (مصر، الشام، العراق، فارس، الهند، الصين) لحين بروز آثار التطور التقنى فى العصر الإغريقى والرومانى فى القرن الرابع قبل الميلاد تقريباً، مما منح الأوربيين ذوى المناخ البارد اليد العليا فى المنطقة لحين ظهور الإسلام.
كذلك يلاحظ أنه كلما زادت رفاهية المجتمعات أو كانت زراعية ذات مناخ معتدل وإنتاج وفير كلما تصورت الآلهة بشكل أقرب للرحمة كمصر الفرعونية ومسيحيو أوربا وأمريكا اليوم، بينما كلما ازداد الفقر والعَوَز بها كلما تصورت الآلهة شديدة الغضب والقسوة كالعراق قديماً التى كانت دائمة الفيضانات المدمرة ومسيحيو إفريقيا اليوم. وأحد أسباب ذلك هو حاجة المجتمعات الفقيرة لإرهاب أفرادها للإرتداع عن إغراء السرقة التى تنتشر بالطبع فى أوقات الشدة والمجاعات فيتم تخويفهم بغضب الإله وعقابه، بينما تخاف المجتمعات المرفهة من الموت وانقطاع النعمة والترف فتركز بالمقابل على النعيم فى الحياة الآخرى متناسية فكرة العقاب والتعذيب الغير مقبولة والصعب تصورها بالنسبة لهم.
ومن أروع ما قرأت شخصياً عن أثر الجفاف وغيره من المشاكل التى تُحد مِن الطعام المتاح على المجتمعات كان فى تفسير ظاهرة "حرق الساحرات" التى تفشت فى أوربا العصور الوسطى والتى يُنظر لها اليوم كأكبر الأمثلة على تخلف وجهل أوربا فى تلك الحقبة، فقد أعزاها بحث تاريخى لانتشار المجاعات وكثرة الآفات وتلف المحاصيل فى تلك الفترة، وبالتالى احتياج الناس الجوعى لحجة "تحلل" التخلص من المواطنين العاجزين عن العمل. وما هى أقل فئة من المواطنين قدرة على العمل؟ بالضبط.. السيدات العجائز. والنتيجة أنه صار قتل أى امرأة عجوز تشاهدَ مع قطة سوداء مثلاً أو أى حجة أخرى عملاً بطولياً يستحق التهنئة!
وليست مصادفة أن نجد تكرار نفس الظاهرة تقريباً ولكن فيما يخص الفتيات الصغيرات فى الجزيرة العربية، فالسبب الحقيقى الكامن وراء ظاهرة وأد الإناث التى انتشرت بين عرب الجاهلية هو أيضاً شح المياه والطعام، فقد أدى تناحر الرجال على الموارد القليلة إلى خلل سكانى بين أعداد الذكور والإناث، فضلاً عن وجود فجوة كبيرة بين دخول الذكور المتبقين نظراً لتقسيم المجتمع إلى "سادة" (منتصرين) و"عبيد" (مهزومين)، وبالتالى فلمّا كان عدد الذكور القادر على الزواج يمثل نسبة ضئيلة من عددهم عند الولادة لم يكن بالإمكان تزويج جميع الإناث عند البلوغ، فكُن يتحولن إلى عبء كبير على الأسرة التى تكاد تموت جوعاً وعطشاً أصلاً.. وهكذا نشأت ظاهرة الوأد خاصة فى غياب الأوبئة الفتاكة التى تنظم التعداد السكانى كالطاعون من الجزيرة العربية بسبب جفاف مناخها. ولذا فنجد أن العرب قد تخلوا سريعاً عن تلك العادة إبان الفتوحات الإسلامية، فقد أدى السلام الاجتماعى والنشاط الاقتصادى الضخم الناتج عن الفتوحات إلى رفع مستوى معيشتهم بشكل كبير فضلاً عن إتاحة فرصة الهجرة لبلاد أفضل مناخاً كالعراق والشام ومصر لأعداد مهولة منهم مما خفف من وطأة التزاحم على موارد الحجاز ونجد القليلة. وهكذا نفهم أن عرب الجاهلية وأوربا القرون الوسطى لم يعاديا المرأة كما تقول بعض التفسيرات القاصرة، بل أجبرتهما الظروف الجغرافية والمناخية فى مراحل معينة من تاريخهما على تصرفات قد تُفهم ظاهرياً بهذه الطريقة.
وتنعكس ذات الأسباب على مدى الإنفتاح أو الإنغلاق الجنسى فى أى مجتمع، فكلما شحت الموارد كلما ازدادت كلفة تربية الأطفال فيه وقَل عائد هؤلاء الأطفال على الأهل مما يجعل العائلات والأسر الفقيرة شديدة النفور من فكرة الزنا ومقدماته لِمْا قد ينتج عنه من حمل. بينما كلما ازدادت الثروة وسمح الوضع الاقتصادى لأهل الفتاة والمجتمع عموماً بتحمل نفقات فرد زائد دون أب يعوله كلما ازداد التساهل مع الحريات الجنسية، وهى ظاهرة لم نزل نلحظها حتى اليوم فى التباين الكبير فى مدى تقبل أو رفض الزنا بين المجتمعات الغنية والفقيرة حتى بداخل الدولة الواحدة بل والعائلة الواحدة. وهكذا نفسر تساهل الأوربيين النسبى مع الزنا ونفور العرب -وسائر المجتمعات الصحراوية والفقيرة- الشديد منه بعيداً عن التنميط الأخلاقى المنحاز لأى الفكرتين.
وهناك تأثيرات أخرى للطبيعة الجغرافية على الشعوب.. فقد وُجد أنه كلما عاش الشعب قريباً من خط الإستواء كلما كان أقل تخطيطاً للمدى البعيد، وذلك لأن الطقس لا يتغير طوال العام فلم يعتد الناس التخطيط والإستعداد للمدى الطويل. وذلك بعكس البلاد البعيدة عنه والتى إضطر سكانها إلى تنمية "عضلات بُعد النظر" لديهم لأنه ما أن ينتهى الصيف المعتدل حتى يواجَهون بطقس شديد القسوة لا يرحم من لم يستعد له بملابس ومنازل وأطعمة مناسبة. إضافة إلى تثبيط المناخ الحار للناس وحثهم على الكسل والبلادة.
كذلك وُجد أن معدلات الذكاء تنخفض فى الدول الإستوائية عموماً وفُسِّر ذلك بقلة التحديات التى تواجه الدول الاستوائية المتمتعة بوفرة الغذاء والحرارة، وأيضاً بانتشار الأمراض والأوبئة فى المناخات الحارة الرطبة.. مما يعنى أن أجساد من يعيشون فى هذه المنطقة توجه طاقاتها لجهاز المناعة بدلاً من المخ الذى يستهلك كميات كبيرة من الجلوكوز والأكسجين، فينشأ الطفل والفرد قوى البدن لكن قليل الذكاء مقارنة بأبناء البلاد الأبرد. وأيضاً بسبب الحرارة المتسببة فى الاوبئة قيل أن الدول الإفريقية قلما تتبنى نظاماً ديمقراطياً.. حيث يسعى الناس فى أوقات الشدة -والتى هى الوضع الطبيعى هناك- إلى البحث عن "فرعون" مُخلّص يحكم بقوة ويغلّب مصلحة الجماعة على الفرد فلا يهتمون بالحريات ولا الحقوق طالما وُجد حاكم حارس قوى يحميهم من الكوارث والحروب المتلاحقة.
أما عن تأثير ضيق المساحة والإزدحام فقد وُجد أن الجمال والمظهر الخارجى يكون أكثر أهمية فى التجمعات المزدحمة كالمدن الكبرى عن غيرها لأن سكانها يتعاملون مع عدد كبير من الناس لمدد قصيرة وبالتالى لا وقت لديهم للتعارف الحميم العميق فيكتفون بالإنطباعات الأولية. ومن تأثير الحياة فى المدن الكبرى كذلك زيادة الإنتاجية والجريمة معاً بسبب كثرة التعاملات.. فقد وُجد أن تضاعف سكان مدينة من المدن يؤدى لزيادة إنتاجية واستهلاك الفرد والإبتكار والإختراع بها 15% كمتوسط لكن أيضاً مع زيادة بنفس النسبة لمعدل الجريمة وانتشار الأمراض. وبالنسبة لنظرة الأفراد تجاه أنفسهم فهناك علاقة مباشرة بينها وبين مستوى المساواة فى ذلك المجتمع.. فكلما ازدادت المساواة فى الدخول كلما قل اعتقاد كل فرد بتميزه عن أقرانه وكلما قَل إهتمامه بأدوات المكانة الإجتماعية كالسيارات الباهظة والمنازل الفاخرة لعدم احساس الناس بحاجتهم لإثبات تميزهم عن الآخرين.
وتُعد رغبة الشعب فى الإتحاد أو التفكك نتيجة مباشرة للجغرافيا السياسية.. فكلما توسعت المملكة أو الدولة (عن طريق الإنتصارات العسكرية) كلما زادت رغبته فى الإتحاد، أما فى حالات الهزائم وتقلص مساحة الدولة فيميلون للإنفصال والتفكك أو إلى نبذ العادات الدينية أو الإجتماعية التى كانوا يتبعونها فى ذلك الوقت لترسخ أنها سبب فشلهم فى ذهنهم. وقد تبلورت هذه الرغبة فى مصر بعد هزيمة 1967 مثلاً بالتخلى عن النظام الإشتراكى بينما نجد فيتنام لا تزال اشتراكية حتى اليوم بسبب انتصارها على أمريكا فى صراع مشابه. والعكس كان فى حالة الإتحاد السوفيتى الذى تفكك جغرافياً بعد هزيمته فكرياً فى الحرب الباردة. ولاحظنا حديثاً ميل كثير من دول الإتحاد الأوربى إلى الإنفصال عن الإتحاد وقت "هزيمته" الإقتصادية وأزمة اليورو الكبرى فى أواخر 2011. والمثير فى الأمر أن الشعوب لا تنقصها التبريرات أبداً لتأييد فكر معين أو نبذه، لكن ما يوجه دفة اقتناعها فعلياً قبل الإتيان بالتبريرات هو مدى نجاح هذا الفكر فى تحقيق أهدافه عملياً. ولذا فعلى سبيل المثال نجد المسلمين أشد تديناً فى أحقاب الانتصارات العسكرية التى توسعت فيها الممالك والدويلات الإسلامية، والعكس صحيح فى أحقاب الهزائم التى يُفتن فيها أعداد كبيرة منهم بالمنهج الفكرى للعدو المنتصر، فقد تراخى تأثير الدين بشدة فى مختلف أنحاء العالم الإسلامى بدايةً من القرن التاسع عشر وهو الوقت الذى ضعفت فيه الخلافة العثمانية ووثب عليه الأوربيون لاستعماره.
لا يملك المرء إلا أن يقف مشدوهاً أمام كل تلك الحقائق والتفسيرات.. فمن الواضح تماماً أن الإنسان كان ولم يزل يتشكل بالبيئة المحيطة به بدءاً من نظامه السياسى والاجتماعى إلى تكوينه الجسدى والعقلى تماماً كما تشكل يدُ النحات الطمى. وهذا إن بيّن لنا شيئاً فيبين قِصَر نظر المتسرع فى الحكم على التصرفات والطباع دون فهم أسبابها ودوافعها، ويجعلنا أكثر تواضعاً لإدراكنا أن تفكيرنا وقناعاتنا أقل حريةً واستقلالاً مما كنا نظن، وأننا كنا سنصير أشخاصاً مختلفين تماماً لو كنا وُلدنا فى هذا المحيط بدلاً من ذاك. كما يوضّح لنا مدى سذاجة مَن يتوقع مِن الناس تغيير سلوكهم وأخلاقهم دون تغيير أحوالهم.. فما نحن إلا إنعكاس لظروفنا كالمرآة التى تعكس وجه الناظر إليها حسُن أم قبُح.
حسام حربى - مدونة «أَبْصِرْ»
https://ubser.wordpress.com


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.