تحولت حرب داعش من قتال الغرب وأعداء الله إلى البحث عن الأموال لسد حاجاتها، هكذا تكون البداية مع المنظمات الإرهابية الناشئة، التي تبث وجودها على الساحة السياسية بمزيد من الأعمال الإرهابية لإثارة الرأي العام العالمي، ثم تتحول إلى أداة محترفة لجني الأموال. هنا يصبح الوضع أشبه بالكوميديا الواقعية، والتي يصبح أبطالها قيادات الفتوى القاتلة من الجماعات الإرهابية، التي تستخدم الدين وسيلة لخدمة مصالحها الذاتية والقائمة على جمع الأموال لأمور كثيرة كحال كافة التنظيمات الإرهابية الأخرى. من المتعارف عليه أن الكثير من المنظمات الإرهابية لديها العديد من مصادر التمويل والمتمثلة فى تجارة المخدرات والتهريب والأسلحة وغسيل الاموال، وغيرها من الطرق المشروعة وغير المشروعة لتمويل عملياتها الإرهابية، وجذب المزيد من المجندين. ويأتي دور فدية الرهائن باعتبارها من أكبر مصادر التمويل للتنظيمات الإرهابية على مستوى العالم، فمثلاً التنظيمات الإرهابية النشطة في شمال وغرب أفريقيا جنت من أموال فدية الرهائن ما يقرب من 70 مليون دولار من عام 2006 إلى عام 2011 من اختطاف غربيين في الجزائر وموريتانيا والنيجر ومالي والمغرب وليبيا وتونس ونيجيريا والصومال وتشاد، واحيانا تصل قيمة فدية الرهينة الواحدة من 5 إلى 15 مليون دولار أمريكي، وبالتالى تعتبر فدية الرهائن من أهم مصادر التمويل لكافة التنظيمات الإرهابية، فهي غير شاقة في جنيها باعتبارها أسهل مصادر التمويل لأنها قائمة على خطف الرهينة واحتجازه لحين دفع فديته.
بالتالي بدأت داعش تسير على هذا الطريق ربما لجف بعض مصادر التمويل، وباعتباره أكبر التنظيمات الإرهابية إثارة على الساحة السياسية الدولية تصبح قيمة الرهينة كبيرة، فمع أول عملية لها فى خطف الرهينتين اليابانيتين منذ فترة ماضية والتى قتلت احدهما لعدم استجابة اليابان لدفع الفدية التى قُدرت بحوالي مائتي مليون دولار، وقتلت الاخر لاعتبارات سياسية اخرى كان منها المقايضة على الطيار الاردنى معاذ الكساسبة وذلك لفشلها فى الحصول على مطالبها منذ قتلها للرهينة الياباني الأول.
هنا يأتي دور الدول الغربية المختطف رعاياها فى مدى استجابتها لدفع الفدية، فعلى الرغم من أن الأممالمتحدة أصدرت قرارا بعدم التفاوض مع المنظمات الارهابية لدفع فدية الرهائن ومحاولة تخليصهم بالطرق العسكرية، إلا أن العديد من الدول مثل فرنسا وبريطانيا وايطاليا والسويد والنرويج لم تستجب لهذا القرار وتفاوضت مع التنظيمات لتخليص رعاياها خاصة فى أفريقيا، وجنى على أثر ذلك تنظيم القاعدة وفروعه أموالاً طائلة من الفدية، أما الرعايا الذين لا يمثلون أهمية لدولهم يتركونهم، وتبني عليهم أكاذيب سياسية ودعوى بعدم التفاوض مع الإرهابيين لأن ذلك خرق لقانون الأممالمتحدة ، وفي نفس الوقت تستغله لإثارة الوضع فى العالم العربي والإسلامي، والدليل على ذلك عندما رفضت الحكومة الفرنسية التفاوض مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي للإفراج عن الرهينة ميشيل جيرمانو وعمره 78 عاما مما أدى إلى مقتله من قبل التنظيم ، وكذلك الرهينة البريطانى ادوين داير والذى قتله نفس التنظيم السابق نتيجة عدم استجابة الحكومة البريطانية في دفع الفدية ، وهذا مافعلته داعش بالفعل عندما قتلت أحد الرهينتين اليابانيتين نتيجة رفض استجابة الحكومة اليابانية دفع الفدية، إذن هناك سياسات تحكم الدول الغربية فى استجابتها للتنظيمات الإرهابية فيما يتعلق بدفع الفدية وليس رضوخاً لميثاق الأممالمتحدة. هنا يصبح التمويل له دور في خلق سوق للمسلحين لا ينتمون لأى جماعة بعينها أو تنظيم إرهابى، يخطفون الأجانب، ثم يسلمونهم إلى الإرهابيين، حيث تسمح جرائم الخطف للتنظيم بتنفيذ أجندة سياسية، بينما يجني في الوقت ذاته "فدى" بملايين الدولارات، وبالتالي يلعب التمويل دوراً هاماً فى ازدياد حراك التنظيم، ونشاطه واستمراره فى القيام بالمزيد من العمليات الإرهابية، وتوطيد علاقات تعاون مع عصابات الجريمة. هنا يشبه الوضع في الساحة الإرهابية الوضع السينمائي للفنان المبتدئ، الذي يثبت جوده بمزيد من المشاهد المثيرة ثم يتحول إلى محترف ليجني المزيد من الأموال، هكذا تتحول داعش من إثارتها لقطع الرؤوس إلى المراهنة على الباقي بدفع الفدية لجني المزيد من الأموال خاصة عندما تجف بعض مصادر التمويل من قبل الدول والمنظمات الراعية للإرهاب لحماية مصالحها، خاصة مع الخسائر التي منى بها التنظيم من قبل ضربات التحالف الجوية، والتي من المحتمل ان تؤثر على عدة وعتاد التنظيم ولكن لا تنهيه لاعتبارات سياسية دولية، بالتالى من المحتمل أن يلجأ التنظيم في الفترة القادمة إلى المقايضة المالية على الرهائن فى مقابل تحريرهم وستصب أنظارهم فى الفترة القادمة أيضاً على الدول الاكثر اهتماما برعاياها.
بالتالي يصبح الدين لعبة شطرنج تتناحر عليها الملوك من القوى الدولية والتنظيمات الإرهابية الكل يتصارع ليخدم مصالحه ليصل في النهاية إلى خدمة القوة الأكبر على الساحة السياسية فتتحقق له كافة مآربه. ويصبح العالم العربي ساحة تلعب فيها داعش وأمثالها مع القوى الدولية اللعبة الكبرى للسيطرة على ثرواته الظاهرة والباطنة، ليس ذلك فحسب، وإنما لتظل أكبر قوة في العالم كما هي، مهما ظهرت قوة أخرى تناهضها، إلا أنها تسعى للمحافظة على كونها القوة الأحادية القطبية، هكذا تتكبد الولاياتالمتحدة كل غال وثمين للحفاظ على جودها، وهكذا تكون داعش وأمثالها الورقة الرابحة لبقاء هذا النظام الطبيعي في عرف القوى الدولية، وهكذا يكون العالم العربي في التطور الطبيعي كما يصف الغرب. فهل من صحوة توقظ عالمنا العربي حتى يعي أنه على حافة الهاوية؟.