سوف ننحي جانبًا ما حدث من السير إلى الانتخابات على طريق مفروش بدماء الشهداء. ولن نتذكر أن من تم اختياره للجلوس على مقعد رئيس برلمان الشعب المصري والذي فيما مضى جلس على مقعد أمام عمر سليمان، نائب المخلوع، للتفاوض على دماء الشهداء خلال ال 18 يومًا الأولى من الثورة المصرية. سوف نفعل كل ذلك من أجل احترامنا لإرادة الشعب ونتيجة الانتخابات االنزيهة الديمقراطية غير الحرة لانعقادها تحت لواء مدرعات وأصفها بذلك ببساطة لأنه انتخابات خرجت خلالها الجموع للإدلاء بأصواتهم ووصلت هذه الأصوات بالفعل إلى الصناديق على الرغم من التجاوزات الفادحة التي مهما كانت، لن تمثل عُشر ما كان يحدث في الانتخابات المخلوعية، ولكن للأسف في ظل الحكم العسكري. حاصرنا الإسلاميون حديثي العهد بالسياسة (السلفيين أعني) في مارس الماضي بقواتهم من الملتحين المتدثرين بالبياض على منابر المساجد ومنابر الإعلام الديني الموجه بقيادة أئمة وعلماء دين نحسبهم على خيرطالما التزموا بتخصصهم. هؤلاء هم من حولوا الاستفتاء على التعديلات الدستورية إلى معركة أطلق بعضهم عليها “موقعة الصناديق”، وهي المعركة التي خسر فيها الجميع وانتصر فيها المجلس العسكري محدثًا ثقبًا في المجتمع المصري نصف قطره وصل إلى 85 مليون مصري. لم يكن هذا غريبًا على الإطلاق بالنسبة لحديثي عهد بالسياسة، بل كان عجب العجاب أن يدعم ما حدث من انقسامات وأن يتحدث بنفس اللسن جماعة مخضرمة في العمل السياسي جماعة الإخوان المسلمون. وما من شكٍ أن دعم الإخوان لهذا الاتجاه كان توليةً للصالح الخاص على العام حيث رأت فيه وسيلة فعالة للفوز بالانتخابات البرلمانية. وبالفعل فازت الجماعة من خلال ذراعها السياسي حزب الحرية والعدالة بالأكثرية في في انتخابات البرلمان. إلى هنا ينتهي المشهد من على السطح، إلا أنه رغم بساطته يحمل بين طياته الكثير من الأمور الضمنية التي باتت صريحة إلى حدي ما بمرور الوقت فما هي هذه الأمور؟ الإجابة في يد الإخوان الذين ألقوها في وجوهنا كلنا حتى لا نرهق أنفسنا بعناء البحث عنها. الإجابة ظهرت على السطح هي الأخرى عندما أعلنت الجماعة أنها لن تشكل الحكومة ولن تغير حكومة الجنزوري. عندما بدأت في إرسال بالونات اختبار للشعب لقياس ردة الفعل الشعبية تجاه العفو عن دماء الشهداء من ضحايا المخلوع والعسكري (العفو عن المخلوع نفسه وبطانته الكاكية). وبعد استباب السلطة التشريعية في أيدي الإخوان، كشف الواقع ومقتضياته أمورًا من المفترض أن تشكك أغلبية المصريين في اختيارهم الانتخابي ورهانهم السياسي على الإخوان حيث قبلوا تكليفًا عسكريًا بتشويه الثوار وتكبروا على الشعب المصري كله وعمدوا إلى توفير الدعم والغطاء الشرعي للمجلس العسكري وهو ما يحمل بين طياته عدة سيناريوهات قد يصدق أحدها أو قد تصدق جميعًا خلال الأيام القليلة القادمة، وإليها ننتقل: الأول: أن السلوك العام لجماعة الإخوان المسلمين يعاني من شوائب عديدة يمكننا اعتبارها أعراضًا للارتباك والتخبط حيث نراها عاجزة تمامًا عن نسيان صفة “المحظورة” التي لازمتها لعقود عديدة، وهو ما يتضح في تجنبها تشكيل الحكومة والاكتفاء بإشارة بسيطة في أحد البيانات الصادرة عن حزب الحرية والعدلة إلى أنها لن تطالب بتشكيل الحكومة. يؤكد لنا ذلك أن الجماعة تعاني من انتكاسة عادت بها إلى مرحلة المراهقة السياسية التي تتضح جليًا على الجماعة في مظاهر الاحتفال التي تمارسها والاجتماعات والمؤتمرات المكثفة التي لا ينتج عنها أي جديد. الثاني: أننا أمام حالة استقطاب للقوى الثورية داخل البرلمان، والتي يغلب عليها الطابع الليبرالي من خلال بعض التمثيليات التي تريد الجماعة من خلالها استمالة القوة غير الدينية بمجلس الشعب وتوريطها في تحالف أو توافق يعملون من خلاله لدعم سياسات العسكري والسير بالبلاد في طريق النموذج الباكستاني حيث للجيش السلطة المطلقة مع السماح تشكيل حكومات وهمية وأجهزة دولة ورقية تتغير وتتبدل حسب رغبة الجيش. الثالث: أن الجماعة تعمل من خلال الممارسات الحالية دافعةً حزب النور، صاحب اللمركز الثاني في الانتخابات البرلمانية، في نفس الاتجاه إلى استغلال القوى اليبرالية بالمجلس وما تتضمنه من كوادر سياسية وعلمية وخبرات إدارية لتحقيق مكاسب سياسية تضمن بها الاستمرار في الحصول على الأغلبية لفترات قادمة، وهو ما يشبه إلى حدٍ كبيرٍ فكرة المجلس الاستشاري الذي وظفه المجلس العسكري لتطبيق سياسة المنشار (طالع واكل نازل واكل). ففي حالة فشل المجلس الاستشاري يتجنب العسكر التصاق تهمة الفشل بهم، أما إذا نجح فسوف تنطلق أبواق الإعلام بسرعة الصاروخ لتنسب النجاح إلى المجلس العسكري. وأعتقد أن هذا هو السيناريو الأقرب للواقع حيث ظهرت في الآونة الأخيرة على جماعة الإخوان أعراض العدوى التي يمكننا التعرف عليها من خلال مقارنة بسيطة بين سياسات العسكر وسياسات الجماعة، وحتمًا سوف تكون النتيجة هي التطابق الكامل بينهما. ذلك التشابه الكبير الذي يصل إلى حد التطابق بين سياسات مجلس العسكر ومكتب الإرشاد يستدعي وقفة، لا للتأمل أو التفكير، إنما للاحتجاج والاعتراض على استنساخ حزب وطني جديد. وقفة تشيب لها الولدان تتوحد فيها قوى الثورة من أجل شيء واحد فقط والتأكيد على قرار واحد فقط أصدرته الثورة منذ اندلاعها وهو تسليم السلطة للشعب على أن تلتزم هذه القوى بهتافها الموحد “الشعب يريد”، والإرادة في 25 يناير 2012 لابد أن تكون إرادة الأمر لا الطلب أو الاستجداء.