احتل الشاعر الفلسطيني الراحل «معين بسيسو»، مكانة كبيرة على الصعيدين الإقليمي والقومي، ليس فقط لمواقفه السياسية، وإنما بكلماته التي حاربت وقاومت الاحتلال. بالتزامن مع الذكرى ال30 لوفاة «شاعر الأرض والمقاومة»، تتطرق «البديل» لرؤية وتحليل الشاعر الفلسطيني الراحل علي الخليلي، لأحد نصوص «بسيسو»، ذلك الشاعر الذي ولد في مدينة غزة عام 1926، وتوفي في مثل هذا اليوم من العام 1984. في السنوات التي سبقت رحيل الشاعر الفلسطيني علي الخليلي، كتب عن صاحب «كرّاسة فلسطين»، وبالتحديد عن القصيدة الأخيرة له، حملت عنوان ذاتها "القصيدة"، فكأنها في مقصد عنونتها "قصيدة القصائد"، أو "خاتمة ديوان العمر"، لهذا الشاعر الذي ملأ الشعرية الفلسطينية والعربية بعشرات الدواوين، منذ ديوانه الأول «المسافر»، في العام 1952 إلى وفاته. وقال الخليلي: لا تقف ميزة هذه القصيدة المطولة عند عنوان ذاتها، بطبيعة الحال، وإنما بكونها ملحمة مكثفة الرؤيا فاض بها الشاعر بعد "الخروج" الفلسطيني التراجيدي من بيروت في العام 1982, والذي شبهه المراقبون أو "المقاربون" الذين يعشقون التشبيهات والمقاربات لتفاصيل التراجيديا الفلسطينية وفصولها المتلاحقة، بأجواء "الخروج الثالث"، أو "الهجرة الثالثة"، بعد هجرة "نكبة" العام 1948, وهجرة "هزيمة" العام 1967, ثم وقوع الشاعر نفسه "خارجاً" أو "خارجياً"، ومهاجراً ولاجئاً ومشرداً، في براثن المنفى الإنجليزي بلندن، حتى الموت في العام 1984. تاريخ القصيدة سنة 1983, أي أنه كتبها بعد "الخروج" بسنة واحدة. كما كانت الأخيرة، قبل وفاته فجأة، بسنة واحدة أيضاً. ويتابع: «تكثيف مذهل في هذه القصيدة، يصعد من حرائق الغضب والحزن والانكسار والضياع، في "أنا" الشعر التي لم يعد الشاعر نفسه قادراً على الاعتراف بها، إلا عبر فنائها، ثم انبعاثها في طوفان من حنين جارف إلى الوطن الفلسطيني الذي لا يشبه سوى "أنا" الشعر، ولا يُقارب إلا الحنين إليه. هي قصيدة سقوط "الخارج"، في كرنفال نهوض "الداخل". ماذا يفعل الشاعر، أو "أنا" الشعر فيه، حين يؤكد على أن المنفى "تفاحة مثقوبة بفراشة/ وفراشة مثقوبة برصاصة/ ورصاصة مثقوبة بجرادة حطّت على كفي وأضناها السفر.."، وهو الشاعر لا يزال، يتساقط فيه، بعيدًا عن الكرنفال». ورأى أن «بسيسو» على عكس شعراء آخرين كثيرين، أكلوا هذه التفاحة لعبوا مع هذه الفراشة، وتحايلوا على الرصاصة، يهتف معين بسيسو في "الخروج" الأخير، في "القصيدة" الأخيرة، ضد المنفى بجميع أشكاله وأحواله، أو يهتف على الأصح، ضد الجغرافيا البليدة التي لا تكترث به وبكل مأساته، وهي تُخفي عنه أرضه "..الآن كيف ترى لأرضك/ كلما زدت اقتراباً/ كلما زدت اغتراباً"، حتى كأنها تخفي عنه "أنا" شاعريته، في قمقم أسطوري مخيف. ليسأل: هل يمكن للمنفى مع ذلك، أن يكون وطناً للفلسطيني؟ ثم يكون هو الوطن الذي يفتش عن وطن. فليس له من معنى سوى الرحيل المستمر. وهنا يدلل على المنفى في هذا المعنى، (سفر في القمقم الأسطوري المخيف ذاته): "سفر، سفر موجٌ يترجمني إلى كل اللغات وينكسر موجاً على كل اللغات وأنكسر وتراً، وتر، سفر، سفر سفن، كلابُ البحر أشرعة السفن وطنٌ يفتش عن وطن". ثم يقول: «لا قيمة لوطنٍ تطمسه الجغرافيا البليدة. لا قيمة لوطن يخدعه المنفى مراراً وتكراراً مثل خرافة أبدية ملتصقة بأشباح لا أجسام لها ولا ظلال. المنفى هو الموت، دون أدنى قبر. وكأن مات الشاعر معين بسيسو فعلاً، في لندن، وحيداً ومهجوراً في الضباب والبرد والعتمة، تحت رأسه المثقل بالسفر. لو أن العمر امتد بهذا الشاعر الكبير حتى اتفاق أوسلو سنة 1994, لكان أول عائد إلى غزة، وأول ناقد له أيضاً، بقسوة وغضب». «في "القصيدة" كان الشاعر معين بسيسو، في منفاه الأجنبي البارد المعتم، يبحث عن "غزالة العرب"، كي يصل من خلالها، عبر صحراء شاسعة، إلى فلسطين، كيف يعقل هذا الوصول؟ ثمة، في العروبة، أو في القومية العربية، غزالة هي عقل الشاعر وقلبه و"أنا" شاعريته، في آن، حيث كاد، في زمن ما، أن يكون في بطن هذه الغزالة». هكذا قال صاحب «انتشار على باب المخيم»، وتابع: للفلسطيني المشرد وطن في عمان، وبيروت، ودمشق والقاهرة وبغداد والجزائر وتونس، وفي بقية عواصم الأطلس العربي كله، ولكن العروبة أو القومية العربية مجرد فيض جميل من ذهنية مهزومة تكتسحها الجغرافيا البليدة. فهي إلى هذا الفيض، رغم جماله، مجرد منفى بشع. واختتم قائلًا: في هذه المعرفة، عاد الشاعر حقاً، إلى غزة ونابلس، وكل فلسطين. عاد عودة كاملة، غير مجتزأة، رغم أن قبره لا يزال في المنفى البعيد. ورغم أن سفره الطويل بين الفراشة والرصاصة، لا يزال يحيط بستة ملايين لاجئ فلسطيني، على امتداد القارات.