جامعة الأزهر بأسيوط تشدد على انتظام حضور الطلاب بالكليات والالتزام بالخطة الدراسية    قبول دفعة جديدة من المتطوعين وقصاصى الأثر والمجندين للانضمام لصفوف القوات المسلحة    رئيس الوزراء يحسم الجدل: لا يوجد أي تصور لزيادة أسعار المحروقات مرة أخرى خلال الفترة الحالية    السياحة تنظم قافلة بالسوق الألماني للترويج للمقصد المصري.. ومنظمو الرحلات: مصر وجهة سياحية على مدار العام بفضل تنوع مقاصدها    مدير عام الشئون المالية والإدارية بصحة أسيوط يعقد اجتماعا لتفعيل ترشيد النفقات وتعزيز الانضباط المالي    النائبة جيهان شاهين: البيان المشترك لمجلسي النواب والشيوخ يعكس موقف مصر الحازم تجاه الأشقاء ورفض أي عدوان خارجي    إعلام إيراني: مقتل وإصابة 19 شخصا في هجوم أمريكي إسرائيلي    أحمد دياب رئيسًا لاتحاد الروابط الأفريقية لكرة القدم لمدة 4 سنوات    الحرب الصهيو امريكية وايران هى من تحدد وجهة محمد صلاح القادمة    البنك الأهلي يهزم المصرية للاتصالات وديا استعدادا للدوري    11 سؤالا بعد الفوز على منتخب السعودية    الأمن يكشف ملابسات فيديو مشاجرة بين فتاتين وفرد أمن بمول تجاري بالجيزة    تامر حسني يؤيد اقتراح السبكي لإنقاذ دور العرض ويطالب بتطبيقه بمختلف الجهات    من هو جنكيزخان العصر الحديث يا تُرى؟    فتحي عبد الوهاب: اشتياق الجمهور لشخصية سميح الجلاد حسم عودتي لمسلسل المداح 6    مدير فرع الرعاية الصحية بالإسماعيلية يجري جولة مفاجئة بمستشفى القنطرة شرق المركزي (صور)    أستاذ العلوم السياسية: الوساطة المصرية تتبنى حلولا دبلوماسية تحمي مصالح الجميع    وزير الرياضة يُهنئ أحمد دياب برئاسة اتحاد روابط أندية إفريقيا ويؤكد دعم الكوادر المصرية دولياً    الجيش اللبناني ينعى أحد جنوده إثر غارة إسرائيلية استهدفت "دير الزهراني"    الأزمات تضرب فيلم سفاح التجمع والمخرج يكشف كواليس التوقيت السيئ والتصنيف +18    مجلة "Time " تدرج "القاهرة" ضمن أفضل مدن العالم للزيارة 2026    تأجيل دعوى هدير عبد الرازق لتجميد تطبيق عبارة "الاعتداء على القيم الأسرية" إلى 8 يوليو    محافظ بورسعيد: تطوير 168 عمارة بحي الزهور بتكلفة 270 مليون جنيه    تحديد 29 مارس لأول جلسات محاكمة قاتل "ميرنا جميل" بالخصوص    محافظ الفيوم يعاقب رئيس وحدة سنرو لضعف النظافة وتراكم الإشغالات    منظمة التعاون الإسلامي تدين قرار السلطات الإسرائيلية بالاستيلاء على منازل في القدس المحتلة    مركز التجارة الدولي: 2.5 مليون دولار صادرات مصر من الخوخ عام 2024    شريف الدسوقي: اختيار الممثل يعتمد على "نظرة المخرج" لا الشكل    محافظ الإسكندرية يتفقد كوبري العوايد لفرض الانضباط ومواجهة الإشغالات والتعديات    محافظ الجيزة يتفقد التجهيزات النهائية بمستشفى بولاق الدكرور تمهيدًا لافتتاحها رسميًا    محافظ الجيزة يتابع انتظام سير العمل بمستشفى أم المصريين    للعام العاشر.. "مسرح الجنوب" يواصل مشروع تنمية القرية    مشروع قانون شامل لتنظيم الإعلانات الطبية وحماية المرضى    عاجل- رئيس الوزراء: رفع أسعار الطاقة على مصانع الأسمدة دون تأثير على السوق والفلاحين    وزير التعليم العالي: إجراءات تنفيذية لترشيد استهلاك الطاقة بالجامعات والمعاهد    الرعاية الصحية تستعرض إنجازاتها وأنشطتها ب فيديو "الرعاية الصحية في أسبوع"    تعليم بني سويف يوقف جميع حركات النقل والندب من المدارس والإدارات    حقيقة عدم اتخاذ الإجراءات القانونية في واقعة مصرع طالب دهسًا    وزير خارجية المغرب: ما يجري بمنطقة الخليج لا يجب أن ينسينا الوضع فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية    الداخلية تكشف ملابسات فيديو حادث سيارة بالبحيرة    البابا لاون الرابع عشر يؤكد مركزية المسيح ودور الكنيسة في الدفاع عن الإنسان    لجنة الحكام تسلم الشارة للحكام الدوليين    سعر الدرهم الإماراتي في البنوك المصرية اليوم    تجديد حبس عاملين بتهمة الشروع في قتل عاطل وإضرام النار فيه بالمطرية    طلب برلماني لمناقشة قصور رعاية مرضى «دوشين».. ومطالب بتوفير العلاج للأطفال    بعد حملة التنمر على أسرته.. محمد الشيخ : أنا خصيم كل من ظلمني يوم القيامة    فرص عمل جديدة في 10 محافظات.. "العمل" تعلن نشرة توظيف بتخصصات متنوعة ورواتب مجزية    محافظ أسوان يشارك في مائدة مستديرة حول دور الإعلام في صناعة السلام المجتمعي    حبس ابن لاعب سابق في منتخب مصر بتهمة حيازة مخدر الحشيش بالتجمع    سعر الليرة أمام الدولار في مصرف سوريا المركزي (تحديث لحظي)    «سيدات سلة الأهلي» يواجه البنك الأهلي في ربع نهائي الدوري    وكالة الطاقة الذرية: ضربة جديدة قرب محطة بوشهر النووية الإيرانية    زكريا أبو حرام يكتب: القدوة والتأثير    تكريم 80 من حفظة القرآن الكريم والنماذج المتميزة في قرية البديني ببني سويف    خبيرة اجتماعية: النزوة قد تصدم الزوجة.. لكنها لا تعني نهاية العلاقة    منتخب ألمانيا يهزم سويسرا 4-3 وديا    الأزهر يوضح علامات قبول الصيام وطريق الطاعة المستمرة    صاحب الفضيلة الشيخ سعد الفقى يكتب عن : الدكتور / السيد عبد الباري الذي اعرفه؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سمر نور: حفلة بينوكيو
نشر في البديل يوم 19 - 11 - 2010

أقف على إفريز سطحه المختار، أدعو نجوم الأفيشات المعلقة في الفضاء للحفلة، “تك، تك، تك،....”، إنها دقات جسدي الخشبي على السيراميك. يخرج المدعوون من صورهم المكتملة على اللافتات المعدنية الضخمة. يأتون فرادى وجماعات، لتبدأ الليلة، وتختفي أصوات البشر خلف إيقاعي الراقص.
لم أكن سوى عروسة خشبية. تكبر أنفى كلما كذبت، لكن الرجل- ذا الضمادات البيضاء على أنفه- خلق من طين، واستقى دروسه من مئات الكتب المكدسة في حجرته، ولا يجد عبرة واحدة يمكن استخلاصها من حكاية أنفه الكبير الذي تحول إلى عجينة أدخلت لفرن شمسي ولم تنضج بعد، فقط أحمر وجهها!
يطل من سطح البيت على اللافتات المعدنية الضخمة المعلقة في السماء، إعلانات عن سلع استهلاكية، سمن، أدوات ماكياج، جرائد، شرائط كاسيت وديفيديهات، أفلام، برامج تليفزيونية، كل من يظهر على تلك الألواح المتلألئة في الليل، يلمع ويبرق مثل الأضواء المحيطة به، بشر مشذبين إلى حد الكمال. يتحسس الضمادات الملتفة حول أنفه ويبتسم، كأنه يبادل الجميلات المرتسمات أمامه بأحجام كبيرة الابتسامات المصطنعة.
لم تكن الفتاة ذات النقاب الأسود التي لا يبين منها سوى عينين مكحلتين تعرفنى أو تعرفه. لم تدرس قصتى في مدرستها، ولم تقرأ لها والدتها قصة بينوكيو المعروفة لذي العجينة البيضاء، ولم يتمناها نجار وحيد، ولم يصنعها بيديه على الأرض. لقد خلقت أنفها في السماء ولم يكن هناك مجال للاعتراض.
لماذا فشلت عمليته البسيطة وتحول التشوه من مجرد أنف كبير إلى عجينة بيضاء تملأها بثور حمراء قبيحة؟ لماذا هو تحديدا وليس كل هؤلاء البشر الذين يواجهون سطح البيت، حاملين بصمة عشرات أطباء التجميل؟
لم يكن هناك وقت لانتظار إجابات السماء. تنقل بين طبيب وآخر، وعملية تجميل وأخرى لإعادة تشكيل العجينة من جديد، لتتشوه كل مرة أكثر.
تحت الضمادات يخفى عجينته اللينة.
خلف النقاب تخفى أنفها النافر كراية متخشبة.
ظلت تحلم بإجراء عملية تجميل. لن تنفخ وجنتيها أو ثدييها أو تزيل الدهون الزائدة عن فخذيها وأردافها. ولن تشد وجهها كطبلة تنتظر من يطبع أصابعه عليها بإيقاع القبلات أو الصفعات، ستزيل فقط هذا الظل الأعوج من وجهها، ستلينه في اتجاه مستقيم، وتشكله ليصل إلى أقل من مستوى ناظريها، ستعيده إلى حيث يعتقد الجميع أنه يجب أن يكون الخلق الجميل، بلا أخطاء تشوبه.
هو لم يحلم، لكنه فعل.
صارت أنفه تكبر كلما كبر بمعدل مضاعف بالنسبة لنمو جسده الضئيل، تحديدا ملامح وجهه الأخرى، لتتناقض أكثر مع عينيه الضيقتين. وصارت نظرياته تكبر معه. كان يرى الجمال فيما يميزنا عن الآخرين -حتى وإن كان تشوها- يخرج من أعماقنا ويفرض نفسه على الصورة، فيبدو للنقص جماله، الكمال يفقد سحره حين نصل إليه، جماله في هذا السعي الدائم تجاهه.
فلماذا لا يسعى إليه؟ في واقع الأمر لم تكن تجربة فلسفية قدر كونه اكتشاف مفاجئ لأهمية هذا العضو الكبير بالنسبة لحجم وجهه وتأثيره على حياته. لا يكف هذا الرجل عن إثارة سخريتي وتعجبي من عقله “الكبير” مثل أنفه خاصة أن “هي أخرى” كانت المدخل الأول لنقد فلسفته، هربت منه في آخر لحظة، واعترفت لصديق أنها لم تستطع التأقلم مع مشهد أنفه المشهر أمامها كسيف، ظنها مجرد فتاة فارغة العقل، لكنها لم تكن هي واحدة، كان هناك أكثر من هي، وأكثر من لا رافضة مشرعة كأنفه.
كانت هي حكايتنا مستسلمة تماما لقدرها كبطل إغريقي. تكتفي بحلم إعادة خلقها على شاكلة أخرى، ترى في حلمها شابا وسيما، والوسيم بالضرورة كما تراه رجل دقيق الأنف. يشكل أنفها تارة كأنها قطعة من الطين، أو ينحتها في الصخر لتبرز تفاصيلها بصعوبة تحت طرقات أزميله.
قالوا لها إن تغيير خلقتها حرام، فصدقت دون مناقشة وأسدلت نقابا أسود على فضيحتها. تخفى تشوهها، وتبرز عينيها المكحلتين كشارة جمال تحجب أنفها الخفي. قال لها آخرين ليس حراما، فقررت أن تبحث عن عمل آخر بجانب عملها الصباحي، لتدخر ثمن عملية تجميل.
لم تكن تجهد عقلها بالتفكير، تسمع وتنفذ في صمت.
تدربت في عملها الجديد على برامج جرافيك. وحققت ما لم تحلم به من قبل، مرأى صورتها المثالية، جسدها المتناسق، وملامحها المنمقة. أعادت رسم أنفها الكبير من جديد. فبدت صورتها على الشاشة كما تتمنى أن تكون بعد أن تنتهي من جمع ما يكفى الشاب ذا البالطو الأبيض من أموال.
قالت: هذا المثال الذي يحتذي به. أنف “هو” دقيقة الصنع أطلت من صفحة الموقع الإلكتروني. اقتربت من الشاشة وكادت تلصق أنفها الكبير على أنفه. من أين له بهذا المثال، رسمت أنفها مثله تماما، وأرسلتها إليه.
قال: هذا ما تخيلت ورسمت مثاله. أنف “هي” دقيقة الصنع أطلت من صفحة الموقع، ابتعد قليلا بعجينته المتكورة في منتصف وجهه وكاد يخبط رأسه بالحائط وراءه. ركز في مثالها الشبيه بأنفه المصطنعة على الشاشة، وأرسل يطلب التعرف عليها.
لم يكن كمال أنفيهما ما جذب أحدهما للآخر، كان هذا السحر المنبعث من التشوه الخفي.
يسير في طريقه إليها..
كيف يسوق هذا الأنف المكتمل إلى غرفته؟ شغله الأمر وجعله يحتمل كل هذا الزحام والضجيج والمباني المرتجلة في وجه الطريق، و”تك، تك، تكتك تتكتك”.. هذا الإيقاع الذي يتبعه، وقع قدم خشبية محترفة على الإسفلت، يجعل جمجمته تكاد تنفجر، لم يحاول النظر وراءه، كان مشدودا لأعلى حيث الإعلانات المتراصة على الطريق، تطل عليه باستهانة، وتتحول نظرات المرتسمين عليها بأحجام كبيرة تجاهه، تراقبه حتى باب الكافيه الذي سيقابل صاحبة الأنف الكبير فيه، يتردد قليلا أمام الباب الزجاجي المغلق، لا يرى ما وراءه، فقط يرى صورته بحجمها الطبيعي كأنه ينظر في مرآة، يردد بينه وبين نفسه سلسلة الأكاذيب والحكايات التي سيلقيها على أذانها بالداخل، ليخفى ضماداته البيضاء عن عينيها.
اختارت تربيزة منزوية لتجلس عليها، تلقى نظرة على مظهرها، تتأكد من وضع الكحل حول الفتحتين الوحيدتين الظاهرتين من وجهها، وتتأكد من أن أنفها مختفي تماما خلف طبقتين من القماش، تبين منها القماشة السوداء لتمتص الأضواء وتقلل من حجم مصيبتها المؤقتة. جمعت ما يكفى طبيبها الوسيم، تستطيع التخلص من فضيحتها، وامتلاك وجه مكتمل الجمال، ستستمتع كثيرا حين تتزوج صاحب الأنف المثالي، حين تلمس أنفه بأنفها الوليد، لن يعرف أصل هذا الأنف وفصله، سيصبح ماضيه مجرد ذكرى مدفونة تحت نقاب، تبتسم في المرآة.
لن تظل جالسة في مكانها، ولن يقف العمر كله على باب الكافيه، الأبواب المغلقة دائما تفتح، ومن يرى نفسه في المرآة سيرى عالم آخر لو أنه، فقط، اقتحم الجدار.
سأعود إلى الرقص مع صحبتي، قبل أن تزعجهم أشعة الشمس، وتعيدهم إلى حيث كانوا قبل الحفل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.